وفاة محب


أصبحتُ امرأة عجوزة تبلغ من العمر 64 سنة، لابن اسمه سليم، أنا من اختار له هذا الاسم الجميل فهو مناسب جدًا لابني، عندما أنجبته قال لي زوجي لنختار لمولودنا الأوّل اسمًا، فقلت بخفة سليم مناسب، نظر اليّ بنظرة تعجّب وتساؤل لماذا سليم بالضبط؟ سكتَ قليلًا ثمّ قال لم يعجبني لنسميه محمد سيكون أفضل.

تشاجرنا على اسم مولودنا الأوّل وفي الأخير قرّرنا تسميته الاسمين معًا وكل منا سيناديه بالاسم الذي يحبّ اسم ابني محمد سليم، بدأ يترعرع بيننا وقد أدخل البهجة والسرور علينا، يا له من طفل بريء كنّا نهتم به كثيرًا نسهر على بكائه ومرضه، كبر بين أحضاننا مشبعًا بالحبّ والحنان ثمّ أتت بعده أخته سليمة فرحنا بمجيئها، ستكون سند أخيها وسيكبران معنا ويؤنسان وحدتهما.

كبرت سليمة في أجواء الحبّ والحنان والعطف مثلما كبر أخوها، حيث بدأت تصرّفات محمد سليم بالتغيّر تدريجيًا، لاحظنا هذا عليه ولم نعلم ما سبب التغيّر المفاجئ على تصرّفاته، فقرّرنا حينها الذّهاب عند طبيب نفسانيّ للصغار، شخّصت الدكتورة حالته فأخبرتنا أن وجود سليمة أثّر عليه وهو يغار منها، قدّمت لنا بعض النصائح نتبعها ليعود إلى طبيعته.

حقًا ما قالته الدكتورة أفادنا كثيرًا وعلمنا أن الخطأ صادر منّا، فقد كنّا نهتم بسليمة كثيرًا ولا نبالي بالصغير. وبعد سنين كبر الاثنان في سعادة وطمأنينة كان عمر محمد سليم 29 سنة تخرّج طبيبًا وفتح عيادة بالشقة التي اشتريتها له عند تخرّجه، ولسليمة 24 سنة كانت حينها حاصلة على الماجيستر في التسيير والتدبير المقولاتي وتعمل في شركة، تزوجت شابًا فقيرًا محبوبًا وخلوقًا، تولدت بينهما قصّة عشق عرفها الجميع، انجبت توأمين، أصبح لدينا حفيدين، صرت جدة وزوجي صار جدًا يا لحظنا، قدّمت استقالتها من العمل لتتفرّغ لتربية ولديها، لم أقبل بذلك في البداية أخبرتها أني سأقوم بالاهتمام بهما لكنها أصرت.

وكم كنت أنوي تزويج ابني محمد سليم ومشتاقة لرؤية أبنائه لنجلس أنا وزوجي في انتظار المنية، كنت أحيانًا أسأله هل توجد فتاة بحياتك فكان يجيب نعم يا أمي نعم، فأفرح وأجلس بانتظاره ليأتي اليّ يومًا ويصحبني أنا وأبوه إلى فتاته لنطلب يدها، لكنه أطال كثيرًا ولم يأتِ، ثم ذهبت إليه وأخبرته، إن كنت حقًا تحبّ فتاتك فهيّا لنطلب يدها طأطأ رأسه ثمّ وافق، هيا يا أمي لنذهب الآن كانت فرحتي لا توصف فقال اسمها فاطمة جميلة جدًا يا أمي أعشقها يا أمي...

وبدأت الدّموع بالتهاطل على خديه، لكن لم أكن أبالي اعتقدت أنها دموع الفرح فقلت له، قريبًا سيجمع الله بينكما فلا تبكي يا ابني، ارتديت أجمل ما عندي من ملابس وأيضًا ارتدى قميصا جميلًا، اشترينا الورود في طريقنا إليها، فجأة توقفت السيارة أمام مقبرة ونزلنا نظرت إلى زوجي نظرة تعجّب وتساؤل، مسك بيدينا نحو المقبرة فهمنا أن محبوبته توفيت وأخذنا إلى قبرها، فقال يا فاطمة أمي وأبي هنا ليطلبا يدك لي هل توافقين، لم أستطع التّوقف عن البكاء، عدنا إلى المنزل وأنا أشفق على ابني كيف استطاع الحبّ أن يفعل به هكذا، ابني الوحيد مرّت سنة كاملة ولم يستطع نسيانها كان يجلس وحيدًا بغرفته، وكنّا لا نستطيع الحديث معه، يتحدّث إلى صورة فاطمة وفي صباح يوم الجمعة توفي ابني محمد سليم العاشق الولهان، مات ورحل ولم يعُد لي ابن جميل، كتب قبل وفاته في مذكرته الخاصّة وكانت تلك هي آخر صفحة يدون فيها ضعوا قبري جانب قبر فاطمة وكان له ما أراد، أحيانًا ألوم نفسي على قولي له سيجمع الله بينكما قريبًا فمن يدري أنّها دعوة مستجابة.

بقلم الكاتب


chamaarchid من مواليد 1997


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

قصة جميلة جدا و معبرة

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا جزيلا لك
يسعدني انها اعجبتك، واسعدني جدا مرورك الطيب

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jan 20, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jan 20, 2022 - أحمد أبوزيد
Jan 19, 2022 - زينة عبد الله
Jan 18, 2022 - شامة ارشيد
Jan 16, 2022 - عوض شرار
Jan 16, 2022 - زينة عبد الله
نبذة عن الكاتب

chamaarchid من مواليد 1997