يحمل هذا النص النثري صرخة وجودية مؤلمة، يصف الوعي بوصفه لعنةً لا رحمة فيها، ويضع الكرامة في مواجهة مستمرة مع واقعٍ قاسٍ لا يعترف بالنبل، يعبّر النص عن روحٍ تتوق للعلو من منبعٍ روحي وأخلاقي، لكنه تُجلد بلعنة الإدراك وسط عالمٍ يُقصي القمم ويؤلّه القاع، بين البرودة الرمزية و«كلابٍ مسعورة» تنهش الجسد والكرامة، تتجلى مفارقة الإنسان النبيل في زمن الانكسار.
يا لعنةَ الوعي... ويا زائري القاسي
يا لعنةَ الوعي
ما أثقلَ حضوركِ في ليالٍ
لا يُرتجى من بعدها فجر
وما أوجعكِ
حين تسكنين القلب في لحظةِ انكسار
كأنكِ سكينٌ من شعورٍ لا يرْحم
تغوصين في عمقٍ
ما عاد يحتمل الانهيار.
أيها الزائر القاسي
أما قيل لك من قبل
إنني لا أُجيد التجلُّد؟
إنني لستُ ممن يسايرون الرفق؟
إن قدومك الآن
هو طعنة لا تبرأ
وصقيعٌ يتغلغل في عظمِ الرجاء؟
كنتُ على حافة الطريق
حافي القدمين
والبردُ ينهشني
ككلابٍ مسعورة
وفي زاوية قميصي الممزق
كُتِب:
«مات بسبب جنون العظمة».
لكن، لا...
لم يكن جنون عظمة
بل كبرياءٌ نقي
عزةٌ لا تنحني
كرامةٌ لا تُشترى
ولا تُباع.
كانوا
وما زالوا
يرون النبلَ جنونًا
ويرهبون القمم
لأنهم اعتادوا القاع
وصاروا لا يثقون
بكلِّ من يحاول الصعود
آهٍ يا شتاء
لم أكن يومًا ممن يغازلون بردك
ولا ممن يجدون فيك عزاء
كنتُ منذ البدء منفيًا
بين رعشاتك
مطاردًا بلعنةِ وعيٍ
لا يغفر.
تراني...
إن أنا متُّ
أكتب على شاهدة قبري:
«عذرًا، لقد متُّ
لأنني كنتُ صاحب كرامة
ذا كبرياء
طامحًا لعلوٍ لا يُفسد
بل يسمو».
علوٌّ من خُلق
وسُموٌّ من روح
وارتقاءٌ من فكر
وإجلالٌ من ذاتٍ
لا تعرف الانحناء
يا هذا العالم
أما آن لك أن تعي؟
العظمة التي نطلبها
ليست تكبُّرًا
بل تطهُّر
ليست تجبُّرًا
بل بقاء.
وليست غرورًا
بل آخرُ قلاعِ الكرامة
حين تُغتال في وضحِ النور.
هذا النص النثري ليست بكاءً داخليًّا، بل بيان كرامةٍ لا تستسلم، وتأملٌ فلسفيّ في معنى الصعود، والانكسار، والاحتفاظ بالنقاء وسط عالمٍ معتل، لقد خطّ الشاعر مرثيةً فاخرة للروح الحرة، تلك التي لا تساوم على ذاتها، ولا تخشى أن تُفنى دفاعًا عن عزةٍ لا تُباع. نص يستحق التأمل؛ لأنه يهمس بما لا يُقال، ويصرخ بما يُخاف منه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.