نسمع كثيرًا كلمة الوعي ومصطلح بناء الوعي ودوره في خلق بيئة صحية جيدة، وإنسان واعي مدرك يقدر الأحداث والظروف المحيطة، ويتعامل معها بالطريقة الصحيحة، لكن كل هذا الكلام لا يخبرنا بمعنى الوعي وحقيقته وكيفية وجوده داخل عقل الإنسان، ولا يخبرنا كذلك عن اللاوعي المقابل الطبيعي للوعي، فتعالوا نتعرَّف سويًا على إشكالية الوعي واللاوعي.
اقرأ أيضاً تعريف "التفكير".. أساليبه وخصائصه ومعوقاته
ما هو الوعي واللاوعي؟
بدأت دراسة الوعي وتعريفه في بداية القرن الثامن عشر على يد الفيلسوف الألماني فريدريش وليهام، وعرَّفه بأنه الإدراك للذات عن طريق الحواس الخمسة.
وقد صنف العلماء الوعي إلى عدَّة أنواع منها الوعي التلقائي أو البديهي الذي لا يحتاج لمجهود من التفكير، والوعي الاجتماعي، والوعي السياسي، وهذه الأنواع في الحقيقة مرتبطة بالمعرفة وكم المعرفة التي يتحصل عليها الفرد وقدرته على التحليل والفهم والاستنباط.
أما اللاوعي أو العقل الباطن فإن أشهر من تحدَّث عنه هو عالم النفس الشهير سيجموند فرويد، والذي فسر اللاوعي بأنه ذلك العقل الذي يتحكم في سلوكنا ورغباتنا ومشاعرنا ويعبر عنها بطريقة تلقائية، وقال أيضا أن الإنسان مثل جبل الجليد الجزء الخفي منه أكبر من الجزء الظاهر، وأن اللاوعي أو العقل الباطن هو المحرك الرئيسي لأفعالنا.
والحقيقة أن اللاوعي أو العقل الباطن له تأثير كبير في أفعالنا وتصرفاتنا دون أن نعرف ذلك.
أحيانا يمدّنا بتحذيرات وأفكار مفاجئة تكون صحيحة في بعض الأحيان وخاطئة في أحيان أخرى وهو ما يعرف بالحدس فقد يصدق الحدس أو لا يصدق.
فالوعي يفكر واللاوعي يشعر "وفي حالة إلغاء الوعي فإن الإنسان يشعر فقط مثل النائم فإنه يشعر لكنه غير واع".
أحيانًا يشعر شخص ما بانقباض من مكان ما أو راحة لمكان ما، وعندما تسأله لا يجد سببًا واضحًا لهذا.
فيقول لك لا أشعر بارتياح لهذا المكان، فهذا عمل اللاوعي وقد يكون هذا الشعور أو الحدس إنذار خاطئ ويضيع عليه أشياء ثمينة إذا تمادى فيه ولم يقبض على السبب الذي ولد لديه هذا الشعور في منطقة اللاوعي.
ولهذا فإن أحد أساليب العلاج النفسي هو سرد الأحداث لمحاولة أن يضع الطبيب يده على سبب العقدة الكامنة في اللاوعي، أو بمعنى آخر يقبض على هذا الشعور المعقد في منطقة اللاوعي، فإذا عرف السبب انحل جزء كبير من العقدة وعرف طريق العلاج.
يستمد اللاوعي أو العقل الباطن قوته من المشاعر، وهي أهم أسباب قوته ومن الذكريات والخبرات التي تمر بالإنسان وتصبح في طي النسيان، فالخبرات والذكريات بعد مرورها تنتقل من الوعي والإدراك إلى منطقة اللاوعي والعقل الباطن.
وتظل موجودة داخل الإنسان تظهر من تلقاء نفسها عندما يتم استثارتها بأحداث مشابهة لها وتولد نفس المشاعر التي مر بها الإنسان من حزن، وفرح، ورعب، وهلع، واطمئنان، واشمئزاز، وغيرها من المشاعر المرتبطة بتلك الذكريات.
أحيانًا يحدث موقف للإنسان لا يستوعبه في حينه تمامًا وبعد فترة يكتشف أنه كان هناك شيء له دلالة معينة لم ينتبه له في ساعتها، ونعبر عنها دائمًا عندما نقول باللغة الدارجة (لم آخذ بالي) لم أنتبه جيدًا لما كان يدبره هذا الشخص ولما كان يفعله لقد كنت مسلوب العقل فالبال هنا أو العقل هو الوعي.
وهو الذي نعتمد عليه في تصرفاتنا وسلوكنا، واللاوعي لا يعمل إلا في غياب الوعي.
اقرأ أيضاً 5 خطوات لا تفوتك لتعلم التفكير الصحيح
ما العلاقة بين الوعي واللاوعي؟
والعلاقة بين الوعي واللاوعي علاقة عكسية، فإذا زادت قوة الوعي ضعفت قلة اللاوعي وإذا ضعفت قوة الوعي زادت قوة اللاوعي.
والوعي يعمل على الأفكار والمعلومات الصحيحة ويحاول من خلاله الإنسان أن يصل إلى نتائج جيدة لصالحه وصالح حياته، بينما اللاوعي يعمل على الرغبات والأحاسيس والمشاعر بغض النظر عن كونها ملائمة أم لا "لهذا تقع جميع أخطاء الإنسان عند غياب الوعي".
فقد يقع في حبّ شخص سيء لمجرد أنه يشبع لديه رغبة معينة وقد يرسب في سنوات الدراسة لأنه لم يكن واعيًا لهدفه ومصلحته مشغولاً عنها برغبة اللعب أو قضاء وقت ممتع.
وكذلك فإن جميع أحلامنا في النوم تأتي من منطقة اللاوعي والرغبات المختزنة فيها.
إذا كنت ترى مشهدًا أمامك، في هذا المشهد أشياء كثيرة يستوعبها العقل الواعي، لكن هناك أشياء صغيرة لا يستوعبها يراها بعين اللاوعي أو باللغة الدارجة لا يأخذ باله منها مثلما يحدث في اختبار قوة الملاحظة وقوة التركيز، وهي تلك الأشياء التي تدخل إلى اللاوعي وهي التي من المحتمل بنسبة كبيرة أن تراها في الحلم، "فالإنسان يرى في الحلم ما يراه عقله الباطن.
وفي حالة النوم يغيب الوعي ويكون الإنسان في حالة لا وعي لهذا تظهر الأحلام والكوابيس من عقله الباطن أو منطقة اللاوعي وهي مشاعر بلا عقل ولا منطق.
والوعي قد يكون ضعيفًا لدى البعض، وذلك يظهر في عدم التركيز والانتباه وعدم رؤية الأشياء بوضوح وهنا يفسح الإنسان المجال للاوعي والمشاعر فقط دون التفكير والتحليل، فيكون بذلك سهل الانقياد وراء عواطفه ومشاعره تحت تأثير شخصية مؤثرة، مثلاً تتكلم بكلام معين يخاطب الشعور ولا يخاطب العقل، وهذا ما يفعله في الحقيقة كل المخادعون وهو العمل على اللاوعي في حالة غياب الوعي، بل ويعملون على تغييب الوعي أو تحييده وإلهاءه أحيانًا.
مثل اللص الذي يفتعل مشاجرة مع زميل له ليشغل الناس بالمشاجرة حتى يسرق دون أن يلاحظه أحد.
فالوعي هو الحفظ الجيّد للأشياء والانتباه والإدراك الكلي للأبعاد المادية والحسية لما يحدث حولنا وما نمر به من نشاط، وخبرات، وتعاملات، والتذكر، والضمير؛ فالضمير جزء من الوعي فالواعي حافظ "يقظ" متذكر لديه ضمير يُملي عليه الفعل أو عدم الفعل، أما اللاواعي فهو لاهٍ غير يقظ لا يفكر وليس له ضمير، لذا فعندما يخرج الإنسان عن وعيه من الممكن أن يرتكب أي فعل وأي جريمة".
كما يحدث عند الغضب فإن الإنسان في حالة الغضب يفقد وعيه ويصبح غير مسيطر على نفسه ولسانه، وجوارحه تتحكم فيه مشاعر الغضب.
والوعي مرتبط أيضًا بالحالة النفسية للفرد فكلما كان الماء صافيًا نقيًا استطعت أن ترى من خلاله جيدًا، كذلك الإنسان كلما كان طاهرًا نقيًا صافيًا استطاع أن يرى نفسه والأشياء من حوله جيدًا بوضوح وجلاء.
وأصبح أكثر وعيًا؛ فالعادات السيئة والآثام تصنع غشاوة على العقل وتغيب الوعي وتفقد البصيرة، فيتخبط الإنسان مثل الأعمى الذي لا يبصر الطريق ويحتاج لمن يقوده يبصر، ولكنه لا يرى يسمع، ولكنه لا يعي يعيش في وهم الأحاسيس والمشاعر، فتكون حياته سلسلة من المتاعب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.