في عالم الأدب قليلون هم من استطاعوا أن يجمعوا بين الغموض والعمق كما فعل ياسمينة خضراء، هذا الاسم الأنثوي الرقيق يخفي خلفه هوية جندي جزائري قضى عقودًا في صفوف الجيش، ليتحول إلى أحد أبرز الأصوات الروائية المدافعة عن القضايا الإنسانية. بأعماله التي ترجمت إلى عشرات اللغات، يقدم محمد مولسهول نافذة فريدة على تعقيدات الصراع بين الشرق والغرب، والتطرف، والبحث عن الهوية في عالم مضطرب، مثبتًا أن الأدب يمكن أن يولد من رحم أقسى الظروف.
مسيرة الكاتب والروائي «ياسمينة خضراء» صوت من أعماق المأساة الإنسانية
ياسمينة خضراء هو اسم مستعار للكاتب الجزائري «محمد مولسهول»، فقد اقتبس هذا الاسم من اسم زوجته «آمال ياسمينة خضراء»، وذلك تجنّبًا للرقابة العسكرية الصارمة التي كانت مفروضة خلال العشرية السوداء في الجزائر.

وُلد في 10 يناير 1955 في بلدة القنادسة بولاية بشار. وكان والده ممرضًا، ووالدته بدوية. لقد حقق محمد مولسهول، بفضل أعماله الأدبية، شهرة عالمية؛ إذ تُرجمت كتبه وبيعت في أكثر من 50 بلدًا في العالم وأكثر من 40 لغة.
مسيرة ياسمينة خضراء المهنية
التحق محمد مولسهول، بعد أن تخرّج من المدرسة العسكرية متحصّلًا على شهادة البكالوريا سنة 1973، بأكاديمية شرشال العسكرية حتى تخرّج منها برتبة ملازم عام 1976، ثم التحق بالقوات المحمولة جوًّا، وكانت بداية النشر باسمه المستعار سنة 1990 في أثناء خدمته العسكرية. في عام 2000، اعتزل محمد مولسهول الحياة العسكرية بعد 36 عامًا من الخدمة، وقرّر التفرغ للكتابة، إذ وجد فيها شغفه وميوله، واستقر لاحقًا هو وعائلته في فرنسا.
الأعمال الأدبية لياسمينة خضراء
يُعد ياسمينة خضراء أحد الأقلام الجزائرية التي دافعت عن القضايا الإنسانية في كل أنحاء العالم؛ فقد كان أدبه مرآةً تعكس حياة الإنسان ومعاناته، متناولاً بعمق موضوعات شائكة مثل التطرف الديني، صراع الهويات، والصدام بين الشرق والغرب.
فيما يلي قائمة بأهم أعماله الأدبية لياسمينة خضراء (محمد مولسهول):
-
«موريتوري» (Morituri) – سنة 1997.
-
«أبيض مزدوج» (Double Blanc) – سنة 1998.
-
«بسم الله» (Les Agneaux du Seigneur) – سنة 1998.
-
«خريف الخيالات» (L’Automne des chimères) – سنة 1999.
-
«الكاتب» (L’Écrivain) – سنة 2001.
-
«الهجوم» (L’Attentat) – سنة 2005.
-
«سنونوات كابول» (Les Hirondelles de Kaboul) – سنة 2002.
-
«فضل الليل على النهار» (Ce que le jour doit à la nuit) – سنة 2008.

مؤلفات الكاتب والروائي «ياسمينة خضراء»
رواية «سنونوات كابول»
في كابول، يسعى رجلان وامرأتان للبحث عن مغزى وجودهم وسط الخراب. المحامية التي فقدت مهنتها، والسجّان الذي ينفذ الإعدامات، وزوجة تعاني من مرض عضال. خلال رحلتهم للبحث عن الكرامة، يعيشون عذابات أمة تأثرت بالحروب وطغيان «طالبان». رغم اليأس، يرفض الحب الاستسلام، لكن الخوف يسيطر على البلاد. في هذه الرواية، يكشف ياسمينة خضراء عن تعقيدات السلوك في المجتمعات الإسلامية بين التراث والحداثة، وقد نالت كتبه شهرة عالمية وتُرجمت إلى أكثر من عشرين لغة.
رواية «فضل الليل على النهار»
تدور أحداث هذه الرواية حول شاب جزائري يُدعى يونس، في زمن الاحتلال الفرنسي للجزائر. كان يونس يعيش مع والديه وأخيه في إحدى البوادي، وعندما اقترب موسم الحصاد، اندلعت نيران في أرضهم الزراعية، وهو ما أدى إلى احتراق المحصول الجيد بشكل فاجأ الجميع. كان هذا الحادث مدبّرًا بلا شك، مما أجبرهم على الهجرة إلى مدينة وهران بعد أن وجدوا أنفسهم بلا موارد. فشل والد يونس العنيد في تأمين احتياجاتهم، فتولى عمه الصيدلاني، المتزوج من امرأة فرنسية، تربيته، وأصبح يُعرف باسم «جوناس». لكن عمه «ماحي» تم اعتقاله لمدة أسبوع، ربما بسبب آرائه السياسية. كُتبت هذه الرواية عام 2008 باللغة الفرنسية.
رواية «خليل»
تسرد هذه الرواية حكاية خليل، إذ تعكس تفاصيلها حياة عائلات بأكملها هجرت جذورها بحثًا عن وطن يحتضنها. لكن خيبة الأمل كانت أفضل ما وجدوه، إذ سلك بطل القصة درب التطرف بحثًا عن فتات من الاحترام ومكانة مزعومة في المجتمع.

تطرح الرواية تساؤلات مشروعة حول الاندماج والتهميش الحقيقي في مجتمعاتنا المتنوعة، كما تعكس إحباط الشباب الذين يسعون للهجرة، وما يشعرون به من فراغ وغربة، بالإضافة إلى تفكك الأسرة والإرث المؤلم الذي يتركه الآباء لأبنائهم من قنوط وأوهام. تتناول أيضًا العقيدة عندما تصبح مجرد مهرب من التفكير في الأسوأ، والحتمية التي تفرضها الحرب والعنف والموت من أجل الوصول إلى غدٍ أكثر إشراقًا.
رواية «الفضلاء»
تتناول رواية «الفضلاء» تجربة التجنيد للجزائريين خلال الحرب العالمية الأولى وتأثيراتها على المجتمع الجزائري، رغم قلة الاهتمام بهذا الموضوع. تترك تلك الحقبة آثارًا على الحياة اليومية وتسهم في تشكيل وعي سياسي أكثر تحررًا. تروي الرواية قصة ياسين شراقة، الذي يُجبر على الانضمام إلى الجيش بدلًا من ابن «قايد» قريته، ويخوض الحرب تحت اسمه. بعد عودته، يكتشف الخيانة والتشريد ومحاولة اغتياله.
الأعمال السينمائية المُقتبسة من روايات محمد مولسهول (ياسمينة خضراء)
فيما يلي قائمة بأهم الأفلام السينمائية التي اقتُبست من أعمال ياسمينة خضراء (محمد مولسهول) الأدبية ورواياته:
- «موريتوري» (Morituri) سنة 2007 من إخراج أوكاش بافلوفسكي.
- «فضل الليل على النهار» (Ce que le day doit à la nuit) سنة 2012 من إخراج ألكسندر أركادي (Alexandre Arcady).
- «الهجوم» (The Attack) سنة 2012 من إخراج زياد دويري (Ziad Doueiri).
- «سنونوات كابول» (Les Hirondelles de Kaboul) سنة 2019 من إخراج إيليا غوبيه وميفليليك كريستيان دي فيتا (Éléa Gobbé-Mévellec & Christian De Vita).

جوائز ياسمينة خضراء (محمد مولسهول)
- حصل سنة 2001 على جائزة الإعلام الأجنبي عن رواية «بسم الله».
- حصل سنة 2006 على جائزة الأدب الإنساني (Prix des Droits de l’Homme) عن «سنونوات كابول».
- حصل سنة 2008 على جائزة جان جونو للشباب (Prix Jean Giono) عن روايته «فضل الليل على النهار».
- حصل على جائزة القلم الذهبي السويدي (Gold Plume Pen) عن مجمل أعماله.
- حصل سنة 2013 على جائزة غونكور الكبرى للأدب (Grand Prix de Littérature de l’Académie Goncourt) عن مجمل أعماله.
- حصل سنة 2018 على الجائزة الكبرى للرواية من الأكاديمية الفرنسية (Grand Prix du Roman de l’Académie Française) عن «رواية خليل».
- ترشح سنة 2025 لجائزة بيبي كاربايّو (Pepe Carvalho) في مهرجان برشلونة «للرواية السوداء».
تكريمات ياسمينة خضراء (محمد مولسهول)
هنّأه رئيس الجمهورية الجزائري بمناسبة فوزه بالجائزة العالمية.
أقوال واقتباسات ياسمينة خضراء
- «لا يمكن لأي شمس أن تقاوم الليل».
- «إن الذي يهم هو الوقوف بعد السقوط وردة الفعل المتماسكة عند تلقي الضربات».
- «يجب أن نتأمل البحر دائمًا، إنه مرآة لا تجيد الكذب علينا».
- «الحرب فظاعة فائقة، ومنها يستمد أطفالها القساوة التي تغلف قلوبهم».
- «لم أفعل سوى دوران حول وهم، على غرار فراشة تدور حول مصباح خافت النور، أشدَّ هوسًا بإغراءات فضولها من انبهارها بنور الشمعة القاتل».

يظل ياسمينة خضراء (محمد مولسهول) واحدًا من ألمع الأقلام الأدبية التي انطلقت من الجزائر لتحتفي بالإنسانية في أعمق تجلياتها وأقسى محنها. لقد نجح هذا الكاتب المبدع، من خلف اسمه المستعار، في نسج العوالم الروائية التي حملت بين طياتها صدى معاناة وطنه وصرخة الإنسان المهدد بالحروب والظلم والعدوان في أنحاء العالم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.