يوميات أيهان و الستة (الحلقة 1)

(1) دعنا نتعارف

اسمي "أيهان" أبلغ من العمر الآن ستة عشر عاما، لا اعلم إذا ما كنت مهتما بسماع قصتي هذه، و التي أؤكد لك من الآن أنها لن تفيدك في شئ على الإطلاق، لن تضيف إلى رصيدك المعرفي والثقافي مقدار فتيل، و لربما لن تشعر بأدنى مستوى من المتعة أثناء القراءة، لذا دعني أطلب منك أن تتوقف عند هذا الحد و ألا تتم القراءة، لأنني و بكل صراحة لست مستعدا لتلقي الشتائم فكاهلي مثقلة بالكثير منها، كما تعلم أهم عنصري القراءة أقصد(الفائدة و المتعة) غير متوفرين، لهذا فمن الأفضل لك التراجع، و يبقى الخيار الأخير بين يديك.

لأجل ألا أطيل على من استمر في القراءة، و إذا كنت أعلم أنهم قلة قليلة، فلست أدري كيف تبدو لك فكرة أن تولد ذكرا في أسرة أنجبت ست إيناث أخريات، بمعنى أن تكون ذلك الواحد من بين سبعة إذا كنت تفهم لغة الإحتمالات، أن تعيش في منزل تحكمه قوانين الأنثى إن شئت قول ذلك، لا تسألني عن أين يعيش والداي، فالقصة لا تريدك أن تعرف أكثر من هذا.

دعني أولا أعرفك على أخواتي الواحدة تلو الأخرى: نبدأ مع"إيشا"، كبرى شقيقاتي، عشرون سنة، تدرس علم النفس في الجامعة، أقل ما يمكن القول عنها أنها مثقفة، أنيقة، هادئة؛ تكره الضجيج و الصخب. أحب الجلوس معها و الحديث إليها، أنا متأكد من أنك ستحبها أيضا إذا ما تعرفت عليها، لا يمكنك أن تراها إلا و كانت تحمل بين يديها كتابا ما وقلما تسطر به وتضع علامات على ما ينبغي الرجوع إليه، و احذر الأنثى التي تحمل قلما أثناء القراءة! ناهيك عن أنها تجيد الطبخ أيضا. تهتم بالجميع و تعطي لكل منا الوقت الكافي ليتحدث عن ما يختلج دواخله. إنها تستحق لقب الأخت الكبرى بجدارة.

"نانيا"، تصغر "إيشا" بسنتين، مقبلة هذه السنة على اجتياز امتحان الثانوية العامة تخصص علوم الفيزياء، "نانيا" ترى فيها شيئا من إينشتاين و ما شابهه من العلماء، دائما تراها مشعثة الشعر و تنظر للأسقف والحيطان في ريبة غير مبررة بالنسبة لي، يبدو أن الأذكياء هم هكذا دائما، حولت غرفة صغيرة بالطابق السفلي إلى مختبر للتجارب، تحتفظ فيه بالعديد من المحاليل و المساحيق أنا مثلك لا أعرف ماهيتها لأنني لا أفهم الفيزياء بالشكل الذي ينبغي، فهي غالبا ما تخلط هذه المحاليل مع بعضها البعض إلى غاية ظهور بخار أو دخان أو فرقعات أو ما شابه، كثيرا ما تساءلت عن كيف لم يتعرض منزلنا بعد لانفجار مباغت من وراء تجاربها هذه.

"بلي"-بكسر الباء- تصغرني بسنة واحدة، أظن لو أنه جئنا أنا و هي إلى هذا الكون على هيئة حيونات، لكانت هي الفأر و أنا القط، لا يمضي يوم واحد دون أن نتشاجر فيه، تعشق المسيقى الصاخبة أكثر من اللازم و مما يزيد الأمور سوءا بيننا أن غرفتها مجاورة لغرفتي و أنا مضطر لسماع هذه الأصوات المزعجة طوال الوقت، لن تراها يوما ترتدي فستانا زهريا أو كعبا عاليا أو تضع مساحيق التجميل او تعتني بتسريحة شعرها كبنات جيلها، فخزانتها مملوءة بالملابس الرياضية الفضفاضة كتلك التي يرتديها لاعبو كرة السلة، في صفها تلعب لصالح فئة الذكور! لأنها تمتلك مستوى عال في الأداء لا يتماشى مع باقي رفيقاتها، مما جعل المدرب يفصلها عنهم و يلحقها بفريق ذا مستوى متميز للذكور، على حد قولها تلك المغرورة. تأكل بشراهة، تأتي على الأخضر واليابس. بخلاف الجميع تذهب للمدرسة باستعمال دراجة هوائية ولا تعتمد على حافلة النقل.

"ماريانا" نحب أن نناديها ب"ماري"، في الثانية عشر من عمرها وهي مثال للأخت الصغرى الودودة واللطيفة التي كثيرا ما تناديني من أجل أن أساعدها في حل واجباتها المدرسية، مجدة و منضبطة كما ينبغي لفتاة في نفس سنها أن تكون، تحوز على المركز الأول في صفها دائما، تجيد الكثير من اللغات رغم صغر سنها، تحب القطط كثيرا تمتلك واحدة اسمها"فاني" لا تفارقها أبدا إلا في دوام المدرسة.

"أنوشكا"، هي الأخرى ندلعها ب"آنو"، احتفلت الأسبوع الماضي بعيد ميلادها العاشر، تهتم بالنباتات و الأشجار الموجودة في الحديقة أكثر مما قد يفعله أي بستاني آخر، تحرص دائما على سقيها وإزالة الحشائش المحيطة بها، وكذا معالجتها بالأدوية اللازمة، وقد جلبت إلى المنزل أنواعا مختلفة من الزهور وقامت بغرسها في كل مكان، فإذا كان منزلنا ينعم بمظهر جميل فالفضل يعود لها، و لن تستطيع أن تتصور ما الذي يمكنها فعله بمن يفكر في أن يخرب أو أن يدوس على نبتة من نبتاتها، وقد أبانت منذ نعومة أظافرها عن موهبة خارقة في الرسم، تمتلك ورشة صغيرة في الحديقة الخلفية علقت على جدرانها مجموعة من صور"البورتريه" لكل فرد منا.

الصغيرة"دولسي"، أربع سنوات، تخرج الكلمات من فمها بانجليزية رديئة خاصة وأنها في مرحلة تغيير الأسنان، تحب الحصول على أي شئ وقعت عيناها عليه شأنها شأن جميع صغار السن، لها غرفة مملوءة بالدمى والدباديب عن آخرها. جميلة هي كما ينبغي للأطفال أن يكونوا، إلا أنني أحس بأنها تحمل نوعا من العدائية نحوي، فكثيرا ما تبدأ في الصراخ ما إن ترني أمر بجانب غرفتها حتى خلت نفسي شبحا وعندما أحملها تخدشني بأظافرها، أخبرت "إيشا" بهذا مرارا إلا أنها قالت بأن هذه أمور طبيعية لمن في مثل سنها، لكني لم أشغل تفكيري بهذا كثيرا وانصرفت عن البحث في هذا الموضوع، لأصدقك القول فأنا لا أحب الأطفال كثيرا.

هكذا نعيش جميعا في منزل مكون من طابقين، يتوفر على حديقة، يقع في ولاية كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، شارع لومبارد.

أرجو ألا تسألني عن كيف هو أدائي في المدرسة أو عن كيف يبدو شكلي، فأنا لن أستطيع أن أخبرك بأني وسيم جدا أنت تفهم هذا.

بقلم هدى الشراب

بقلم الكاتب


لا أسمي نفسي كاتبة لكنني أومن بأن القلم قادر على تغيير أشياء كثيرة وهو مفتاح كل شئ، أسعى لتطوير المحتوى العربي المكتوب.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

لا أسمي نفسي كاتبة لكنني أومن بأن القلم قادر على تغيير أشياء كثيرة وهو مفتاح كل شئ، أسعى لتطوير المحتوى العربي المكتوب.