على اختلاف المخلوقات كان الإنسان أكثر غموضًا وأشد استغلاقًا؛ وكانت الصدفة عاملاً فاعلاً في كشفه، وسبر أغواره، وكثير من الناس لم يدركوا حقيقة الآخرين إلاَّ عن طريق الصدفة؛ لذا ظل الأغلبية منهم مخدوعين في أصدقائهم إلى أن فارقوا دون معرفتهم حقيقة الوجه الآخر لهم، فارقوا وهم صادقون، وكثيرة هي النصوص والأقوال المأثورة والقصص والحكايات التي صوَّرَتْ الوجهين الحقيقي والباطل للحياة، غير أنَّ الشعر كان من أهم المأثورات العربية التي كشفت عن زيف الآخر، وخداعه، ومن الشعراء من استشعره عن بعد، ومنهم من أدركه عن طريق الممارسة الحياتية :
فكان علي بن أبي طالب يُردد ما جاء به الإسلام وما جُبِلتْ عليه النفس من خير، إزاء الصحب والأصدقاء، وهو في ظل ذلك كان كيِّسًا فطنًا، فعلى الرغم من حرصه الشديد على حفظ الصديق في كل المواقف، فلم ينصح بمصاحبة الكذوب، بل أمر بالابتعاد عنه، ووضع حدًّا للصداقة، وشدَّدَ على ذلك إذ أخذ يُعدِّدُ مثالب الكذوب، ويُنبِّه عن الخطر من مصاحبة اللئام :
وَاجْعَلْ صَدِيَقَكَ مَنْ إذا آخَيْتَهُ حَفِظَ الإِخَاْءَ وَكَانَ دُوْنَكَ يَضْرِبُ
وَاطْلُبْهُمُ طَلَبَ المَرِيْض شِفَاءَهُ ودع الكذوبَ فليس مِمن يصحبُ
واحفظْ صديقَك في المواطنِ كلِّها وَعَلَيْكَ بالمَرْءِ الَّذي لاَ يَكْذِبُ
وَاقْلِ الكَذُوْبَ وَقُرْبَهُ وَجِوَارَهُ إِنَّ الكَذُوْبَ مُلَطِّخٌ مَنْ يَصْحَبُ
يعطيك ما فوق المنى بِلسانِه وَيَرُوْغُ مِنكَ كما يَرُوغ الثَّعْلَبُ
وَاحْذَرْ ذَوِي المَلَقِ اللِّئَامَ فَإِنَّهُمْ في النَّائِباتِ عليكَ مِمن يخطبُ
يَسْعَوْنَ حَوْلَ المَرْءِ ما طَمِعُوا بِهِ وإذا نَبَا دَهرٌ جفوا وتَغَيَّبُوا([1])
فكان علي بن أبي طالب مثالاً للمؤمن الفطن الذي يحتاط لنفسه، وينتصر لتعاليم دينه، وللقيم الإنسانية.
ولم يكن البحتري ساذجًا حين ارتمى في حضن المثالية، والقيم الإنسانية، ففتح لحسن النية بابًا واسعًا، وعزَّزَ من شأن التضحية والفدائية، حتى تَمَنَّى الرَّدَى والهلاك مقابل أن يسلم صاحبُه :
ويَكْفِي الفَتَى مِنْ نُصْحِهِ وَوَفَائِهِ تَمَنِّيهِ أَنْ يَرْدَى وَيَسْلَمَ صَاحِبُهْ ([2])
وبالغ البحتري في الأمر حتى تغاضى عن العداوة، ورأى العدوَّ صديقًا بعين المُحِبِّ الوامق الذي يتجاهل عُيوب من أَحبَّ في قوله:
عدُوَّةٌ بَادٍ لَنَا ضِغْنُهَا أَنْزَلَهَا الْحُبُّ مَحَلَّ الصَّديق([3])
وتتعدد مواقف الاحتفاء بالأصدقاء لدى البحتري كما في قوله:
كَمْ صَدِيقٍ عرفْتُهُ بِصَديقٍ صَارَ أَحْظَى مِنَ الصَّدِيق ِالعتِيقِ
وَرَفِيقٍ رَافَقْتُهُ في طَرِيقٍ صَارَ بَعْدَ الطَّريقِ خَيْرَ رَفِيقِ ! ([4])
لكن البحتري لم ينخدع طول الوقت، فهو حين انكشف له زيف بعض أصدقائه، تَبرَّأَ من وُدادِهم :
وَإِنِّي بريءٌ من وُدَادِ أَصَادِقٍ وُدَادُهُمُ بالْغَيْبِ غَيْرُ صَدُوقِ
شَبِيهَانِ : إِحْسَانِي بِهِمْ وإِسَاءَتِي، وَمِثْلانِ : بريِّ عِنْدَهُمْ وَعُقُوقِي ([5])
ولعل مبدأ التغاضي/ المعاملة بالمثل، الذي سلكة الإمام الشافعي في أكثر من موقف يُعلِّلُ لموقف البحتري السابق:
وَعَيْنُ الرِّضا عَنْ كُلَّ عَيبٍ كليلة ٌ وَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا
وَلَسْتُ بَهَيَّابٍ لِمَنْ لا يَهابُنِي وَلَسْتُ أَرَى لِلْمَرْءِ ما لا يرى ليا
فإِنْ تَدْنُ مِنِّي، تَدْنُ منكَ مَوَدَّتِي وإِنْ تنأ عنِّي، تَلْقَنِي عنكَ نائيا
كِلاَنا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيه حَيَاتَه وَنَحْنُ إذَا مِتْنَا أشَدُّ تَغَانِيَا([6])
وفي قوله:
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفَا فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحة ٌ وفي القلبِ صبرٌ للحبيب ولو جفَا
...
سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَا صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَا([7])
ولم يكن المتنبي خبيثًا، ولم يكن أكثر حطيةً، لكنه كان أقرب تقديرًا للمسافات ولا سميا تلك التي تقع في زمامه وتَصُبُّ في مصلحته، وعلى الرغم من ذلك فقد سُقِطَ فِي يَدِهِ كثيرًا، ولم يكن لدى المتنبي وقت للعب إذا صحَّ هذا التعبير، وقريب منه، إن قلنا: ضعف لديه الجانب العاطفي، وتلاشت عنده الرومانسية، وأخفق بداخله الإنساني، ولنا أن نفلت من حذر كل ذلك إن قلنا: كان المتنبي أكثر واقعيَّةً، وما قصيدته([8]) التي كتبها لكافور الإخشيدي إلا ردة فعل لمأمورية باءت بالفشل، ومقصد لم يكن على قدر توقع القاصد، وما هي إلا تأنيب لنفسه أكثر منه هجاء، وتأديب أكثر منه تقريع؛ لذا بدا موقف المتنبي من الآخر بكل أطيافه في قوله:
وَلَمَّا صَارَ وُدُّ النَّاسِ خِبًّا جَزَيْتُ عَلَى ابْتِسَامٍ بِابْتِسَامِ([9])
جاء بيته قضيَّةً مُسَلَّمةً، وأمرًا واقعًا لا فصالَ فيه، وأغلق الباب دون المناقشة، إذْ جعل الناس كلَّهم في مستوى واحد، فكان الأمر عنده ( هات وخذ).
لكن أبا فِراس أدرك بعد التضحية بين بني الإنسان؛ فتوارى خلف الاستفهام التعجيزي، وبدلاً من أن يقول رأيه صراحةً أدخلنا في دائرة من الإحراج والمواجهة مع النفس في قوله:
أَتَزْعُمُ أَنّكَ خِدْنُ الوَفَاءِ وَقَدْ حَجَبَ التُّرْبُ مَنْ قَدْ حَجَبْ؟
فَإِنْ كُنْتَ تَصْدُقُ فِيمَا تَقُولُ فَمُتْ قَبْلَ مَوْتِكَ مَعْ مَنْ تُحِبْ ([10])
فنحن نبكي موتانا، وأحبابنا، نبكيهم بألسنتنا، وربما بقلوبنا، ومع ذلك لو طُلِب من أحدنا أن يلحق بذويه من الموتى، رُبما يفيق من عويله، وبكائه، ويتراجع عن اللحاق بهم؛ حبًّا في البقاء!
فلا مجال للتحايل أو الخداع طول الوقت، وسوف تفرز المواقف معادن الناس، ويبدو مَنْ هو أولى الناس باهتمامك، ومَنْ تركه أجدى من البقاء عليه؛ فنجدنا مُجْبَرِين بعض الوقت على المعاملة بالمثل، وقد نتغاضى، وفي الحالين نكون مدركين لحقيقة الآخرين .
والأقاويل الشعرية السابقة تُعبِّر عن الشعور الصادق لقائليها، وقد تتجاوز هذا الخاص لتمثل الشريحة المتصالحة مع نفسها في كل المجتمعات، في حين تظلُّ هذه الأقاويل سهمًا مغروسًا في صدور المتحايلين، ومرآةً فاضحةً للزيف والغش والخداع، فصدقت كلُّ الرؤى الصائبة، مادامت متسقةً مع الواقع غير متعدية على حقوق الآخرين، أو معادية لقيم الإنسانية.
بقلم محمد محمد عيسى كاتب مصري
([1])علي بن أبي طالب : ديوان الإمام علي بن أبي طالب، جمع وترتيب عبدالعزيز الكرم، ط:1، 1988م، ص: 23
([2]) البحتري : ديوان البحتري ، تحقيق: حسن كامل الصيرفي، دار المعارف، ط:3، القاهرة ، 1977م، 1/ 202
([3]) البحتري، 3 / 1465
([4]) البحتري، 3 / 1550
([5]) البحتري، 3 / 1516
([6]) الشافعي : ديوان الإمام الشافعي، إعداد وتقديم : محمد إبراهيم سليم، مكتبة ابن سينا، القاهرة، 1988م، ص: 157
([7]) الشافعي : ديوان الشافعي ، ص: 81
([8]) التي مطلعها:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بمَا مَضَى أمْ لِأمْرٍ فيكَ تجْديدُ ... المتنبي : ديوان المتنبي ، دار الفكر العربي ، بيروت – لبنان، ط:10، 2004م، ص:111
([9]) المتنبي : ديوان المتنبي، ص: 308
([10]) أبو فراس : ديوان أبي فراس الحمداني ،دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، ط:2، 1994م، ص: 23
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.