وليام ويويل: الفيلسوف الذي اخترع أشهر المصطلحات العلمية الكبرى

نادرًا ما نجد في تاريخ الفكر الإنساني شخصية جمعت بين دقة الرياضيات، وخيال الشعر، وعمق الفلسفة، مثلما فعل وليام ويويل. هذا العالم الإنجليزي الموسوعي كان مهندسًا للغة العلمية التي نتحدث بها اليوم؛ فهو الرجل الذي منح المشتغلين بالعلوم لقبهم الفخور عالم، وهو الذي نحت مفردات الفيزياء والكيمياء لتبقى خالدة في معاملنا.

في هذا المقال، نبحر في سيرة ويويل المليئة بالإنجازات؛ من دراساته المبتكرة حول حركة المد والجزر، إلى مؤلفاته الضخمة التي أرخت للعلم وفلسفته الاستقرائية.

من هو وليام ويويل؟

وليام ويويل هو عالم إنجليزي وباحث في علم المناهج العلمية، وُلد في لانكستر سنة 1794م وتُوفي في سنة 1866م.

من هو وليام ويويل؟

درس بجامعة كامبريديج وحقق تميزًا في دراسة علم الرياضيات، إلى جانب نظم الشعر، حيث نال الميدالية الذهبية للشعر عام 1814، وحقق مرتبة أكاديمية رفيعة في الرياضيات (Second Wrangler) عام 1816، وقد نشر أبحاثًا عدة في الميكانيكا والفيزياء وعلوم الفلك والجيولوجيا.

كان أبوه نجارًا ماهرًا وأراد أن يمتهن ابنه المهنة نفسها، لكن تفوق ويليام في الرياضيات أهّله للحصول على منحة دراسية.

شغل ويويل مناصب أكاديمية مهمة، فكان أستاذًا لعلم المعادن بين عامي (1828-1832)، ثم أستاذًا للفلسفة الأخلاقية (1838-1855). بلغت مسيرته الإدارية ذروتها بتعيينه مديرًا (Master) لكلية ترينيتي عام 1841، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى وفاته عام 1866.

خلال إدارته، أحدث تغييرات جوهرية في مناهج كامبريدج، حيث دفع باتجاه إدراج الفيزياء والعلوم الطبيعية ضمن الدراسات الأساسية.

اتسمت اهتمامات ويول باتساع مذهل؛ فقد نشر أبحاثًا في الميكانيكا، والجيولوجيا، والفلك، والاقتصاد. من أبرز إنجازاته الميدانية دراساته المكثفة حول حركة المد والجزر، حيث نظم شبكة دولية من المتطوعين لمراقبة المحيطات، مما مكنه من رسم خرائط دقيقة لخطوط "المد المتزامن" (Cotidal lines). وقد نال عن هذا العمل الميداني المبتكر، الذي يُعد من أوائل مشروعات "العلم التشاركي"، الميدالية الملكية من الجمعية الملكية عام 1837.

مؤلفات وليام ويول العلمية

في عام 1837م أصدر كتابه  «تاريخ العلوم الاستقرائية منذ البداية حتى العصر الراهن» ناقش فيها ازدهار العلم في أزمنة معينة ونهوضه كل مرة في فترات أسماها ب «الفترات الاستقرائية»، بينما الفترات التي تفصل بين كل فترة نهوض أسماها فترات الجمود.

وفي عام 1840م أصدر كتابه الثاني بعنوان «فلسفة العلوم الاستقرائية المؤسسة على تاريخها» والذي يقترن فيه تاريخ العلم بالفترات الاستقرائية التي أقرها في كتابه الأول ما يجعل الكتابين مكملين لبعضهما.

ألَّف في العلوم: (ميكانيكا إقليدس)، و(الفلك والفيزياء العامة)، وألَّف أيضًا في الفلسفة الخلقية (عناصر الأخلاقية، بما فيها الأدب) في مجلدين، لندن 1845م، و(محاضرات في تاريخ الفلسفة الخلقية في إنجلترا)، لندن سنة 1852م، وكتب في التربية: (مبادئ في التعليم الجامعي الإنجليزي)، لندن 1837م، و(التعليم الحر) لندن، سنة 1845م.

لكن أهم مؤلفاته وأضخمها حجمًا كتابه (تاريخ العلوم الاستقرائية: من أقدم الأزمنة حتى الزمان الحاضر)، ويقع في 3 مجلدات، لندن سنة 1837م، ويتلوه (فلسفة العلوم الاستقرائية)، لندن سنة 1840م.

نظرية الاستقراء من وجهة نظر وليام ويلي

اهتم ويلي بوضع نظرية في الاستقراء مستمدة من تاريخ العلوم التي اتفق العلماء على وصفها بالاستقرائية.

فانتهى إلى أن تاريخ الاستقراء يدل على أن الاستقراء الذي يقوم به العالم ليس برهانًا يصدق بقوة صورته  (Viformaa)بل هو طريقة أخرى للوصول إلى الحقيقة: إنه مسلك مغامر يتخذه العقل، وفيه يصنع صنيع من يحاول حل لغز، فيجرب ويحاول عدة فروض، إلى أن يقع بحدس صائب (happy Guess) على الفكرة الصائبة.

فليست المسألة إذن مسألة ما الشروط التي بها يكون هذا المسلك صحيحًا -وهو لا يمكن أن يكون صحيحًا أبدًا- بل فقط ما إذا كانت النتيجة سليمة. والعناية والتدقيق إنما يتعلقان بالرقابة التجريبية على القضية الاستقرائية، لا بصياغتها؛ ما يسمح للخيال بمجال واسع.

ولا فائدة من وضع (منطق استقرائي) مناظر ومماثل (للمنطق الاستنباطي)، وصياغة قواعد (Canons) للاستقراء مناظرة لقواعد القياس. وواضح من هذا أنه يهاجم فكرة جون استيوارت ميل للاستقراء.

ويرى وليام ويويل من ناحية أخرى أن الاستقراء لا يقوم في تعميم الوقائع الملاحظة، بل يقوم في الربط بينها برباط عقلي من تصور جديد.

والعثور على هذا التصور الجديد يحتاج إلى مبادرة عبقرية، أما التعميم فيأتي بعد ذلك، والكشف الحاسم هو صُنع الفكرة. ومتى علمتنا هذه الفكرة كيف تقرأ التجربة، فإنها تندرج في التجربة. إن الحقائق نفسها قد تكونت بواسطة الأفكار، وما نعده حقائق أو وقائع (Facts) اليوم كان مفروضًا بالأمس؛ إن وقائعنا ما هي إلا نظريات قد تحققت.

ما الذي اخترعه ويليام ويول؟

رغم كونه عالمًا موسوعيًا، فإن أعظم اختراعاته لم تكن آلات ميكانيكية بقدر ما كانت «اختراعات لغوية» ومصطلحات علمية أعادت تشكيل طريقة تفكيرنا في العلوم، ومن أبرز ما قدمه:

1. اختراع مصطلح «عالم» (Scientist)

قبل عام 1833، لم يكن يطلق على المشتغلين بالعلوم لقب «علماء»، بل كانوا يُعرفون باسم «فلاسفة الطبيعة». ويول هو من نحت مصطلح Scientist (عالم) ليصف به أولئك الذين يجرون تجارب ومنهجيات علمية منظمة، وذلك خلال اجتماع للجمعية البريطانية لتقدم العلوم.

ما الذي اخترعه ويليام ويول؟

كما استحدث كلمة فيزيائي «Physicist» للعاملين بالفيزياء ولم يكن هذا المصطلح موجودًا من قبل.

2. ابتكار مصطلحات كيميائية وفيزيائية

بالتعاون مع العالم الشهير مايكل فاراداي، ساهم ويول في وضع الأسس اللغوية لعلم الكهرباء والكيمياء الكهربائية، حيث اخترع المصطلحات التالية التي لا تزال تُستخدم حتى يومنا هذا:

  • الأنود (Anode) والكاثود (Cathode).
  • الأيون (Ion).
  • الإلكترود (Electrode).
  • العازل (Dielectric).

3. اختراع «مقياس الرياح» (Anemometer)

على الجانب الميكانيكي، اخترع ويول جهازًا لقياس سرعة الرياح واتجاهها يُعرف بـ Whewell's Anemometer في عام 1835. كان هذا الجهاز يسجل قوة الرياح على مدار الوقت، مما ساهم بشكل كبير في تطوير علم الأرصاد الجوية في ذلك العصر.

4. تطوير مصطلحات الجيولوجيا وعلم النفس

لم تقتصر مساهماته على الفيزياء؛ بل ابتكر مصطلح Catastrophism (كارثية) في علم الجيولوجيا، كما يُنسب إليه صياغة مصطلحات تقنية أخرى في علوم النبات والمعادن لتسهيل تصنيف المعرفة العلمية. 

حياته الخاصة ووفاته

تزوج ويول مرتين؛ الأولى من «كورديليا مارشال» عام 1841، وبعد وفاتها تزوج من «إيفيرينا فرانسيس» عام 1858. لم يرزق ويول بأطفال من أي من الزيجتين. في عام 1866، تعرض ويول لحادث سقوط أليم من فوق حصانه أدى إلى وفاته عن عمر يناهز 71 عامًا. دُفن في كنيسة كلية ترينيتي بكامبريدج، تاركًا وراءه إرثًا علميًا وفلسفيًا لا يزال يدرس حتى اليوم.

يظل وليام ويويل رمزًا للمثقف الموسوعي الذي لا يعترف بالحدود بين التخصصات؛ فقد أثبت بمسيرته أن العلم ليس مجرد تجميع للحقائق، بل هو بناء فكري متماسك يشيده الخيال ويضبطه التجريب.

إن إرث ويويل لا يتجسد فقط في كتبه الثلاثة عن تاريخ وفلسفة العلوم الاستقرائية، بل في كل مرة ننطق فيها مصطلحًا علميًا صاغه ببراعة، أو نتبع فيها منهجًا بحثيًا يقدّر قيمة المبادرة العبقرية والحدس الصائب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.