غيب الموت عن عالمنا، يوم الأحد 30 أغسطس 2026، الفنان القدير محمد التاجي عن عمر ناهز 72 عامًا، بعد صراع مرير مع المرض وسلسلة من الأزمات الصحية المتعاقبة.
وأكد الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، نبأ الوفاة رسميًّا، مشيرًا إلى أن تشييع الجثمان سيكون ظهر غدٍ الاثنين من مسجد الشرطة بصلاح سالم في العاصمة القاهرة.
بوفاة التاجي، تفقد الساحة الفنية المصرية فصلًا أصيلًا ربط بين جيل الرواد والدراما المعاصرة، تاركًا وراءه إرثًا إبداعيًّا غنيًّا يوثق قدرته الفائقة على أداء مختلف الأدوار الاجتماعية والكوميدية بأسلوب السهل الممتنع.
نشأة محمد التاجي في محراب الفن ووصية الجد الأكبر
ولد الراحل محمد التاجي في القاهرة في 28 إبريل 1954، ونشأ في عائلة فنية عريقة، فهو حفيد الفنان الكبير الراحل عبد الوارث عسر.
عاش التاجي سنوات تكوينه قريبًا من جده، فكان يرافقه إلى مواقع التصوير ويقرأ له السيناريوهات بعد أن ضعف بصره، ليتشرب أصول الفن والتمثيل منذ صغره.
وعلى الرغم من هذا القرب، فإن جده لم يشجعه يومًا على دخول مجال التمثيل خوفًا عليه من قسوة هذا المجال، وأوصاه بألا يستغل صلة القرابة بينهما للحصول على أي فرصة فنية، وهي الوصية التي التزم بها التاجي طوال مسيرته.
وعلى الرغم من دراسته في كلية الحقوق بجامعة عين شمس؛ فإن نداء المسرح كان أقوى؛ فانطلق من المسرح الجامعي ليلفت الأنظار، ثم انتقل للاحتراف عبر مسرح الطليعة.
وجاءت بدايته القوية عام 1976 عندما وقف بجانب عمالقة الكوميديا سمير غانم وجورج سيدهم في المسرحية الأيقونية الشهيرة (المتزوجون)، بالتزامن مع ظهوره التلفزيوني الأول في مسلسل (الهاربان).

مسيرة حافلة وروائع خلدت اسمه
شهدت مسيرته الفنية محطات فارقة، كان أبرزها مسلسل (البشاير)، فجسد فيه شخصية (رشاد الفوال) ببراعة لافتة جعلت اسمه يحفر في وجدان الجمهور. وتوالت بعد ذلك إبداعاته المتنوعة، ومن أبرزها:
- في الدراما التلفزيونية: (بوابة الحلواني)، (حدائق الشيطان)، (الزيني بركات)، (لا)، (يونس ولد فضة)، (ملوك الجدعنة)، (الأجهر) و(لعبة نيوتن).
- في السينما: ترك بصمات مميزة في أفلام كلاسيكية وعصرية مثل (المطارد)، (الراقصة والسياسي)، (سواق الهانم)، (عفريت النهار)، (الجزيرة 2). وكان مسك ختام عطائه الفني ظهوره الأخير في موسم رمضان الماضي عام 2026 في مسلسل (بابا وماما جيران).

مبادئ إنسانية ومواقف شجاعة
لم تكن مسيرة محمد التاجي أدوارًا يؤديها، بل كانت أثرًا لمبادئ وقيم إنسانية راسخة، فقد اتخذ موقفًا جريئًا بالاعتذار عن المشاركة في فيلم (عمارة يعقوبيان)؛ مبررًا ذلك بأنه أب لبنات ولا يستطيع تقديم المشاهد التي عُرضت عليه، مفضلًا حماية صورته الأسرية وقيمه على حساب الحضور السينمائي.
وعُرف بشجاعته وصراحته في إبداء آرائه، وهو ما تجسد في انتقاده الفنان محمد رمضان عندما قام الأخير بإلقاء الأموال في الهواء، ما أدى إلى سجال إعلامي رد فيه رمضان بعبارة (أنا بفلوسي هشتري التاريخ)، قبل أن يحذفها لاحقًا استجابة للغضب الجماهيري الواسع.
الفصل الأخير من الألم والرحيل الهادئ
شهدت السنتان الأخيرتان من حياة الراحل معارك صحية متتالية ومتعاقبة؛ ففي أغسطس 2024 عانى من أزمة (رفرفة في القلب) ووجه حينها رسالة مؤثرة للجمهور يحذر فيها من خطورة تأثير الحزن والزعل. وفي إبريل 2026 خضع لجراحة عاجلة بسبب فتق كبير.
ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى باغته ألم مبرح في الفقرات القطنية، استدعى خضوعه لجراحة دقيقة ومعقدة في العمود الفقري استمرت 6 ساعات متواصلة مطلع أغسطس 2026.
وتسببت مضاعفات هذه العمليات الجراحية المتلاحقة في تدهور حالته حتى أسلم الروح، تاركًا فراغًا كبيرًا في الساحة الفنية، ورصيدًا ضخمًا من الاحترام والحب والتقدير في قلوب زملائه ومحبيه.
رحم الله الفنان القدير محمد التاجي وألهم أهله وجمهوره الصبر والسلوان.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.