بمجرد اكتشاف جريمة قتل يسعى رجال الشرطة لتحديد وقت وفاة الضحية، وهو الأمر الذي يؤدي دورًا محوريًا فيما بعد لتحديد هوية الجاني من بين المشتبه بهم. والصورة التي نتذكرها جميعًا من الروايات والأفلام للطريقة التي يفحص بها الطبيب الشرعي جثة الضحية لتحديد وقت الوفاة تبدو وكأنها من ضروب السحر، لكن في الحياة الواقعية الأمر له قصة مثيرة.
ويليام إم. باس: العالم الذي نقل دراسة الرفات من النظريات إلى العدالة
ويليام مارفن باس الثالث، المولود في عام 1928، هو عالم أنثروبولوجيا جنائية أمريكي بارز، اشتُهر بتأسيسه «منشأة الأنثروبولوجيا البحثية» التابعة لجامعة تينيسي في عام 1980، وهي أول مختبر خارجي في العالم مخصص لدراسة تحلل الأجسام البشرية في ظروف بيئية متنوعة.
تُعرف هذه المنشأة شعبيًا باسم «مزرعة الجثث»، وقد أحدثت ثورة في العلوم الجنائية من خلال توفير بيانات دقيقة تساعد المحققين في تقدير «وقت الوفاة» بدقة أكبر، مما ساهم في حل العديد من القضايا الجنائية الغامضة وتطوير أساليب تحديد هوية الرفات البشرية.
كما أشرف على تدريب جيل كامل من المتخصصين في الأنثروبولوجيا الجنائية. وقد وثق مسيرته المهنية الحافلة من خلال مذكراته الشهيرة «فدان الموت»، كما شارك في كتابة سلسلة من الروايات البوليسية تحت الاسم المستعار «جيفيرسون باس». تقديرًا لجهوده الاستثنائية التي نقلت دراسة الرفات من مجرد تخصص نظري إلى أداة حاسمة في تحقيق العدالة، قامت جامعة تينيسي بتسمية مبنى الأنثروبولوجيا الجنائية باسمه تخليدًا لذكراه.

اللغز الذي غير مجرى العلوم الجنائية
في مطلع السبعينيات من القرن العشرين كان الدكتور (ويليام باس) أستاذًا لعلم الإنسان أو (الإنثروبولوجيا) في جامعة تينيسي بمدينة (نوكسفيل) الأمريكية، وكان تخصصه الدقيق دراسة الرفات البشري القديم؛ لذا وبسب مهاراته المميزة عادة ما كان يلجأ إليه رجال الشرطة عندما يجدون جثة جديدة ليساعدهم في معرفة وقت وفاة الضحية.
ولكن رفات القدماء الذي كان يدرسه الدكتور ويليام م. باس كان لبشر ماتوا من مئات السنين، أما الجثث التي تعرضها الشرطة عليه فقد مات أصحابها حديثًا، ولم يكن باستطاعته تحديد وقت الوفاة بدقة؛ لأنه لا يعرف معدل التحلل لتلك الجثث، وفي الواقع لم يكن هناك أي شخص في ذلك الوقت قادر على ذلك بشكل جيد.
في إحدى المرات استُدعي لفحص تاريخ وفاة جثة كانت محفوظة. الجثة لشخص أصيب بطلق ناري في الرأس، بينما لا تزال عظامه مكسوة ببعض اللحم؛ لذا قدر الدكتور ويليام باس أن الرجل قُتل منذ عام، بعد ذلك تم اكتشاف أن الجثة هي لجندي من الحرب الأهلية الأمريكية، أي مر عليها أكثر من مئة عام، ولكن بسبب أنها كانت محفوظة داخل تابوت محكم من الرصاص فلم تتحلل بسرعة.
يقول الدكتور ويليام باس عن خطئه في تحديد وقت الوفاة مازحًا: «لقد فاتني فقط 113 سنة، هذا الخطأ جعلني أدرك كيف أننا نجهل تمامًا ما يحدث للجسم بعد الموت، لقد وجدتُ أن الطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هو مشاهدة الجسم وهو يتحلل».
كواليس تأسيس أول مزرعة جثث في التاريخ
في عام 1972 وفَّرت جامعة تينيسي للدكتور ويليام م. باس قطعة أرض مساحتها نحو ثلاثة أفدنة محاطة بسياج من الأسلاك الشائكة خلف المركز الطبي للجامعة على بعد أميال قليلة من وسط مدينة نوكسفيل، كما وفرت عددًا من الجثث لأشخاص ماتوا حديثًا أغلبهم كانوا بلا مأوى ولم يتم التعرف على ذويهم.
حيث تُركت بعض الجثث لتتحل على الأرض، والبعض الآخر وُضع في ظروف مختلفة مثل حفظها في خزانات تحت الأرض، أو في أكياس حفظ الجثث التي تستخدمها الشرطة، أو في صندوق سيارة، أو غمرها في الماء.
ثم قام الدكتور ويليام باس وعدد من طلابه بملاحظة وقياس وتسجيل الحالة التي تكون عليها الجثث بمرور الوقت.

البصمة الكيميائية للتحلل: لغة الجثث الصامتة
بعيدًا عن الملاحظة البصرية للحشرات وتآكل الأنسجة، تعمق باحثو مزرعة الجثث في دراسة الكيمياء الحيوية التي ترافق تحلل الجسد، حيث تتحول الجثة إلى نظام بيئي كيميائي معقد.
بمجرد توقف القلب، تبدأ عملية التحلل الذاتي (Autolysis)، حيث تقوم الإنزيمات بهضم الخلايا من الداخل، مما يؤدي إلى انبعاث غازات ومركبات عضوية متطايرة تعمل كإشارات كيميائية تجذب أنواعًا محددة من الحشرات في توقيتات دقيقة للغاية.
ومن خلال تحليل ترشيحات التحلل، وهي السوائل التي تتسرب من الجثة إلى التربة المحيطة، تمكن العلماء من قياس مستويات النيتروجين، والفوسفور، والكالسيوم، والتي تتغير بنسب معلومة زمنيًا، وقد سمح هذا التطور العلمي للمحققين بتحويل التربة تحت الضحية إلى ساعة بيولوجية دقيقة، تمنحهم القدرة على تحديد وقت الوفاة حتى في الحالات التي يتم فيها نقل الجثة أو محاولة إخفاء معالمها.
إرث ويليام باس.. مزارع الجثث تطارد القتلة
الآن وبفضل الجهود الكبيرة للدكتور ويليام مارفن باس الثالث وفريقه في مزرعة الجثث أصبح الأطباء الشرعيون يعرفون كثيرًا عما يحدث للجثثت بعد الموت، أصبحوا يعرفون أي نوع من الحشرات ينجذب للجثث، وأن الجثث التي تُترك في صندوق سيارة تتحل أسرع من تلك المدفونة في الأرض، بل أصبحوا يستطيعون معرفة الكثير من مجرد فحص التربة تحت الجثة، حتى لو كانت الجثة قد نُقلت من مسرح الجريمة.
اليوم توجد كثير من مزارع الجثث في جميع أنحاء العالم، وبفضل تلك المزارع استفاد كثير من الأطباء ورجال الشرطة، وتم حل كثير من الجرائم وإلقاء القبض على القتلة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.