يوسف شاهين وحرب أكتوبر.. كيف تنبأ بالنصر في أفلام الهزيمة؟

يُعدُّ يوسف شاهين من أبرز مخرجي السينما المصرية وأكثرهم شهرة عالميًا، وبين أفلامه التي تناولت سيرته الذاتية، وأخرى غاصت في الواقع، تبقى علاقته بحرب أكتوبر محطة مختلفة. لم يُعالجها بالتقليدية المعتادة، بل اختار طريق التحليل بدلًا من التمجيد.

في هذا المقال، نقدم تحليلًا لأفلام يوسف شاهين التي سبقت الحرب، ونكشف كيف كانت أفلام (الهزيمة) تحمل في طياتها نبوءة (النصر).

السياق التاريخي: شاهين ونكسة 1967

في الستينيات، عانى شاهين من تضييق كبير على حرية التعبير، لاسيما مع تشديد الرقابة على الفن خلال حكم جمال عبد الناصر، ما دفعه إلى مغادرة مصر والسفر إلى لبنان مدة، فأخرج هناك عددًا من الأعمال، أبرزها فيلم (بياع الخواتم). لم تكن الغربة خيارًا فنيًا مريحًا، بل كانت ملجأً مؤقتًا من واقع خانق.

وبعد نكسة يونيو 1967، عاد شاهين إلى مصر محمَّلًا بالخذلان والمرارة، وسعى في أعماله اللاحقة إلى تفكيك أسباب الهزيمة وتقديم قراءة نقدية للواقع السياسي والاجتماعي المصري. وبدأت تتبلور هذه الرؤية بوضوح في أفلام مثل (الأرض) و(العصفور)، حيث تحوَّلت السينما لديه إلى أداة مقاومة، تسعى لفهم ما حدث، وربما التمهيد لما يمكن أن يحدث.

 فما حكاية شاهين مع أكتوبر؟ وكيف عبَّر عنها في أفلامه؟

فيلم الأرض (1970): حين يصبح الماضي نقدًا للحاضر

يُعدُّ فيلم الأرض من أبرز وأهم أعمال يوسف شاهين، فقد استطاع بقصة طبيعية الظاهر عميقة الجوهر، أن يكشف عن تعقيدات الصراع الطبقي والسياسي في مصر.

فيلم الأرض

وعلى الرغم من أن أحداثه تدور في ثلاثينيات القرن العشرين، فإن توقيت إنتاجه عقب نكسة 1967 يمنحه بُعدًا رمزيًا بالغ الأهمية، ويحوِّله من فيلم عن الماضي إلى قراءة نقدية لواقع معيش، وجسِّ نبض لمستقبل مجهول.

استخدم شاهين التاريخ كمرآة للحاضر، ليطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف تُفقد الأرض؟ وهنا تتجلَّى مقولة ونستون تشرشل الشهيرة:

«الذين لا يتعلمون من أخطاء الماضي، محكوم عليهم بلعنة تكرارها».

وجاءت إجابة شاهين حاسمة: الانقسام، التخاذل، وانعدام الإرادة الجماعية، هي الأسباب الحقيقية لضياع الأرض. وهي رسالة لا تنفصل عن سياق النكسة، بل تظل صالحة لكل زمان تتراجع فيه الروح الجماعية وتضعف فيه المقاومة.

تحليل الشخصيات: مرآة المجتمع المنقسم

وقد تجلَّت هذه الرسالة في نسيج الشخصيات التي مثلت لوحة المجتمع الريفي المصري في الفيلم:

  • محمد أبو سويلم (محمود المليجي): وتد راسخ ورمز للمقاومة والتشبث بالأرض والكرامة، وعلى الرغم من صلابته، يبدأ بالانكسار في النهاية، لا ليُهزم، بل ليفسح المجال لجيل جديد من المقاومين.
  • شخصية عزت العلايلي: تمثِّل هذا الجيل المقبل، الجاهز لحمل الشعلة، وربما لتغيير قواعد اللعبة.
  • العمدة: رمز السلطة التقليدية المتسلطة، التي تنحاز لمصالحها حتى ضد الفلاحين.
  • البقال: وسيط اقتصادي مستفيد من الفقر، يُجسِّد التواطؤ مع منظومة الاستغلال.
  • المتعلم المتلوِّن: تمثيل للطبقة الوسطى العالقة بين الطموح الفردي والمسؤولية المجتمعية.

هذا التنوع لا يُثري فقط الجانب الدرامي، بل يُظهر كيف أن الانقسام الداخلي والتلوُّن والانتهازية تُفقد المجتمعات قدرتها على المقاومة، وتُمهِّد الطريق لفقدان الأرض والكرامة.

الرمزية البصرية: الأرض تُروى بالدم

أما على مستوى الرمزية البصرية، فيظل أحد أقوى مشاهد الفيلم وأكثرها إيلامًا، ذلك الذي يُسحب فيه أبو سويلم من قدميه، في حين يظل متشبثًا بنبتة صغيرة نبتت من أرضه. نبتة بجذور عميقة، استنزفت الحصان وهو يحاول اقتلاعها، في دلالة على عمق العلاقة بين الإنسان وأرضه.

أعظم مشاهد فيلم الأرض

لم تُقتلع النبتة إلا بدمه، الذي سال على النباتات البيضاء، في إعلان سينمائي واضح أن الأرض لا تُنتزع إلا بالدم، ولا تُستعاد إلا بالمقاومة.

مشهدٌ جسَّد بمنتهى الشاعرية الموجعة فكرة أن الوطن لا يُحرَّر إلا بالتضحية، وأن من يفرِّط فيه لا بد أن يدفع ثمنًا باهظًا.

وتأتي الخاتمة، على أنغام كلمات الأغنية الخالدة، كأنها نبوءة لا تنتهي:

«الأرض لو عطشانة نرويها بدمانا
عهد وعلينا أمانة، هتصبح بالخير مليانة
يا أرض الجدود، يا سبب الوجود
هنوفي العهود، بروحنا نجود
وعمرك ما تباتي عطشانة».

فيلم العصفور (1972): من أين تبدأ الهزيمة؟

في فيلم (العصفور) ينتقل يوسف شاهين من قراءة التاريخ إلى تفكيك الحاضر، مستبدلًا خطاب البطولة التقليدية بسردية نقدية تكشف ما وراء الجبهة: المجتمع نفسه. لا يتناول شاهين في هذا الفيلم المعركة بحد ذاتها، بل ما يسبقها؛ لا يسلِّط الضوء على السلاح، بل على الفساد، والإهمال، والتواطؤ، كجذور أولى للهزيمة.

تحليل الشخصيات والرموز: وطن تائه وصوت مغيّب

تبدأ الحكاية من شخصية ضابط الشرطة الشاب (صلاح قابيل) الذي يسعى وسط شبكة معقدة من الفساد الإداري ونهب المال العام إلى كشف حقيقة ما يحدث. وعلى الرغم من نزاهته وإخلاصه، يجد نفسه محاصرًا بين ولائه للوطن واصطدامه بمراكز النفوذ، وهو تمثيل واضح لصراع الإنسان الشريف في منظومة مأزومة.

قصة فيلم العصفور

في المقابل، تظهر شخصية الشيخ أحمد، ذلك الرجل الذي يتأرجح بين التقوى والسُّكْر، بين التديُّن والثقافة، وبين القسوة الظاهرة والحساسية الباطنة. بهذه التركيبة المتناقضة، يقدِّم شاهين صورة رمزية للمثقف أو رجل الدين الذي فقد البوصلة، تمامًا كما فقدها مجتمعه. وتزداد هذه الرمزية وضوحًا حين يُسمع صوت المتحدث السياسي الثوري يقول الجملة التي تختصر مأزق مرحلة بأكملها: «إحنا بنتكلم ثورة، وبنكتب ثورة، لكن ما بنعملش ثورة».

هنا لا يعود الخطاب الثوري أكثر من قناع هش، يتحرك في فراغ الفعل، ويعجز عن مجابهة الواقع.

الرموز البصرية في الفيلم ليست أقل قوة. الولد القادم من أسيوط لزيارة مسجد الحسين يحمل، على الرغم من عفويته، دلالة عميقة على الحلم الشعبي المتجذِّر، وعلى الإيمان الذي لا تقتلعه المسافات أو الفقر. وفي المقابل، تقف بهية، تلك المرأة التي تصرخ طوال الفيلم ولا يسمعها أحد، كرمز للوطن المغيَّب، ذلك الصوت الشعبي الذي تم تجاهله حتى لحظة الانهيار.

الرمزية البصرية: من القفص إلى السماء

أما العصفور الذي ظل حبيسًا داخل القفص طوال الفيلم، ثم طار في النهاية، فهو استحضار شعري لفكرة الحرية التي لا تُمنح، بل تُنتزع. حتى في لحظة الانهيار الكامل، لا يُختم الفيلم بالهزيمة، بل بانبثاق أمل، بصوت صارخ، بجناحين مفرودين.

لماذا لم يصنع شاهين فيلمًا مباشرًا عن أكتوبر؟

اللافت أن يوسف شاهين، بخلاف كثير من مخرجي جيله، لم يقدِّم فيلمًا يحتفي بنصر أكتوبر بالشكل التقليدي، بل اختار أن يغوص في الأسئلة الأصعب: كيف ولماذا نُهزم؟ وكيف نتهيأ للنصر؟ لم تكن معركته في السينما معركة تصوير دبابة أو عبور قناة، بل معركة وعي وطرح وتحليل. ولذا، فإن غياب فيلم مباشر عن أكتوبر لا يُعدُّ نقصًا، بل تأكيدًا على عمق اختياره الفكري، الذي انشغل بما يؤدي إلى النصر أو الهزيمة أكثر من النصر ذاته.

يوسف شاهين كان يرى أن الحرب لا تبدأ على الجبهة، بل في القرية، في المدينة، في دواخل الناس. ومن هنا، يمكن اعتبار (العصفور) ليس فقط فيلمًا عن ما قبل النكسة، بل تمهيدًا فنيًا وذهنيًا لحرب أكتوبر. وعندما يختتم الفيلم بمشهد طيران العصفور وصرخة بهية، لا يُعلَن انتصار، بل يُعلن أمل. ذلك الأمل الذي يبزغ من تحت أنقاض الهزيمة، معلنًا إمكانية الخلاص إن امتلك الناس الشجاعة والوعي لفعل ذلك.

وفي خلفية هذا المشهد الأخير، ترتفع أغنية الشيخ إمام بكلمات أحمد فؤاد نجم، لتُعطي اللحظة بُعدًا أسطوريًا لا يُنسى:

«مصر يا أمَّا يا بهية
يا أم طرحة وجلابية
الزمان شاب وانتِ شابة
هو رايح وانتِ جاية
جاية فوق الصعب ماشية
فات عليكي ليل وميَّة
وتحملتِ الأسي والكيَّة
وانتصرتي يا بهية...».

هكذا، تنتهي (العصفور) لا كخاتمة، بل كبداية. بداية وعي جديد، ومسار مختلف في التعامل مع مفهوم الهزيمة والانتصار، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الجرح، من السؤال، ومن الإنسان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة