كتبتُ منذ أيامٍ في هذا الموقع (جوك) مقالًا بعنوان: مشوار الألف ميل يبدأ بفيل. وكانت تبدو جملة تهكميةً، ولم أعنِ بها التهكمَ على الإطلاق، بل كانت محاولةً لفهم الإحجام الذي يصيبنا عن البداية، وكان للنفس فيها رأيٌ خاص: وهو أن مشوار النجاح لا يبدأ بخطوة كما يقول الناس، بل بفيل ضخم يمنعنا أصلًا من رؤية الموضع الذي سنضع فيه أقدامَنا ونحن نخطو أولَّ خطوة. وفندنا فيه حجج النفس، ودحضنَا كل المبررات التي أدلَت بها.
والآن وبعد مرور أيام على ذاك المقال؛ أرادت النفس أن تستأنف على الحكم السابق، فقد بدا لها حُجَّةٌ جديدة، ترى أنها لن تكونَ قابلةً للدحض هذه المرة. تقول النفس: حسنًا، أنا أتفق مع طرحك السابق بأنه ليس هناك فيلة في طريق الانطلاق، وسلمتُ لك أنك استطعتَ طردَ جميع الأشباح من مخيلتي، ولكن ما زال هناك فيلٌ آخر لا أحسَبُه هذه المرة شبحًا، فقلت لها: وما ذاك؟ قالت: لقد تأخر الوقت على البداية، نعم ولَّت الفيلةُ أدبارَها، ولكنْ ماذا يفيدني الانطلاق الآن وقد انسلخَ من العمر كذا وكذا؟ ألا ترى أنه قد فاتَ الأوانُ، ولن يكون السعي إلا محاولةً بائسةً معلومةَ النتيجة سلفًا؟
هل يدفعنا التأخر إلى مزيد منه؟
وقبل أن أستأنف تفنيد هذه الشبهة الجديدة؛ فإني أسائل النفسَ قائلًا: وماذا تعتقدين أنه ينبغي عليك أن تفعلي؟ أنتِ تقولين إن الوقتَ قد تأخر على البداية، فهل يعني ذلك ألا تبدئي أصلًا؟، هل تترقبين قطارَ الموت ريثما يُزجي إليك منيتك؟، على كل حال؛ فكما أخبرتكِ سابقًا: أنه يتعين عليكِ أن تعيشي؛ أو فسوف تُحاسبينَ على عدم العيش،
البداية المتأخرة تُقَابل بثلاثة احتمالات:
- البدء وتسريع الخطى.
- تسويف أكثر.
- اتخاذ قرار بعدم البداية (الانسحاب الكامل).
هل فاتَ الأوان بالفعل؟
إننا نعيشُ أُسارَى لكلمةٍ لم تنبسْ بها الشفاهُ صراحة، وهي: لقد فات الأوان. ومع أن أحدًا لا يتبرع بذكرها لك ألفاظًا منطوقة؛ فإنَّ الكثيرينَ يوحونَ إليك بها وحيًا، وينفثونَ بها في روعك نفثًا، وإن سَلِمْتَ من المحيط؛ لم تسلم من نفسك التي لا تألو جهدًا في التخذيل والإيهان، فإن لم يخبرك أحدٌ أن عمرك قد انسلخ أكثره، وأن الباقي منه لا يكفي حتى في التحسر على ما قد فاتَ منه؛ فإن نفسَك ستقول ذلك، وأكثرَ منه.
ستقول لك أيضًا: «فيمَ السعي والنتيجة محسومة؟ لقد حكمتَ على نفسك بالفشل حين سمحتَ لزمام الوقت أن يتفلَّت من يديك، والآن بعد أن صارت الدابة في مكان سحيق تروم لحاقها بخطوة تخطوها؟، هيهاتَ هيهات، وستذكِّرك بالمَثَل الساقط الشائع: بعد أن شابَ؛ يريد الذهابَ إلى الكُتَّاب، ما عجزت عنه في أربعين سنة تطمع في تحصيله في نصف هذه المدة أو أقلَّ من ذلك؟ كان غيرك أشطر، لو كان فيكَ خيرٌ لما انتظرتَ حتى الآن، لقد فاز مَن بَكَّر، وخابَ وخسر من تمهلَ وتأخَّر».
وهم البداية المتأخرة يصنعُ أحكامًا جائرة
سوف تتعامل أنفسنا مع أعمارنا لا على أنها مجرد أرقام، ولكنها أحكامٌ فاصلة. وليست المشكلة في ذلك فهو شيء صحيحٌ بطريقة ما؛ ولكنَّ المشكلةَ في طبيعة هذه الأحكام وجورها. فإنْ جاوزَت العشرين؛ فقد أبليتَ شبابك، وإذا بلغتَ الثلاثين فقد مضى زمن الإنتاج. أما الأربعون فهي شهادة موثقة على العجز، وكل ما يلي ذلك من أيامك ليس سوى لعب في الوقت الضائع.
وهكذا تُحيلُ هذه الأحكام الجائرة عُمرَ الإنسان من روضةٍ يانعةٍ بثمار العمل والإنتاجية؛ إلى صحراءَ قاحلةٍ لا ترى فيها غير نبتة ذابلة أو غصون أشواك مترامية، من رحلةٍ ماتعةٍ إلى ذكرى هاربةٍ مولية. من مَيدانٍ للعيش والحياة إلى ذُبابِ سيفٍ مسلطٍ على نحورنا، هنالك يُولَدُ ذلك الوهم المخيف، ويربو هذا الشبح المستطير؛ وهم البداية المتأخرة.
الوقت مهم جدًا ولكن (الوقت الذي مضى) ليس وقتًا حقيقيًا
أنا لا أنكر أن عاملَ الزمن عاملٌ مهم. لا أقول إن الوقت بلا قيمة، في الواقع لو قلتُ ذلك لكنتُ ساذجًا. بل العكس هو الصحيح؛ فالوقت ليس ثمينًا فحسب، ولا هو من ذهبٍ وفقط، بل هو أنفاسُك التي تتنفسها، هو الحياة نفسها، هو إحدى النعمتين اللتين ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ». فمن لا يملك الوقت هو من لا يملك الحياة؛ هو الميت فحسب، ولكني أتحدث عن الوقت الذي نملكه فعلًا.

إن عقليةَ البداية المتأخرة تفكر في الوقت الماضي؛ الوقت الذي قد انتهى بالفعل؛ فتجعل منه مبررًا لعدم البداية، فهي تقول: بما أنه قد ذهب الكثير؛ فلا ضير أن يذهبَ ما تبقى أيضًا، تلك العقلية لا يروقها أن تسمعَ هذه الحقيقة: المشكلة ليسَت أبدًا في التأخر -وسوف نسوقُ كثيرًا من البراهين على ذلك- المشكلة في فكرة التأخر بذاتِها. هذه الفكرة التي تأبى إلا أن تنتفس في كهف النفس المظلم؛ لتصبح شبحًا آخر؛ فيلًا جديدًا يرقد في طريق البداية.
عند هذه النقطة؛ لم يَعد خوفنا من البداية نفسها؛ ولكن من تأخر البداية. مع أن ذلك سيصنع مزيدًا من التأخر. إن الوعيَ بالزمان في هذه الحالة هو سلاح ذو حدين؛ فهو عندَ البعض دافعٌ على العمل بجد لاستدراك ما فات. ولكنه لدى البعض الآخر مبررٌ للاستمرار في التوقف، وكأن صوتًا خافتًا يهمس في آذاننا: لا فائدة. لقد انتهى الأمر،
ولكن مَن الذي أصدرَ هذا الحكم؟ مَن الذي قال لقد انتهى الأمر؟ من الذي زعمَ أن للأحلام تاريخ صلاحية لا ينبغي تجاوزُه وإلا فسدَ أثرها؟ ومن الذي شَرَّعَ توقيتًا رسميًا لا تصلح البداية بعده؟ إذا كان جواب كل هذه الأسئلة؛ لا أحد؛ فهذا يعني أنَّ الأمرَ لم يَنتهِ، وأنه لا معنى للبداية المتأخرة؛ إلا في عقول تخشى من البداية فتنتحل لذلك أعذارًا. وحتى هذا الخوف لَم يعد له ما يبرره.
لماذا تتعلل النفس بوهم البداية المتأخرة؟
إذا كانت هذه الحُجةُ واهيةً إلى هذا الحد، لا تنطلي حتى على طفل صغير؛ فما الذي يجعلنا نتشبث بها؟، السبب في ذلك أمران:
1- أن العقل يعمل بطريقة آلية تصب في راحتك في الوقت الحالي
فإذا أقنعتَه أن تسويفَ الأمور لن يأتيَ بنتيجة مرغوبة أبدًا؛ فلا بأسَ أن يصيح قائلًا: حسنًا، أنا لن أُسَوِّفَ، أنا أصلًا لن أحاول، لأنه لا جدوى من المحاولة، لقد فاتَ الأوان، وعندها تتعلل النفس، ويسكنُ صوتُ الضمير اللائم، لأن فقدان الأمل في الوصول، هو في حد ذاته وصولٌ إلى انعدام الأمل، وفقدان الرغبة في شيء يعني -بوجه من الوجوه- الغِنى عنه. ولكنَّ الحقيقة المؤلمة التي لا نحب سماعها؛ هي أن المشكلة الحقيقية هي الكسل.
