مرّ وقتٌ طويلٌ على قراءتي لكتاب "شمس العرب تشرق على الغرب" للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، إلاّ أنّه وأثناء اطلاعي على مجموعة الكتب الموجودة لدي، استوقفني عنوان الكتاب مجدداً، فكّرت في العنوان كثيراً، وجال في خاطري العديد من التساؤلات.
هل كنّا فعلاً في يومٍ من الأيام شمساً ساطعةً بنور العلوم والمعارف التي أنارت درب الإنسانية؟ أقولها وكلي أسًى على واقعنا الحالي، نعم سبعمئة وخمسين عاماً ونحن نحمل مشعل الحضارة الإنسانية، تجاوزنا فيها حضارة الإغريق واليونان علماً ومعرفةً وحضارة ينهل منها القاصي والداني، ويأخذ منها ما يشاء.
لقد بقيت أعمال ابن سينا المرجع الأساس للجيولوجية الأوروبية حتى القرن الثامن عشر، كما ظلت خريطة الإدريسي تساعد الأوروبيين في بحوثهم الجغرافية طيلة ثلاثة قرون. تقول زيغريد في مقدمة كتابها: "ثمّة شعوبٌ أخرى، وأطرافٌ من الأرض لها شأنٌ عظيمٌ في التاريخ، بل وفي تاريخنا الغربي خاصة.
فذلك أمرٌ لم يعد بالإمكان تجاهله في حاضرٍ قد طاول النجوم عظمةً، لأجل ذلك يُخيَّل إليّ أنّ الوقت قد حان للتحدث عن شعبٍ قد أثّر بقوةٍ على مجرى الأحداث العالمية، ويدين له الغرب، كما تدين له الإنسانية كافةً بالشيء الكثير".
ستجد أيضاً على منصة جوك قصيدة "أنا اليمن"
قصة وعبرة
معظمنا اطلع على رسالة الشاب الفرنسي الذي كان مريضاً في إحدى مستشفيات الأندلس حيث كتب لوالده المقيم في باريس رسالةً يصف فيها أقسام المستشفى التخصصي الذي يتطبب فيه، ويتحدث عن الرفاهية والتقدم الموجودين، لقد خُيّل لي وأثناء قراءتي لهذه الرسالة، وكأني أقرأ وصفاً لأحد مستشفيات الغرب الحديثة في الوقت الراهن.حتى إنّ المؤرّخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب قال: "تمنيت لو أن المسلمين استولوا على فرنسا، لتغدو فرنسا مثل قرطبة في إسبانيا المسلمة". لماذا تحول الحال وأصبحنا في القاع، لماذا أفلت شمسنا التي أشرقت على العالم يوماً من الأيام؟ لقد أفلت شمس الحضارة العربية مع إحراق آخر كتابٍ لابن رشد.
وبدأ ربيع الغرب مع وصول أمهات كتب العرب إليهم لتبدأ معه مسيرة الحضارة الغربية المستمرة حتى يومنا هذا، والتي نتكئ عليها في كلّ شيء، لقد فقدنا الثقة في أنفسنا وفي قدرتنا على مجاراتهم. توالت النكبات على العالم العربي واحدةً تلو الأخرى، وكل محاولةٍ للنهوض كانت تبوء بالفشل، ولم تكن سوى محاولات فردية تجسدت في محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني، هم لم يقصروا، ولكن الواقع الاستعماري المفروض على بلادنا في تلك الحقبة أفشلت كل محاولات النهضة الثانية.
إنّ أهم أسباب أفول شمس الحضارة العربية والتي حملنا مشاعلها لأكثر من سبعة قرونٍ هو أننا فشلنا في تحويل أفكار أعلام الحضارة إلى فكر مؤسساتي ومؤسسات، فكلنا يعلم الحادثة الشهيرة عندما كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يتجول في شوارع المدينة فرأى رجلاً أعمى وكان يهودياً يمد يده طالباً العون والمساعدة من الناس، فقال له: "ما أخذنا الجزية منك شاباً لنتركك وأنت أعمى"، لو فسّرنا هذا القول وأسقطناه على الواقع الحالي الذي نعيشه لوجدنا أنّ عمر بن الخطاب كان يطبق قانون الضمان الاجتماعي الموجود حالياً والذي يُعمل به في دول الغرب الحضارية.
