يا ليتني كنت حمارا

الصباح الباكر، بدأت الشمس ترسل أشعتها، خرج الأسد من عرينه، توقف، مدد عضلاته لوقت قليل، التفت يمينا وشمالا؛ لم يرى أي حيوانا من حيوانات الغابة، مشى قليلا ثم توقف. تساءل: أين ذهبوا؟ أين اختفوا؟ رفع رأسه إلى السماء وفتح فمه مكشرا عن أنيابه، فإذا بعظم يصطك بأسنانه؛ جرى اللعاب على لسانه وبين أسنانه: إنه لم يأكل شيئا منذ البارحة.
انتبه الأسد مرة ثانية إلى السماء فلم ير إلا مخالب النسر المحلق وهي تكاد تخطفه. فكر لبرهة في تدبير مكيدة أو حيلة لجمع الحيوانات حوله كما كانوا من قبل: سأتنكر في زي حمار وأدعوهم إلى مأدبة غذاء عند البركة حيث الماء والحشائش الخضراء، فكر هكذا ثم قال للنسر: صديقي النسر سأكلفك بمهمة وسوف تنال ما أناله من أكل الشحم واللحم مكافأة لك. قال النسر: حسنا، وماذا سأفعل؟ الأسد: سأكتب لك على منشورات: الحمار يدعوكم إلى مأدبة غذاء عند بركة الماء الساعة ال 14 من زوال هذا اليوم، منشورات تقوم بتوزيعها وإسقاطها في جميع أماكن الغابة حتى البعيدة منها.
حمل النسر المنشورات بمخالبه وحلق عاليا، راح يسقط البعض منها في مكان من الغابة والبعض في مكان آخر، ومكان أبعد.
قرأ الذئب الدعوة وابتسم قائلا: آه الحمار، سآكل الخروف على ظهره. قال النمر بعدما قرأ الدعوة: الحمار؟ لحم بقر الوحش أفضل من لحمه. . . . كما قال الأرنب بعدما وقفت أذناه: الحمار؟ ربما ليسمعنا صوته الجميل، فالمأدبة لا شيء دون موسيقى.
الكل قرأ الدعوة وذكر نكتته المضحكة، سال اللعاب في فمه وأمنيته الأكل لحما وشحما.
عند ضفاف البركة الأماكن لا تكفي لاستيعاب الحضور، فبخلاف الأسد المتنكر في زي حمار، والذي توسط حقلا من الحشائش الخضراء، القرد متعلقا بغصن شجرة، الأرنب وكأنه مختبئا في كومة أحراش، والذئب يرقب غير بعيد على هضبة، أما التمساح فيسبح في ماء البركة متخفيا: لا تظهر إلا الأعين. عند الساعة ال 14 والنصف زوالا أصبح الجمع غفيرا، الحيوانات تطلب غذاءها نصيبها في المأدبة؛ إذ ذاك نزع الأسد قناعه الذي يموهه حمارا، بدا مبتهجا مسرورا لأن الحيلة انطلت على الحيوانات: وها هو بينهم أسدا وليس حمارا. قال في استهزاء: أنتم كلكم أحمره، أ وليس الحمار يدعو إلى مأدبته إلا لأحمره؟ فتحت جميع الحيوانات أفواهها وقالت: آه. . . أسد؟ لكنها لم تخف هذه المرة لأنها في كثرة وليست متفرقة ومنفردة في الغابة كما كانت في السابق.
توجهت كل الرؤوس نحو حمار كان حاضرا من المدعوين، قال: أتيت مثلكم إلى مأدبة أخي الحمار. . .
الحيوانات لا تفهم، إنها مثل الروبوتات لا تتبع إلا الصور التي برمجت من قبل لتتبعها، بالتالي اجتمعت حول الحمار المدعو ظانة أنه الحمار الحقيقي الذي استدعاهم إلى مأدبة الغداء وليس الأسد الذي تنكر في زي حمار، والذي ما هو إلا طعامهم في المأدبة. بعدما تأكد الأسد بأنه لا يستطيع فعل شيء مع هذا الجمع الغفير، قال الأسد: يا ليتني كنت حمارا.
قال له الحمار: أ ولا تعلم بأنك كنت حمارا.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب