قالت لي وسط حواراتنا الكثيرة: إذا كان الجميع يعاني من طيبته الزائدة، فمن السيئون إذًا؟ هذا التساؤل العميق يضعنا أمام مفهوم وهم الكمال. من يدَّعي الكمال والطيبة غير المحدودة واهم جدًا، فكلنا لدينا جانب مظلم بطريقة أو بأخرى، وقد مرَّت بأذهاننا فكرة شريرة يومًا ما. وحينئذ حضرني قول للكاتب ستيغ لارسن: «لا وجود للبريئون.. كلنا مذنبون بدرجات متفاوتة».
يستكشف هذا المقال حدود الكمال الأخلاقي وضرورة تبني النقد الذاتي كونه سبيلًا وحيدًا للحفاظ على سلامة القلب والوعي الحقيقي بالمسؤولية الذاتية في زمن كثر فيه مدعو النصح.
وهم الكمال الأخلاقي والازدواجية الإنسانية
من يدَّعي الكمال والطيبة غير المحدودة واهم جدًا، فكلنا لدينا جانب مظلم بطريقة أو بأخرى، وقد مرَّت بأذهاننا فكرة شريرة يومًا ما، وهذا لا يعني بأننا قد نفذناها، ولكن مرور تلك الفكرة ينفي عنا صفة الكمال في الأخلاق وطيبة القلب. لذلك وردت كثير من الأحاديث التي تحث على الدعاء من أجل الحفاظ على سلامة هذا القلب من الأحقاد والأدران، وهذا يعني بأن القلب يدخله بعض الأسقام حاله حال البدن، ولا بد من تنقيته بين الحين والآخر كي نحافظ على سلامته ونقائه، وهذا هو الصواب، فلا يوجد خير مطلق في الإنسان، وإنما محاولات لإبقاء القلب في حالة نقاء، لا تصل نسبتها لمئة في المئة إلا فيما ندر.
خطر المظلومية والوعي الزائف (Self-Deception)
كثير منا وللأسف يبحث ويتحرى كل خطأ يقع به من حوله من بشر، ولكنه نادرًا ما يبحث داخل نفسه، فهو المظلوم دائمًا، والكل يحاول أن ينال منه، ولو أنه اتصف بالحياد ولو قليلًا لأدرك بأنه يتحمل جزءًا ولو يسيرًا من كل ذلك، فليست كل نظرة هي احتقار أو انتقاص منه، وليست كل كلمة موجهة لشخصه، فلكلٍ همومه وأحزانه ومشاغله، وقليل هم من يترصدون للآخرين محاولين النيل منهم، ولنترك عبث مواقع التواصل الاجتماعي ومدَّعي هذا العصر ممن نصَّبوا أنفسهم علماء في النفس البشرية وهم لا يعلمون شيئًا، فكثير من هؤلاء هم الذين زرعوا فكرة بأننا مظلومون والكل ظالم، وما أن انتشر هذا النوع من الحديث حتى أصبح الجميع أبرياء ومستهدفين، فمن الظالمون إذن؟
الحل: مكاشفة النفس والسماع لصوت الحقيقة
لا بد لكل منا من جلسة صريحة مع النفس لمعرفة ما لها وما عليها، والاعتراف بما اقترفناه بحق الآخرين وبحق أنفسنا، وذلك لتصويب ما فعلناه، والسماح لسماع صوت الحقيقة بعيدًا عن صوتنا نحن، فكثير من الأشخاص لا يسمع سوى صوته هو وهنا تكمن المشكلة، ومكاشفة النفس جزء من الحل وجزء من العلاج.
علينا في هذا الزمن تنقية كل ما نسمع ونرى من شوائب الدجل الحديث والبحث عن الحقيقة بعين واعية متفحصة، وإلا سنقع في أخطاء لا يمكن إصلاحها في المستقبل، واحرص على أن تأخذ الحكمة والنصيحة ممن تثق بعلمه وتجربته في الحياة؛ فما كل ناصح أمين في هذا الوقت.
إن الإقرار بغياب الكمال الأخلاقي والاعتراف بحقيقة الجانب المظلم لدينا هو الخطوة الأولى نحو النضج والحياد. إن التوقف عن أداء دور الضحية الدائمة يتطلب شجاعة للنظر إلى الداخل وتبني النقد الذاتي. في زمن كثرت فيه النصائح الرقمية غير الأمينة، يصبح واجبنا الأكبر هو تنقية قلوبنا من الأدران، لا تنقية العالم من الأعداء الموهومين، والبحث عن الحكمة في مصادرها الموثوقة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.