وعند تأملنا رسالة الشاب الفرنسي الذي يصف إحدى مستشفيات الأندلس لوجدناه مماثلاً تماماً لقانون الرعاية الطبية المطبق في عصرنا الحالي. روت صفحات التاريخ لنا كثيراً من الأمور الحضارية، فمثلاً ديوان الأواني المكسورة، والتي ذكرها ابن بطوطة في رحلاته حيث روى تجربة شخصية فقال: "كنت في دمشق فرأيت به مملوكاً صغيراً قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصَّحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس فقال له بعضهم: اجمع شقفها (أي القطع المكسورة)، واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني فجمعها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن".
هذا الديوان الحضاري الإنساني الذي يحافظ على قيمة الإنسان، فهدف هذا الديوان ألا يتعرض هذا الخادم أو الشخص الحامل للأواني للإهانة أو التأنيب، أضف إلى الجانب الصناعي الذي نسميه حديثاً بما يدعى بتدوير النفايات. لم يكن هذا الديوان الوحيد فقط.
بل تجاوز الأمر ليكون هناك ديواناً للكلاب والقطط الضالة والحيوانات الأخرى، وما أشبهها اليوم بجمعية رعاية الحيوان. بالعودة لسؤالنا السابق وبعد ما ذكرناه من جوانب حضارية أصبح بإمكاننا معرفة سبب تخلفنا وما وصلنا إليه في وقتنا الراهن. والآن ما هو الحل لكي نخرج من مستنقعنا هذا؟ لكي نخرج من هذا المستنقع الآسن علينا الاستفادة من تجربة الأجداد الحضارية، والاستفادة أيضاً من تجربة الغرب المتقدم، جميعهم لم يبدؤوا من الفراغ، فلو عدنا لوجدنا أن.
ستجد أيضاً على منصة جوك الخط العربي والعصر الحديث
خطوات التقدم الحضاري
- القراءة والبحث، نعم القراءة والاطلاع على العلوم الحديثة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والصناعية، لقد قرأ الأجداد كتب الإغريق واليونان، واطلعوا على فلسفات القدماء لم يدخروا جهداً في هذا، وكذلك بدأ الغرب بقراءة أمهات الكتب لدى العرب.
- لا تستند إلى الموروث فقط من عادات وتقاليد، استأنس بها، ولكن فكّر خارج الصندوق، فالسقف المعرفي الآن أعلى بكثير من السقف المعرفي لعصرهم، وما فسروه في عصرهم قد يكون مخالفاً تماماً لعصرنا الحالي.
- ابدأ بنفسك، لا تنتظر من الآخرين أن يأخذوا بيدك، ابدأ أنت من نفسك وعمم التجربة على عائلتك وأقربائك ثم وسع الدائرة شيئاً فشيئاً، فمثلاً فرز قمامة بيتك لا يتطلب أن يدلك عليها أحد، وكذلك رمي الأوساخ في الشارع، وحتى عاداتك المنزلية السيئة أو تلك التي تحتاج إلى تغيير ابدأها أنت، وكن القدوة.
- لا تيأس، واعلم أنّ كل تغيير صعب، وكل جديد لن يتم تقبله بسهولة؛ لذلك لا تيأس مهما كان الأمر ومهما كانت النتائج، فمسيرة العظماء لم تكن يوماً مفروشة بالورود، وكتب التاريخ زاخرة بأولئك الذين فقدوا حياتهم من أجل كلمة حق آمنوا بها.
هل من الممكن أن تشرق شمس العرب من جديد؟
نعم يمكن أن تشرق وكلي ثقة بذلك، ومسيرة التاريخ والحضارة منذ بدء الخليقة إلى اليوم تخبرنا أن كل انحدار يليه بزوغ حضاري جديد، ولكن يتطلب الأمر إيماناً بأنفسنا وقدرة على تغيير سلوكياتنا وأفكارنا. واعلم أن الله مع الذين يعملون والمنتجين والمكافحين في هذا العالم، حتى أنبياؤه أخذوا بالأسباب ولم يجلسوا في بيوتهم يدعون ويصلون فقط، بل عملوا حاملين معهم الخير والتغيير لهذه البشرية.ستجد أيضاً على منصة جوك العدو و العدوى..صناعة الحكومات
المصادر
- شمس العرب تشرق على الغرب - زيغريد هونكه
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.