وسواس الحب والسيروتونين

أحد أعراض الحب الرومانسي اللافتة للنظر هو التفكير المستمر بالمحبوب، فالمحبين لا يستطيعوا إيقاف أفكارهم المتلاحقة عنه، ويا للعجب، فهذا الجانب بمفرده قوي للغاية، لدرجة أنني استعملته كسؤال محوري للعاطفة الرومانسية، فأي شخص يذكر لي أنه يحب شخصًا آخر، أسأله مباشرة كم نسبة الساعات التي تقضيها صاحيا تفكر في هذا المحبوب؟

والعديد منهم يرد فوق 90 % والبعض الآخر يعترف بخجل أنهم لا يتوقفون أبداً عن التفكير فيها أو فيه.

إذن المحبون موسوسون ( Obsessed) والأطباء يعالجون أغلب مرضي الوسواس القهري ( وهو مرض عصابي يتميز بتكرار الأفعال أو الأفكار بشكل قهري ويفقد المريض قدرته على إيقافها رغم درايته بسخف الفكرة ) ويصفون لهم أنواع معينة من العلاجات، مثل عقاقير الفلوكسوتين والسيرترالين وهي ما يطلق عليها ( مثبطات استعادة السيروتونين ) وتعمل على استعادة مستويات هذه المادة بالمخ (1).

لهذا فأنا أعزو مثابرة المحبين، وفقدانهم للإرادة، والتفكير المتكرر بالمحبوب إلي نقص محتمل لبعض هذه المواد ( هناك أكثر من 14 نوع من السيروتونين ) (2). وهنالك بعض الدعم المنطقي لهذا الأمر، ففي عام 199 ميلادية درس العلماء بإيطاليا ستين شخصاً، عشرون رجلاً وامرأة وقعوا في الحب خلال الستة أشهر السابقة، وعشرين آخرين عانوا من اضطراب الوسواس القهري ولا يتناولوا أي عقار كعلاج له، والعشرين الآخرين كانوا أشخاصاً عاديين ولميخوضوا تجربة عاطفية في الفترة الأخيرة ( كعينة حاكمة ). وأظهرت النتائج أن المجموعتين الأولى ( التي وقعوا في الحب حديثاً ) والثانية ( المصابون بالوسواس القهري ) كان لديهما انخفاض ملحوظ في مستويات السيروتونين عن العينة الحاكمة ( مجموعة الأشخاص العاديين ). ولكن هؤلاء العلماء درسوا مستويات السيروتونين في مكونات الدم عوضا عن المخ، ولحين استدلال العلماء على تغير مستوياته في بعض مناطق المخ، لا نستطيع أن نجزم بدور السيروتونين في الحب الرومانسي. وبالرغم من هذا فإن هذه التجربة دشنت وللمرة الأولى علاقة محتملة بين الحب الرومانسي وانخفاض مستويات السيروتونين بالجسم (3).

إن كل هذه الساعات الطويلة التي تجري فيها أفكارك كالفأر في طاحون الدوس ( عجلة يجري بداخلها الفأر فتدور كلما جرى ) ربما يرافقها انخفاض مستويات السيروتونين في وصلات الدماغ الكبرى. ومع تطور علاقة الحب، فإن هذه الأفكار الوسواسية التي لا تقاوم تزداد حيث إن العلاقة بين السيروتونين من ناحية ومادتي الدوبامين والنورإبينيفرين من ناحية أخرى علاقة عكسية، فإن تصاعد مستويات الدوبامين والنورإبينيفرين لدى المحبين يعمل على هبوط مستوى السيروتونين(4)، وهو ما قد يفسر لماذا تزيد عند المحبين نشوة هذا الحب الرومانسي، وتتأجج لديهم أحلام اليقظة والخيال، والاستغراق بالتفكير وإمعان النظر، وكذلك يستحوذ هذا المحبوب علي تفكيره تماما.

· مراجع

1. . فلآمنة وآخرون 1985؛ هولاند وآخرون 1988؛ ثورين وآخرون 1980. ( Flament et al. 1985; Hollander et al. 1988; Thoren et al. 1980. )

2. H. Fisher 1998. ه فيشر 1998. ( H. Fisher 1998. )

3. . مارازيتي وآخرون 1999(Marazziti et al. 1999. )

4. لوسيان، كولينز وديبيو 1998. (Luciana, Collins, and Depue 1998. )

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب