رحلة ياسوناري كاواباتا من يتم الطفولة إلى العالمية وجائزة نوبل

في عالم الأدب الياباني، يبرز اسم ياسوناري كاواباتا بوصفه أيقونةً جمعت بين شجن النفس وعمق الطبيعة، محولًا الكلمات إلى لوحات انطباعية تضج بالألوان والظلال.

استطاع كاواباتا أن ينقل عبق اليابان وتقاليدها إلى لغات العالم الحية، ليصبح ثاني شرقي ينال أرفع وسام أدبي عالمي. في هذا المقال، نسبر أغوار حياته التي صاغها اليتم والحرب، ونستعرض ملامح مدرسته الفريدة التي جعلته شيخ أدباء القصة اليابانية بلا منازع.

ياسوناري كاواباتا: طفولة صاغها الفقد والوحدة

ياسوناري كاواباتا.. كاتب ياباني، وهو أشهر كاتب رواية في اليابان، ويرى النقاد الذين ترجموا أدبه إلى كثير من اللغات الحية، أنه قد أضاف إلى المدرسة الطبيعية التي ازدهرت في فرنسا، ودخلت الأدب الياباني -عن طريق الترجمة طبعًا- عناصر من المدرسة الانطباعية بملامح يابانية.

ياسوناري كاواباتا.. كاتب ياباني، وهو أشهر كاتب رواية في اليابان

وُلد ياسوناري كاواباتا في أوزاكا في عام 1899م. توفي والداه وهو في الثانية من عمره، وظل تحت كنف أجداده، حتى ماتت جدته وتوفيت شقيقته الوحيدة، وتوفي جده وهو في الـ15 من عمره.

من ريشة الرسام إلى قلم الأديب

حين كان في مرحلة الصبا، كانت أمنيته أن يصبح رسامًا. ولعله، بتعشقه الرسم قد جرب حظه فيه مدة من الوقت، ثم اتجه إلى الأدب، وإلى كتابة القصة على الأخص، فكانت بقايا ملكة الرسام، تظهر في أسلوبه، بحيث تتلاحق فيما يكتب الصور الدقيقة التي يبلغ من إبداعه في تصويرها أنك تكاد ترى لها الألوان والظلال والأعماق البعيدة في أغوار النفس.

وقد نشر كاواباتا قصصه الأولى وهو لا يزال في المدرسة الثانوية. ويبدو أن ما وجده من الإقبال والرواج، أقنعه بأن يحترف الكتابة وأن يتفرغ لها. ومع ذلك فقد واصل دراسته في الجامعة الإمبراطورية في طوكيو، حيث تخرج فيها في عام 1924م.

عمل كاواباتا مراسلاً صحفيًا لصحيفة ماينيتشي شيمبون، وقد أثّر عليه فقدان عائلته بشكل كبير، وما تلا ذلك من أحداث الحرب العالمية الثانية.

أشهر أعمال ياسوناري كاواباتا

كتب بعضًا من القصص القصيرة بعد تخرجه بوقت قصير ما جذب إليه أنظار القراء، ثم بدأ في كتابة أشهر رواياته وهي «بلد الثلج» بدأها في عام 1934م ونُشرت على شكل سلاسل بين 1935-1937م، وتدور أحداثها حول قصة حب تنشأ بين فتاة وشاب من طوكيو، وقد وصفها بعض النقاد بأنها قد تكون تحفة كواباتا الأدبية.

وكانت أولى رواياته (راقصة الأوزو) قد نشرت له في عام 1925م -أي بعد تخرجه في الجامعة بعام واحد- ثم تُرجمت إلى الإنجليزية في عام 1954م فلفتت الأنظار إلى الكاتب، بموضوعها الذي عالج مشاعر الحب في سن المراهقة والصبا.

كانت راقصة الأوزو أولى روايات ياسوناري كاواباتا والتي نسرت عام 1925م

وإذ لقيت الرواية ما لقيته من ترحيب النقاد اتجه كاواباتا إلى معالجة مواضيع الحب، ولكن ليس بتلك النزعة أو المشاعر الرومانسية وإنما بالنظرة الطبيعية، وبالانطباعية ذات المملامح اليابانية الخاصة.

وكما كان كاواباتا، كاتبًا قصصيًا من أعلام كتاب القصة في اليابان -وفي العالم- فقد كان ناقدًا، وإليه يعود الفضل في اكتشاف ودعم عدد من الأدباء اليابانيين، الذين اتخذوا مكانهم الطليعي في ازدهار الأدب الياباني خلال العقود الأربعة منذ الحرب العالمية الأولى حتى اليوم، ومنهم الكاتب الياباني المعروف (يوكيو ميشيما).

«قصص كف اليد».. العالم في صفحات معدودة

أما في مجال القصص القصيرة فقد كتب كاواباتا أكثر من 140 قصة قصيرة، وبسبب قصرها فقد أطلق عليها اسم «قصص كف اليد»، حيث يتراوح طولها بين صفحة و7 صفحات. في هذه القصص جسّد كاواباتا عمق النفس البشرية، وكانت القصص القصيرة جدًا تناسبه بشكل خاص لترك العنان لخيال القارئ.

يمكن تشبيه قصصه القصيرة جدًا بالشعر، فكل قصة تشبه قصيدة شعرية، في العمق ودرجة تركيز المعنى على الرغم من قصرها، وتنوعت موضوعات قصصه القصيرة وتم تجميعها في مجلدات كثيرة انتشرت عبر العالم وتُرجمت إلى لغات أخرى عديدة فحققت نجاحًا واسعًا، وآخر هذه القصص كانت تلخيصًا لروايته «بلد الثلج» اختزلها في شكل قصة قصيرة أسماها «لقطات من بلد الثلج».

هل فاز كاواباتا بجائزة نوبل؟

كان ياسوناري كاواباتا، ثاني كاتب في الشرق، ينال جائزة نوبل، في عام 1969م إذ كان قد نالها قبله الشاعر والفيلسوف الهندي رابندرانات تاغور في عام 1913م.

ومما نُقل إلى الإنجليزية، وإلى عدد من اللغات الحية من قصص ياسوناري كاواباتا، قصة (صوت الجبل)، وقصة (ريف الثلج) أو (بلد الثلج).

ومع أنه يُعد شيخ أدباء القصة اليابانية وأكبر أعلامها، فإن المترجم من قصصه أقل مما تُرجم لـ (يوكيو مشيما)؛ والسبب هو عناية ياسوناري كاواباتا البالغة بجزالة وأناقة الأسلوب، بحيث تواجه المترجم صعابًا بالغة في نقل المعنى الدقيق الذي يريده الكاتب.

رحيل تراجيدي لكاواباتا

مات الأديب الياباني مؤلف رواية الجميلات النائمات ياسوناري كاواباتا منتحرًا، وكان قد ناهز السبعين من العمر، وكان دليل شهرته العالمية أن أذاعت خبر وفاته جميع وكالات الأنباء العالمية في الشرق والغرب على السواء.

يظل ياسوناري كاواباتا علامةً فارقةً في تاريخ الأدب الإنساني، حيث استطاع بأسلوبه الأنيق وجزالته الفائقة أن يجعل من الحزن والجمال لغةً عالميةً تفهمها كل القلوب.

ورغم الصعاب التي واجهت المترجمين في نقل المعاني الدقيقة لنصوصه، فإن روحه الانطباعية ظلت حاضرةً في كل سطر، تذكرنا بأن الفن هو المتنفس الوحيد لآلام النفس البشرية.

لقد رحل كاواباتا مخلفًا وراءه إرثًا لا يذبل، وقصصًا ستظل تُقرأ كأنها لقطات من بلد الثلج لا تنتهي برودتها ولا يغيب سحرها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة