يعد الحمل رحلة فسيولوجية فريدة تضع أجهزة الجسم كلها أمام اختبارات تحمل استثنائية، ويأتي الكبد في مقدمة هذه الأجهزة بوصفه المنظم الحيوي الذي يدير تعقيدات التحول الهرموني والتمثيلي. ورغم قدرة هذا العضو الهائل على التكيف، فإن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين التغيرات الطبيعية وبين الاضطرابات الصحية التي قد تهدد سلامة الحمل؛ لذا فإن الوعي بآليات عمل الكبد وأعراض اعتلاله يمثل الركيزة الأولى لرحلة أمومة آمنة ومستقرة.
يقوم الكبد أثناء الحمل بتنظيم الهرمونات وتنقية السموم ودعم التجلط وتوازن السكر، بينما يكشف تحليل وظائفه مبكرًا أي اضطرابات قد تهدد صحة الأم والجنين.
ما هي وظيفة الكبد أثناء الحمل؟
يعمل الكبد خلال مدة الحمل كمصنع كيميائي مزدوج الجهد لتلبية احتياجات الأم والجنين معًا؛ حيث يعالج الارتفاع الهائل في مستويات الهرمونات مثل الإستروجين والبروجسترون واستقلابها وتكسير السموم الناتجة عنها.

كما يؤدي دورًا أساسيًا في تنظيم مستويات السكر في الدم وتخزين الفيتامينات والمعادن الهامة، وإنتاج بروتينات الدم الضرورية لعملية التجلط، مما يضمن تدفق الدم بشكل سليم إلى المشيمة وتوفير التغذية الكافية للجنين.
هل يؤثر الكبد على الحامل؟
يتأثر جسم الحامل بالتغيرات التي تطرأ على الكبد، ويمكن تلخيص هذا التأثير في النقاط التالية:
- التغيرات الفسيولوجية الطبيعية: يزداد تدفق الدم في الجسم، مما يضع عبئًا إضافيًا على الكبد للقيام بعمليات التنقية والفلترة.
- تغير إنتاج الإنزيمات: قد تظهر بعض التغيرات في نتائج الفحوصات المخبرية (مثل انخفاض بروتين الألبومين) دون أن يعني ذلك وجود مرض، وهو تأثير طبيعي ناتج عن تمدد حجم الدم.
- تأثير هرموني: تؤدي زيادة الهرمونات أحيانًا إلى إبطاء حركة الصفراء داخل الكبد، مما قد يسبب شعورًا بالحكة الشديدة لدى بعض النساء.
- مخاطر صحية محتملة: في حالات نادرة، قد يرتبط اضطراب وظائف الكبد بمضاعفات مثل «تسمم الحمل» أو متلازمة «هيلب» (HELLP)، والتي تؤثر بشكل مباشر على ضغط الدم وصحة الأم.
ما فائدة تحليل وظائف الكبد للحامل؟
تكمن الأهمية القصوى لتحليل وظائف الكبد في كونه أداة استباقية للكشف المبكر عن أي اضطرابات قد لا تظهر أعراضها بوضوح في البداية، إذ يساعد هذا الفحص في التمييز بين التغيرات الجسدية الطبيعية وبين الحالات المرضية الخطيرة التي تستوجب تدخلًا طبيًا سريعًا، مثل ركود الصفراء الوراثي أو الالتهابات الفيروسية التي قد تنتقل للجنين.

كما يُعد الفحص ضروريًا لمراقبة استجابة الجسم للأدوية والمكملات الغذائية التي تتناولها الحامل، مما يضمن بيئة داخلية آمنة لاستكمال شهور الحمل بسلام وتقليل مخاطر الولادة المبكرة.
دور الكبد في الحمل الطبيعي
يمكن للكبد السليم التغلب على الضغط الإضافي الذي يفرضه الحمل على عملية التمثيل الغذائي «الأيض» بأكملها. ومن اللافت للنظر أنه، في الوقت نفسه، يظل تدفق الدم في الكبد طبيعيًا؛ وخلال المراحل المختلفة من الحمل، لا يمكن اكتشاف انحرافات كبيرة عن أنماط تدفق الدم الطبيعية في الكبد من شهر لآخر.
في المقابل، يزداد حجم الدم المتداول بمعدل ثابت يتراوح بين 30% و 50% ابتداءً من الأسبوع العاشر من الحمل فصاعدًا، مع ارتفاع حجم البلازما بدرجة أكبر من حجم خلايا الدم الحمراء.
