وساوس ما قبل عامي الجديد

لأن الوساوس المزعجة تسبّب الكثير من الصّياح، ولكنّ بعض الصياح يُستحبّ كتمه، ويعارض ذلك رغبةُ الشجاعة التي قد تعترينا، أو لربّما آفة العفوية هي المحفّز المستتر تحت شعار "أريد حريتي"، أيًا يكن، وعليه فلربّما هنا المساحة المناسبة لسكب كل تلك الصيحات، فلا أحد هنا لنا، ولكنهم موجودون، وها قد نلنا الحرية في الكتابة، والشجاعة في التعبير.

منذ أيام استحوذت الوساوس المزعجة عليّ متمثلة في مشاعر مختلفة مني أو تجاهي، وكلّ هذه المشاعر خانقةٌ، نجحتُ في مواجهة بعضها، كشعور الوحدة باستنتاج ضرورة الأنس بالله، وأنس النفس بعمل جوارحها وأفكارها السليمة، وشعور الخذلان بإقرار أنّ لكلّ فردٍ طريقةً معينة في الحب، وإن لم تتّفق مع طريقتي، فعدم الاتفاق لا ينفي الحب، وما دام انتفى الإيذاء فلا وجود لخذلان، وشعور التخوف ممّا هو آتٍ بالهرب، لكنني اختُبِرت لأوّل مرة بأن يصادمني صوت يقول: "على هذا النحو البشع يراكِ مُحبّوكِ، فكيف يمكن أن تتصوري صورتكِ في نظر أعدائكِ؟"، فكانت إجابتي صمتاً طويلاً وبعض الحنق، ولم أجد أيّ تكذيب لهذا الادعاء، بل بدأتُ بنسج قصص قابلةٍ للحدوث، أسمعُ فيها صوت أحبابي يقولون بمزاح أو غضب، صورتي المُتخيَلة التي أخاف أن تكون عنواني، على الرغم من محاولاتي المتكررة في حبّ هذه الصورة، وسرد تفاصيلها، وتقبّلها كاختلاف بشريٍّ طبيعيٍّ وليست نقصًا، لكن لا جدوى.

وهنا يتجلّى شعورُ دمج كل المشاعر الخانقة التي واجهتها، ولكنه نسفَ كل دفاعاتي، تلك أزمة الثقة في المحبّين التي تتخلّلني، وغالبًا ما تعود للطفولة حينما كانت تُلبّي احتياجاتي بطريقة أخرى لا تشبعني، لكنها كلّ طاقتهم وظنهم أنه المُراد، فنتج عنها شعور أبعد من الوحدة؛ لأن الوحدة وأنا تعجُّ أوساطي بالبشر أقسى، وشعورٌ أقوى من الخذلان؛ لأنّ من خذلني هنا حاضرٌ، ذاتي مبعثرة التصرف، ومُسممة الفكر، ويزيد خذلاني وضوح مشكلتي: "الأفكار الهدامة"، لكنني لا أخطو خطوة في طريق الحل، بل أزيدها لومًا وهذه الثرثرة خير مثال.

اليوم وعلى مشارف نهاية عامٍ آخر لي، راجعتُ أرشيفي للرسائل التي تلقّيتها في مثل يوم الغد من العامين المنصرمين، والمفاجأة أنّ لا أحد وصفني ولو على سبيل المزاح بتلك الصورة مطلقًا، بل كنت على العكس تمامًا في أذهانهم؛ فهذا الصوت قال: محض خيالات مستغلًا خوفي من تلك الصورة، وبات ينفخ سُمَّه، كما أنه لا أحد وعدني بشيء حتى يظل طيف الخذلان يغتالني، وكل مرافعاتي ضد هذا الإحساس صائبة مليار بالمئة.

ولذلك لأدعسنَّ على الصوت المسموم فلا يُسمَع له أنينٌ، نعم، لم أحقّق الخلاص الكامل مع وجود تلك الآلية للتفكير مصحوبةً باعتلال الذاكرة الشعورية، و"انعدام لحظات السعادة وعدم التعافي مما فات"، نسأل الله الخلاص.

فاللهم احفظنا من شياطين الإنس والجن وخاصّة شياطين النفس، وأبعد عنّا وساوسهم، واغفر لنا ما مضى، وارزقنا الخير، والسعادة، والبركة، والرضا فيما هو آت.

مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

إلى أي نوع من القراء يتوجه الكاتب في فيما يكتب؟ بعض الكُتّاب يرتاحون بل ويتفاخرون بأنهم ينتقوا العبارات والمفردات التي لا يفهمها إلا واسعو الثقافة والاطلاع وأحيانا ذوي الاختصاص. كما يحدّد الهدف من القراءة لئلا يشعر القارئ العادي بالملل عند قراءته للعمل الفني. حبذا لو يحدد الكاتبُ القُرّاء المستهدفين فيما يكتب قبل ان يبدأ بالكتابة. لمن يكتب ؟ ويختار، قدر الإمكان، أسلوبا بسيطا مُيَسّرا يفهمه ويستمتع به كل من يقرأه.

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم