يا مدارس يا مدارس

لا زلت أذكر جيداً تلك الأيام التي كنت أسير فيها خلف أخوتي محاولاً التخفِّي عنهم وهم ذاهبون صباحاً إلى المدرسة (الحُلُمْ).. إلى أن أصل لبوابتها الرئيسة الكبيرة فأقبع جانباً متنحياً مكاناً قصيّاً لا يستطيع أحد أن يكتشف وجودي فيه.. كنتُ أقضي الساعات وأنا أتأمل كل ما يحدث أمام ناظري في الحياة المدرسية.. كم تمنيت أن أقف في أول طابور الاصطفاف الصباحي لأردد ما ينشده التلاميذ من أناشيد أحببتها دون أن أفهم معانيها..  كم تمنيتُ أن أزاحمَ التلاميذ لشراء العصير والساندويتش.. وكم تمنيتُ أن أدخل إلى ساحة المدرسة فأركض وأركض ملء وسعي وشقاوتي.. كم حاولتُ تخيُّل ما يحدث داخل غرفة الصف.. كنت أطلب من أخوتي أن يحدثوني بما يفعلونه.. لم أكن استوعب كل ما يقولونه.. لكن الحلم كان يكبر ويتسِّع.. قالت أمي أنني سألتحق بإخوتي في العام القادم.. متى سيأتي العام القادم.. كنت أغافل أمي لكي اخرج من البيت إلى جوار المدرسة على أملٍ ما.. وكانت تكلُّ قدماها وهي تبحث عني دون أن تتمكن من معرفة مخبأي.. كنت أراها وأنا في مخبأي المدرسي حين تأتي باحثةً عني.. أخيراً: عرفت أماكن اختبائي السريَّة فلم تعدْ تبذل جهداً كبيراً في الوصول إليَّ.. لكنها مع الأيام باتت تتقبل فكرة ذهابي إلى جوار المدرسة مع قيامها بإسداء بعض العِظات والنصائح لي.. ها قد جاء العام القادم.. هذا أول يومٍ أخرج فيه من مخبأي المدرسي إلى العَلَن.. خطواتي وأحلامي تسبقني.. بعبثية الأطفال وزهوهم ارتديت ملابسي الجديدة.. حملتُ على ظهري حقيبة ملأى بكل ما هو جميل ومشرق.. وصلتُ إلى باب المدرسة.. كان هناك معلمون يصرخون ومنهم مَن يحمل عصاً أو بربيشاً أو سلكاً كهربائياً.. يطلبون من التلاميذ سرعة الاصطفاف.. كان اصطفافاً مغايراً لذاك الاصطفاف الذي حلمت به قبل دخول المدرسة.. كان المعلم غير ذاك المعلم.. والطلبة غير أولئك الطلبة.. كانت المدرسة وأنا خارجها غير المدرسة وأنا داخلها... كان للصدفة دورها في تحديد مصيري المدرسي عندما أصبحت تلميذاً في الصف الذي يقوم على تربيته معلم(اسماً) يسعى الجميع للهروب منه.. كان معلماً حديث التعيين قريباً من المراهقة في كل شيء.. وكانت يده تظل قابضةً على ذلك السلك الكهربائي المجدول الذي عانى جلد ظهري من لسعاته.. لقد كان لهذا المعلم الفضل في تعريفي ومنحي بعض الألقاب والمفاهيم المدرسية الأساسية مثل( يا بهيم، يا حمار، يا حيوان،..)  دخلنا إلى غرفة الصف التي طالما حلمت بها.. كانت هناك روائح كريهة بسبب تراكم التلاميذ ملتصقين ببعضهم وبأعداد تفوق طاقة الغرفة.. جلست على مقعد خشبي قاسٍ وبجانبي جلس اثنان من التلاميذ.. الأصوات تعلو وتعلو والمعلم يشيط غضباً.. الألفاظ تترادف من بين شدقيه ضمن الألقاب السابقة.. دخلت إلى ذاتي منزوياً أبحث عن تلك المدرسة وذاك المعلم.. عن غرفة الصف وأولئك التلاميذ.. صحوت على صراخ المعلم طالباً مني ذكر اسمي.. قلت: محمد.. محمد إيش يا..... ردَّ المعلم.. حينها كنتُ قد دخلتُ دوَّامة هذه الفوضى المنظَّمة... بحثتُ عن نفسي.. عن عبثيتي.. طفولتي.. عن أشياءٍ كثيرةٍ كانت تتراءى في مخيِّلتي فإذا هي قبض الفراغ والخواء.. في اليوم التالي وهو ثاني يوم في حياتي المدرسية.. لم أشأ أن أرفع الغطاء عن رأسي.. قامت أمي بإجباري وهي تستهجن تصرفي أنا الذي أمضيت أياماً طويلة أحلم بيوم دخولي للمدرسة.. لا أريد أن أذهب للمدرسة.. قلت لأمي.. لماذا يا بني؟.. لا أريد.. لا أريد.. بدأت أتحين أية فرصةٍ للهروب من المدرسة أو عدم الذهاب نهائياً.. بدأت أتذوق طعم السياط التي اكتوى بها جلد ظهري ويداي من ذات السلك المجدول.. بدأت أحظى بألقاب عديدة من ذات المعلم( بهيم، مصطِّل، خويثة، لَخْمة، حمار)... كنتُ أتَحيَّن أية فرصة لأذهب في سُباتٍ عميقٍ حتى بات من أسمائي الإضافية ( النائم).. 

ذات مرةٍ فتحت خزانة أمي ووجدت فيها حبوب دواء حيث قمت بأخذها وذهبت إلى المطبخ أريد أن أتناولها مرةً واحدةً مع بعض الماء لكي( أنتحر ) نعم لكي أنتحر...

وقد دخلت أمي فجأةً وشاهدتني قبل أن أتناول الحبوب فأخذتها مني وهي تصرخ بي: ماذا تريد أن تفعل يا مجنون.... قلت لها: أريد أن أتخلص من المدرسة ومن المعلم... بعد ذلك:

توالتْ الأيام على ذات الحال إلى أن انتهت السنة الدراسية حيث حصلت على شهادة الصف الأول وكانت نتيجتي فيه( راسب في جميع المواد)... نعم راسب في الأول..

دارتْ حوارات عديدة بين المدير والمرشد والمشرف والمعلم حول أفضل الطرق للتعامل معي ومعالجتي.. منهم من اقترح أنني أعاني من صعوبات تعلُّم.. آخرٌ قال أن لديَّ عجزٌ مُتعلَّم.. وهناك من أكَّد أنني أعاني من إعاقات نفسيّة وعقليّة...

الكلّ أدلى بدلوه في أن المشكلة تتعلق بي وليست معي.. تم ترفيعي تلقائياً سنةً وراء سنة.. في هذا المعتقل الإجباري الذي جعل من طفلٍ ممتلئٍ عبثيةٍ ومفعمٍ بالحيوية والأمل.. طفلاً بائساً محطماً يقضي( وقتاً قدرياً ) في جحيمٍ لا يطاق..

الآن: أصبحتُ في الصف الخامس الذي أُرفع إليه تلقائيا.. كالعادة..

ذهبتْ الطفولة.. بقيتْ شامخةً المدارس.. المعلم.. المدير.. لم أعدْ كما كنتُ.. ولم أصبح كما حلمتُ أن أكون.. لقد أصبحتُ كما يريد المعلِّم.. كما يريد المدير.. كما يريد التلاميذ.. كما تريد المدرسة.. كما يريد السيِّد الوزير.... 

ما دام الحال كذلك... إذاً: فلتذهب كل المدارس إلى الجحيم.... ولتبقى الطفولة....

بقلم الكاتب


كاتب قصة قصيرة وخاطرة وكاتب زاوية صحفية واكاديمي ، له أربعة كتب منشورة في مجال الكتابة الأدبية والناقدة، ويكتب في عديد من المجلات والصحف العربية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

Ali Salh - Nov 21, 2020 - أضف ردا

صدقت عزيزي 00 نحلم وعندما نصطدم بالواقع نكره هذا الحلم وقس علي هذا الطفل كثير من منحي واقعنا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب قصة قصيرة وخاطرة وكاتب زاوية صحفية واكاديمي ، له أربعة كتب منشورة في مجال الكتابة الأدبية والناقدة، ويكتب في عديد من المجلات والصحف العربية