فعلًا هو شعب من الأدباء، فلم يكن الأديب المصري يوسف عز الدين عيسى أبدًا كاتبًا عاديًّا؛ فهو شاعر وروائي وقاص ورائد من رواد الدراما الإذاعية، ومفكر وناقد وباحث أدبي، تجاوزت أعماله الإذاعية وحدها أكثر من 400 عمل، والقصصية أكثر من 200 قصة، أضف على ذلك المسرحيات والروايات، ومقالات تفوق الـ100 في الصحف الكبرى، فهل يمكن أن يتحقق هذا الكم الكبير من الإبداع المتنوع ذو الجودة العالية والمغايرة إلا لأديب استثنائي يوزن في عالم الأدب والكتابة بشعب من الكتاب؟
ولذلك فإننا ندعوك للدخول إلى عالم يوسف عز الدين عيسى في هذا المقال، والمرور على أهم محطاته التي تُعدُّ كلها مذهلة على مستوى الشكل والمضمون؛ فلعلك تحظى بقليل من المتعة والمعرفة والدهشة التي لطالما حظي بها العابرون في عالم يوسف عز الدين عيسى.
اقرأ أيضًا العجوز الشاب وسيد القصة القصيرة.. الكاتب أنطون تشيخوف
نشأة يوسف عز الدين عيسى وتعليمه
ولد يوسف عز الدين عيسى في إحدى قرى محافظة الفيوم يوم 17 يوليو عام 1914، ومع أن بعض المصادر تُردِّد أنه ولد يوم 16 يوليو أو يوم 18 يوليو، فإننا تحققنا من مصادر موثوقة عدة أنه ولد يوم 17يوليو، وظهرت عليه علامات الموهبة في السرد والحكي في عمر السادسة، فكان يستطيع صياغة القصص والحواديت ونسج الأحداث ببساطة شديدة، وروايتها على أطفال القرية بثقة كبيرة، وعندما بلغ العاشرة كان يوسف عز الدين عيسى يكتب الشعر، وكأنه ولد بموهبة استثنائية تفيض عليه حتى قبل أن ينضج على المستوى المعرفي.
تلقى يوسف عز الدين عيسى تعليمه الجامعي في جامعة القاهرة، وتخرج في كلية العلوم عام 1938، ونتيجة لتفوقه؛ عُيِّن معيدًا في الجامعة، فأصبح يعمل في قسم الحيوان في حين كان يمارس الكتابة والأدب حتى الكتابة للمسرح الإذاعي، إذ أذيعت أولى مسرحياته عام 1940 بعنوان (عجلة الأيام).
حياة يوسف عز الدين عيسى
بعد أن بدأ كاتبنا الموهوب يوسف عز الدين عيسى في الانتشار على مستوى الإذاعة والقصة القصيرة والشعر والمسرح، اتخذ قرارًا غريبًا حينما قرَّر الانتقال إلى الإسكندرية، حيث إنشاء جامعة الإسكندرية في عام 1942، فطلب يوسف عز الدين عيسى أن ينتقل إلى العمل في جامعة الإسكندرية؛ نظرًا لحبه وتعلقه بمدينة الإسكندرية كثيرًا.
وعلى الرغم من ابتعاده عن القاهرة ودور النشر ومحطات الإذاعة، فإنه كان يتلقى عددًا من الاتصالات من رواد الإذاعة والناشرين الذين يطلبون أعماله باستمرار؛ لذا فقد تزايدت شهرة يوسف عز الدين عيسى على الرغم من ابتعاده عن القاهرة، والغريب أنه قرَّر السفر مرة أخرى إلى خارج مصر في عام 1948، حيث سافر إلى إنجلترا للحصول على الدكتوراه من جامعة شيفيلد، والغريب في الأمر أنه لم يتوقف عن الكتابة، فظل يكتب للإذاعة الإنجليزية التي استقبلت أعماله وأنتجتها، وأرسلت إليه خطاب شكر وتقدير.
كانت مرحلة وجوده في إنجلترا مملوءة بالزخم والمعرفة، ويذكر يوسف عز الدين عيسى أنه تقابل مع الأديب الكاتب الإنجليزي (برنارد شو) في منزله الخاص، إضافة إلى صداقته وعلاقاته بكثير من الشخصيات المشهورة، ومنهم على سبيل المثال البروفيسور (كريبس) الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء.
في عام 1960 اختير يوسف عز الدين عيسى ليكون أستاذًا زائرًا في جامعات الولايات المتحدة الأميركية، وهي الرحلة التي أثَّرت كثيرًا في الأديب المصري الذي عاد بعد ذلك وتدرَّج في الوظائف الأكاديمية حتى أصبح أستاذًا ورئيسًا لقسم الحيوان، وهو ما لم يتخلَّ عنه يوسف عز الدين عيسى، فظل يعمل في مجال التدريس أستاذًا متفرغًا ويشرف على رسائل الدكتوراه والبحوث العلمية حتى وفاته.
من الموضوعات المهمة جدًّا في حياة يوسف عز الدين عيسى أنه ترشح لجائزة نوبل ضمن ثلاثة أسماء مصرية في ثمانينيات القرن الماضي، لكن عدم وجود أعمال مترجمة للأديب الكبير في ذلك الوقت حالت دون اختياره في القائمة المرشحة لجائزة نوبل، وهو ما أكده الناقد الكبير (يوسف الشاروني) الذي قال إنه كان موجودًا في مبنى المجلس الأعلى للثقافة عندما جاءت (زوجة سفير ألمانيا في المغرب) التي كانت عضوة في لجنة اختيار المرشحين في نوبل للأدب، وطلبت بعض المعلومات عن الكاتب يوسف عز الدين عيسى والكاتب نجيب محفوظ، لكن عدم وجود أعمال مترجمة كان سببًا في عدم ترشح الكاتب المصري العملاق للجائزة الكبيرة.
اقرأ أيضًا في ذكرى رحيله.. عمر أبو ريشة شاعر حلق بالشعر فوق صخور الأيدولوجيا
أدب يوسف عز الدين عيسى
يُعدُّ الكلام على السمات الأدبية لأدب الكاتب الكبير يوسف عز الدين عيسى أمرًا صعبًا، لا سيما مع اتساع المساحة الإبداعية التي قام يوسف عز الدين عيسى بالحرث فيها؛ فقد كان يكتب الشعر والقصة والرواية والمسرحية والدراما الإذاعية والمقالات النقدية والبحوثات الأدبية بأسلوب يمكن تصنيفه ظاهرة أدبية يجب دراستها من قبل المتخصصين، ليس فقط لهذا التنوع والإنتاج الغزير، وإنما للجودة الكبيرة التي كانت تخرج بها أعمال يوسف عز الدين عيسى على كثرتها وتنوعها.
كان يوسف عز الدين عيسى من رواد الكتابة في الدراما الإذاعية، فكان بارعًا في الوصف والسرد وما يطلق عليه الشعراء الإحالة البصرية، فإذا شاءت الظروف واستمعت إلى أحد أعماله الإذاعية، فستندمج تمامًا وكأنك ترى العمل على شاشة التلفاز، وستنسى تمامًا أنك تستمع فقط إليه في موجات الإذاعة؛ وذلك لبراعة الكاتب في نقل المشهد وتصويره بلغة بسيطة وطرح عبقري.
على مستوى الكتابة الأدبية كان يوسف عز الدين عيسى بارعًا أيضًا في استخدام الرموز التعبيرية، فقد استطاع أن يمزج الواقع بتفاصيله مع الخيال بسحره والرمز بعمقه، ليصنع عالمًا أشبه بالواقعية السحرية، وهو ما جعل الكُتاب والمثقفين والنقاد يقولون إن يوسف عز الدين عيسى غيَّر كثيرًا في الكتابة العربية، وكذلك في ذائقة القارئ العربي، وذلك باتكائه على المضمون الإنساني الذي يصلح في كل زمان ومكان.
كانت أعمال يوسف عز الدين عيسى تنبض بالإيحاءات وتزخر بالأحداث التي يمتزج فيها الحلم بالواقع، إضافة إلى قدرته على تحريك المشاعر بواسطة الآفاق الإنسانية التي يصل إليها يوسف عز الدين عيسى في أعماله، مستخدمًا أبطاله الذين يشبهوننا كثيرًا، لكنهم في الوقت نفسه يشبهون الجميع في أي مكان في العالم، إذ كان اهتمامه بالإنسان وهمومه دون الإشارة إلى ملامحه الزمنية أو الجغرافية، وهي خلطة صعبة إلا على الكاتب يوسف عز الدين عيسى.
يقولون عن يوسف عز الدين عيسى: إنه قد سبق (ماركيز) ذلك الكاتب الكبير الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب؛ لأنه استطاع أن يمزج بين الواقع والخيال، وقد فعلها يوسف عز الدين عيسى قبل ماركيز بأكثر من 30 عامًا، ويقولون أيضًا عن يوسف عز الدين عيسى إنه أول من استطاع أن يمزج الصدق الفني بالصدق العلمي في الكتابة العربية، وهو ما يدل على ثقافة عميقة ورؤية واسعة ووعي كبير؛ نتيجة دراسة يوسف عز الدين ذات الطبيعة العلمية، إضافة إلى أدواته الأدبية المرعبة.
ولا نستطيع أن نغادر الكلام عن السمات الأدبية لعالم يوسف عز الدين عيسى دون الحديث عن الفنتازيا التي استطاع بها أن يكسر ملل ورتابة الواقع، ويحافظ على الكيان الأدبي في الوقت نفسه، وهو ما يمكن أن تلاحظه في رواية (الرجل الذي باع رأسه) حينما خلط المعقول وغير المعقول، وكذلك في رواية (الواجهة) التي قال عنها نجيب محفوظ إنها من أحسن الروايات التي قرأها على الإطلاق.
اقرأ أيضًا الأديب الشاعر مالك حداد.. طائر الحرية وسجين اللغة
أعمال يوسف عز الدين عيسى
تقول المواقع الرسمية إن يوسف عز الدين عيسى كتب أكثر من 400 عمل للإذاعة، إضافة إلى كتاباته في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والشعر، إذ كتب الأديب الكبير أكثر من 200 قصة قصيرة، إضافة إلى ثماني روايات وست مسرحيات، ويُعدُّ من أبرز أعمال يوسف عز الدين عيسى التي يصعب حصرها.
- العسل المر
- لا تلوموا الخريف
- التمثال
- عين الصقر
- نريد الحياة
- ثلاث وردات وشمعة
- الرجل الذي باع رأسه
- ليلة عاصفة
وما زال هناك عدد من المخطوطات التي كتبها الأديب يوسف عز الدين عيسى ولم تُنشر حتى الآن، وهو ما صرَّح به ابنه دكتور (أيمن يوسف عز الدين) لصحيفة الشرق الأوسط، وخير مثال على ذلك رواية (عواصف) التي نُشرت عام 2001، فقد كتبها يوسف عز الدين عيسى وسعى إلى نشرها، لكنه لم يكتب له أن يراها، فقد نُشرت بعد موته بـ16 عامًا.
أضف على ذلك ما يفوق الـ100 مقال كان الأديب الراحل قد كتبها في صحف ومجلات كبيرة، مثل صحيفة الأهرام التي كانت تنشر له مقالًا أسبوعيًّا بعنوان (من مفكرات يوسف عز الدين عيسى)، وكذلك العشرات من الدراسات الأدبية التي يمكن لكل واحدة منها أن تمثل قيمة كبيرة للنقاد والمفكرين والسائرين على درب الكتابة، فقد كان يوسف عز الدين عيسى شلالًا من الإبداع لم يتوقف حتى بعد موته، وما زال يدهشنا بكتاباته وإبداعاته حتى الآن.
جوائز وتكريمات يوسف عز الدين عيسى
- جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1986؛ وذلك لأنه استطاع تأسيس مدرسة جديدة في الكتابة حسب الجائزة.
- وسام الفنون والعلوم من الطبقة الأولى عام 1979، ثم حصل عليه مرة أخرى عام 1988.
- وسام الجمهورية عام 1981.
- وسام فارس الأدب عام 1999؛ بسبب دوره الرائد في إثراء الحركة الأدبية.
- اختير يوسف عز الدين عيسى أفضل شخصية أدبية في عامين متتاليين هما 1998 و1999.
كُرِّم الأديب الكبير يوسف عز الدين عيسى بإطلاق اسمه على قاعة المحاضرات في مركز الإبداع بالإسكندرية، فسُميت (قاعة الصالون الثقافي يوسف عز الدين عيسى) عام 2001.
وفاة يوسف عز الدين عيسى
توفي الأديب الكبير يوسف عز الدين عيسى يوم 18 سبتمبر عام 1999 وهو في الـ٨٥ من عمره، بعد أن قدَّم من العطاء الأدبي ما يوازي أضعاف عمره من الشعر والقصة والرواية والمسرح والدراما والمقالات والبحوث، بخلاف مجهوده العلمي الكبير كونه أحد أعلام كلية العلوم بجامعة الإسكندرية.
رحل الأديب الكبير وترك عالمًا متراميًا الأطراف مملوءًا بالإبداع والمتعة والدهشة والتجديد والإنسانية، فهنيئًا لمن مرَّ بعالم يوسف عز الدين عيسى، وخرج ببعض السعادة البكر أو الدهشة التلقائية أو المشاعر الإنسانية الرائقة التي قلَّما توجد في هذا الزمان.
وفي الأخير نرجو أن تكون هذه الجولة السريعة في حياة وأعمال الأديب المصري الراحل يوسف عز الدين عيسى قد حقَّقت ما نرجوه من متعة وإضافة.
ويُسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقالة على مواقع التواصل؛ لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.