نعم الكسل وليس تأخر البداية الذي يلبسُ جلبابًا ممزقًا وأسمالًا بالية؛ ومع ذلك نأبى إلا أن نمدحه قائلين: ما أحسنَ هذه الثياب، كل ما في الأمر أن هذا الوهمَ؛ وهمَ البداية المتأخرة، يُعطينا رشفةً من الراحة المؤقتة الخادعة، ويعفينا من الحرج أمام ضمائرنا المؤرقة. فما دامَ الوقت قد فاتَ؛ فلا داعي من محاولةٍ بائسةٍ، المنطق يقول ذلك، وهكذا نشري الأملَ بالكسل، ونقايضُ النجاةَ بالاستسلام، ونستعيض عن العمل بالتعلل، فالمشكلة ليست فينا، والذنب ليس إلينا، كل ما هنالك أنه لم يعد أمامَنا الوقت،
2- أن البداية المتأخرة تعني أننا نحتاج إلى مجهود مضاعف
يتناسب طرديًا مع الوقت المفقود. فالذي يرى أن أحلامه تحتاج إلى عشرين عامًا، ثم ينظر فإذا هو قد أهدر منها عشرة أعوام؛ فهذا يعني أن يبذل جهدًا مضروبًا في اثنين، أو ربما يحتاج إلى تقليص أحلامه إلى النصف، فهذه العقلية تنطلق من مبدأ: إما أن أحصل على كل شيء، أو لا أحصل على شيء مطلقًا، مع أن القاعدةَ العقلية تقول: ما لا يُدرَك كله، لا يتُرَك جُلُّه. وبما أن صاحب هذا المنطق لا يرضى إلا بالغاية القصوى، وفي الوقت نفسه؛ لا يحتمل أن يضاعف جهده -لأنه اعتادَ الكسل- فلا خيارَ أمامَه سوى أن يتركَ الأمرَ بالكلية.
التفكير المقلوب
إن الجريمةَ الحقيقية التي نقترفها تجاه أنفسنا؛ هي أن نأذنَ لها بتضخيم التفكير المقلوب. فالمصيبة لم تكن في تأخر البداية، ولكن في أن نؤخرَ البداية بحُجة التأخر. وهو فرق شاسع. فما دُمتَ بدأتَ فأنت لستَ متأخرًا، ولن تتأخر إلا أن تمتنع طوعًا عن البداية. التفكير المستقيم يقول إن البداية -وإن أتت متأخرة- أفضل من الانتظار المفتوح.
مزايا تأخر البداية
ثم إن تأخرَ البداية يحمل عددًا من المزايا أيضًا، ربما يبدو ذلك عجيبًا، لكنها الحقيقة. البداية المتأخرة تعني مزيدًا من النضج، مزيدًا من الأدوات اللازمة للهدف، رؤيةً أكثرَ عمقًا، عقلًا أكثرَ تفتحًا. نعم سيكون الوقت المتاح أقل، لكن بكل تأكيد سنكون أكثر قدرة.
أضف إلى ذلك؛ أن جُلَّ الإنجازات العظيمة لَم تأتِ في الوقت المثالي، أتدري لماذا؟ لأنَّها تحققت عندما تخلى أربابها عن فكرة التقيد بوهم البداية المتأخرة. فليس هناك وقت مثالي؛ ولكن هناك أعمالٌ تُنجَز فيكون أوانُ تحقيقها هو الوقت المثالي. هل تعلم متى يأتي الوقت المثالي؟ يأتي فقط عندما نطرحُ كل الأعذار، ولا نُبقي إلا على المحاولة العاريةِ من الأمل الزائف. عندما نتجرد من ثياب اليأس والكسل.
والآن سأطرح عليك عددًا من النماذج التي انتصرَت على هذا الشبح؛ شبح فوات الأوان. ليس مطلوبًا منا أن نحقق الدرجة نفسها التي حققوها من الانتصار. ولكن على أقل تقدير؛ سنكتشف أنَّ تأخرَ البداية ليس مبررًا لعدم النجاح، فإذا استطاعَ أشخاصٌ أن يتفوقوا رغم البداية المتأخرة؛ فإننا أيضًا نستطيع على الأقل أن ننجح. ليس شرطًا أن نحقق الصورة المثالية من أحلامنا، لكن يكفي أن نفتربَ منها.
- هارلاند ساندرز: مؤسس سلسلة مطاعم كنتاكي بدأ في عمر الثانية والستين؛ بداية متأخرة جدًا، لكنها فعالة جدًا أيضًا: طُرد من عدة وظائف، فشل في كثير من الأعمال، عاشَ فتراتٍ طويلة من الفقر الشديد، بدأ متأخرًا لكنه نجح نجاحًا مدويًا.
- نجيب محفوظ: حصل على جائزة نوبل وهو في السبعين من عمره.
- فان جوخ: لم يبدأ نجاحه وشهرته الواسعة متأخرًا، بل بعد أن مات.
- تشارلز داروين: صاحب نظرية التطور التي طبقت الآفاق (بصرف النظر عن كونها صحيحة أو خرافة)، كان يُتَّهم بالكسل وعدم الجدية، ومع ذلك فبعد عمر الخمسين نشرَ كتابَه أصل الأنواع الذي أحدثَ ضجة ظل صداها مدويًا لأكثر من مائة عام.
- عباس محمود العقاد: بدأ متأخرًا حقًا، فهو لم يحصل حتى على الشهادة الابتدائية، ولكن قطارَ التعليم لم يفته مع ذلك، بل أصبحَ واحدًا من أساطين الأدب في العالم العربي.
- صاحبة سلسلة هاري بوتر: شرعَت في كتابة السلسلة وهي فوق الثلاثين.
إن تأخر البداية ليسَ عقبةً حقيقية، فربما كانَ محفزًا أقوى بكثير من البداية المبكرة. في النهاية ما زال الاختيار لنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.