التغيرات في البروتينات والإنزيمات
تتجلى زيادة عملية التمثيل الغذائي في الكبد بصورة أساسية من خلال تغيرات كمية ونوعية في تحول بروتين الجسم. فعلى سبيل المثال:
- الأحماض الأمينية: يزداد التخلص من الأحماض الأمينية الحرة، وخاصة المرتبطة بالببتيد، عبر البول.
- بروتين السيروم: تنخفض مستويات بروتين السيروم الكلية بمعدل 0.5 جم لكل 100 مل. كما تنخفض مستويات «الألبومين»، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الضغط الاسموزي الغروي، وبالتالي زيادة القابلية للإصابة بـ«الوذمة» «تورم السوائل».
- الإنزيمات: توجد زيادة مستمرة في مستويات «الفوسفاتاز القلوي» «Alkaline Phosphatase» خلال الحمل.
العلامات الظاهرية واضطرابات الكبد
تظهر علامات جلدية نتيجة التغيرات الوعائية الناتجة عن الغدد الصماء، مثل:
- النجمات الوعائية «Spider Nevi»: تظهر لدى حوالي 66.6% من الحوامل الأصحاء.
- الحمامى الراحية «Palmar Erythema»: «احمرار كف اليد»، وتظهر لدى 62.5% من الحوامل.
اضطرابات الكبد الخاصة بالحمل
يبدأ هذا القسم بمناقشة الركود الصفراوي داخل الكبد في أثناء الحمل «Intrahepatic Cholestasis of Pregnancy»، والذي يُعرف أيضًا بـ«حكة الحمل» أو «يرقان الحمل غير معروف السبب». ويوضح النص أن هذه الحالة كانت تُعد نادرة قديمًا، لكن الدراسات اللاحقة «مثل دراسة هاميرلي عام 1967» كشفت عن حالات أكثر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.
الركود الصفراوي داخل الكبد في أثناء الحمل «Intrahepatic Cholestasis of Pregnancy» والكبد الدهني الحاد في أثناء الحمل.
الركود الصفراوي داخل الكبد أثناء الحمل
وسنتعرف إلى المزيد عنها كالتالي:
المسببات والنشوء المرضي «Etiology and Pathogenesis»
العوامل المسببة ليست معروفة بدقة، لكن يُعتقد أن الأدوية، وأمراض القنوات الصفراوية، وأمراض الكلى، هي عوامل مهيئة. يوجد استعداد عائلي وراثي ملحوظ، ويبدو أن الحساسية الاستثنائية لإفرازات الإستروجين هي أحد الأسباب الرئيسية لهذا المرض.
الصورة السريرية «Clinical Picture»
- الحكة الشديدة «Pruritus»: هي العرض الرئيسي والمحوري للمرض.
- اليرقان «Jaundice»: يظهر عادة بعد أسبوع أو أسبوعين من بدء الحكة، ويكون يرقانًا خفيفًا في العادة.
- التوقيت: تظهر الأعراض غالبًا بين الأسبوع 28 و32 من الحمل، لكنها قد تظهر مبكرًا في الأسبوع السادس أو متأخرة حتى الأسبوع الأربعين.
- تختفي الأعراض دائمًا بعد الولادة، لكنها تميل إلى التكرار في الأحمال اللاحقة بنسبة تتراوح بين 40% و 100%.
النتائج المختبرية «Laboratory Findings»
- ارتفاع البيليروبين «غالبًا لا يتجاوز 6 مجم/100 مل».
- ارتفاع الفوسفاتاز القلوي «Alkaline Phosphatase» بمعدل مرتين إلى سبع مرات عن الطبيعي.
- ارتفاع حاد في أحماض الصفراء «Bile acids» الكلية في المصل، حتى إن مستوياتها تصل إلى 60-100 ضعف المستوى الطبيعي، وهي المسؤولة عن الحكة الشديدة.
التشخيص التفريقي والعلاج
- التشخيص: يجب تمييزه عن التهاب الكبد الفيروسي الحاد وانسداد القنوات الصفراوية خارج الكبد.
- العلاج: لا يوجد علاج محدد. تُستخدم أدوية مثل الكوليستيرامين «Cholestyramine» والفينوباربيتال لتخفيف الحكة. يجب الانتباه إلى أن الكوليستيرامين قد يؤدي إلى نقص الفيتامينات الذائبة في الدهون «مثل فيتامين K».
التوقعات المرضية «Prognosis»
يشكل المرض خطرًا على الجنين «زيادة خطر الولادة المبكرة ووفاة الجنين حول الولادة». لذا يُنصح بمراقبة المريضة أسبوعيًا وإجراء فحوصات الموجات فوق الصوتية «السونار» شهريًا، مع التفكير في تحريض الولادة عند الأسبوع 37.

الكبد الدهني الحاد أثناء الحمل «Acute Fatty Liver of Pregnancy»
وُصف لأول مرة بـ«ضمور أصفر حاد للكبد في أثناء الحمل».
المسببات: كان أحد الأسباب المطروحة قديمًا هو إعطاء مضاد «التتراسايكلين» بجرعات معينة أثناء الحمل، «وهو أمر لم يعد شائعًا الآن».
يُعد ذلك حالة خطيرة جدًا تتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا.
«الكبد الدهني الحاد في أثناء الحمل» «Acute Fatty Liver of Pregnancy» و«تسمم الحمل».
الكبد الدهني الحاد في أثناء الحمل «Idiopathic Acute Fatty Liver of Pregnancy»
الصورة السريرية «الأعراض المرضية»
تظهر هذه الحالة عادةً بين الأسبوعين 29 و40 من الحمل. تظهر على المريضات أعراض سريعة ومكثفة تشمل: ألمًا في منطقة رأس المعدة «epigastric pain»، وآلام الظهر، وفقدان الشهية، والغثيان، والقيء الذي قد يشبه «تفل القهوة». ويتطور الأمر سريعًا إلى اليرقان «الصفار»، وتسرع ضربات القلب، وفشل كلوي حاد يؤدي في النهاية إلى انقطاع البول. كما قد تحدث نوبات شديدة من نقص سكر الدم، ونزيف حاد في الجلد والأغشية المخاطية نتيجة اضطراب تجلط الدم «DIC». وغالبًا ما تنتهي الحالة بالدخول في غيبوبة وفشل كبدي وكلوي مشترك، وهو ما يؤدي عادةً إلى الوفاة.
النتائج المختبرية
يصاحب اليرقان في معظم الحالات قيم بيليروبين أقل من 15 ملجم/100 مل. وترتفع إنزيمات الكبد «SGOT, SGPT» على نحو طفيف إلى معتدل فقط. ومن العلامات المميزة انخفاض مستويات الكولينستريز والألبومين، وارتفاع حاد في مستويات اليوريا والكرياتينين نتيجة الفشل الكلوي. كما يُلاحظ ارتفاع كبير في عدد خلايا الدم البيضاء.
التشخيص التفريقي
يجب التمييز بين هذه الحالة وبين التهاب الكبد الفيروسي الحاد وتسمم الحمل «ما قبل الإرعاج والإرعاج»، ويمكن التفريق بينها من خلال العلامات السريرية والفحوصات المخبرية.
العلاج
بسبب عدم معرفة السبب الدقيق، يظل العلاج معتمدًا على الأعراض. الإجراء الأهم هو الإنهاء الفوري للحمل عن طريق تحفيز الولادة أو الجراحة القيصرية، الأمر الذي أدى إلى تحسين معدلات بقاء المواليد. لا تبدي الستيرويدات فعالية كبيرة، في حين قد يساعد غسيل الكلى في تحسين حالات الفشل الكلوي.
التوقعات المرضية «Prognosis»
حتى عام 1955، كانت نسبة الوفيات بين النساء المصابات تصل إلى 90%. أما اليوم، فقد انخفضت معدلات الوفيات إلى حوالي 45%. وبالنسبة للمواليد، فإن 88% منهم لا يبقون على قيد الحياة في حال وفاة الأم.
تسمم الحمل «Toxemia of pregnancy»
يستخدم مصطلح «القيء المفرط الحملي» لوصف الشكاوى الشديدة التي تحدث على نحو رئيسي خلال الأشهر الأولى من الحمل، والعرض الأساسي هو القيء.
في الختام، يظل الكبد هو الحارس الصامت لصحة الأم وجنينها طوال 9 أشهر من المتغيرات المتسارعة، ويبقى الالتزام بالفحوصات الدورية ومراقبة أي أعراض غير معتادة -مثل الحكة الشديدة أو آلام المعدة الحادة- طوق النجاة الذي يضمن مرور هذه المرحلة بسلام؛ فالتشخيص المبكر هو المفتاح دائمًا لمواجهة أعقد اضطرابات الكبد بكفاءة وأمان.
في حالات تسمم الحمل، يكون اليرقان نادرًا، وعادة ما يكون طفيفًا، مع ارتفاع بسيط في إنزيمات الكبد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.