وسائل الترفيه في قصور الخلفاء من مصارعة الديوك والشطرنج إلى الحيوانات المفترسة

تُظهر وسائل الترفيه في قصور الخلفاء تنوعًا ثقافيًا واجتماعيًا غنيًا، يظهر انفتاح الحضارة الإسلامية على الحضارات الأخرى وقدرتها على استيعاب وتطوير الألعاب والأنشطة الترفيهية، من سباقات الخيل التي تُبرز الفروسية، إلى الصيد الذي ينمي المهارات، واقتناء الحيوانات المفترسة الذي يرمز للقوة، وصولًا إلى الألعاب الذهنية مثل الشطرنج والفنون المسرحية البدائية، مثلت هذه الأنشطة جزءًا لا يتجزأ من حياة الخلفاء والأمراء، إنها لم تكن وسائل للتسلية فحسب، بل كانت تعبيرًا عن العادات والتقاليد، وأحيانًا رموزًا للهيبة والسلطان، ما يُسلط الضوء على جوانب إنسانية وتاريخية فريدة من نوعها في عصور الخلافة.

لم يختلف زمن الدولة الإسلامية عن باقي الأزمنة، في ما يخص ممارسات الحكام والرؤساء والملوك، لوسائل الترفيه والألعاب بغرض التسلية، وعلى الرغم من الانشغال بعدد من الأحداث السياسية والعسكرية والصراعات حول الخلافة وولاية العهد؛ فإن كل زمن وكل أمة كان لها مجموعة الألعاب والوسائل التي توافق ثقافتها وأخلاقها، وكذلك مع عادات وتقاليد المجتمع في تلك المرحلة.

 وبذلك تنوعت الألعاب والأنشطة الترفيهية التي قام بها خلفاء الدولة الإسلامية من مسابقات وألعاب رياضية وهوايات غريبة، هذا المقال سيكشف الستار عن تنوع الألعاب والأنشطة الترفيهية التي مارسها خلفاء الدولة الإسلامية، من مسابقات وألعاب رياضية إلى هوايات غريبة، مع تتبع أصول معظم هذه الألعاب الملكية.

سباقات الخيل رياضة الملوك وهواية الخلفاء 

تعود سباقات الخيل في الأصل إلى الحضارة اليونانية والحضارة الرومانية، ومنهما أخذ الفرس سباقات الخيل، وأقاموا لها الميادين والفعاليات الكبرى، ثم جاء العرب ليتفاخروا في زمن الجاهلية بالخيول السريعة، وأجروا مسابقات للخيول، وهو ما استمر بعد الإسلام، فخصصوا ميادين واعتنوا بالخيل لهذا الغرض.

وفي زمن الدولة الأموية نشط الخلفاء في إعداد حلبات وميادين السباق، فكان الخليفة معاوية بن يزيد يملك حلبة للسباق، وكان يمنح جائزة كبيرة للفائز، وكان السباق يسمى (سباق القصبة)، وذلك لأنهم كانوا يغرسون قصبة في نهاية الحلبة، ومن يصل إليها فهو الفائز.

سباق الخيل هو رياضة الملوك وهواية الخلفاء  و في زمن الخلافة الأموية نشط الخلفاء في إعداد حلبات وميادين السباق

وعُرف عن الخليفة هشام بن عبد الملك بن مروان اهتمامه الكبير بسباقات الخيل، كما كان له فرس يسمى (الزائد) يشارك دائمًا في السباقات، ثم كان للوليد بن يزيد فرس شهير يسمى (السندي).

أما في زمن الدولة العباسية فقد كان سباق الخيل هو أهم وسائل الترفيه والترويح، لا سيما في عهد الخليفة هارون الرشيد الذي نظم سباقات الخيول والحمام الزاجل واتسعت في عهده ميادين السباق، واتخذ من مدينة (الرقة) على نهر الفرات مركزًا لإقامة سباق الخيل.

ممارسة الصيد من رحلات التسلية إلى استعراض القوة

 كانت ممارسة رياضة الصيد إحدى وسائل الترفيه في العصور القديمة، وعرفها العرب في الجاهلية، لكن الأدوات المستخدمة في تلك الرياضة كانت متواضعة وقاصرة على الفخ أو النبل، ومع تطور العرب وانفتاح الحضارة الإسلامية على الحضارات الأخرى، ظهرت مجموعة من وسائل الصيد المتطورة، وهو ما ساعد بدوره على تطور رياضة الصيد، فقد استعان العرب بالطيور والجوارح والحيوانات المدربة من أجل ممارسة رياضة الصيد مثل الباز والشاهين والعقاب والكلاب والفهود.

في زمن الخلافة العباسية لعب الخلفاء رياضة الصيد فكانوا يصطادون الخنازير والسباع والطيور والغزلان

وفي رياضة الصيد كان يزيد بن معاوية من أشهر الخلفاء الذين اهتموا بتلك الرياضة، فكان شغوفًا بها، وكان لديه مجموعة من الكلاب المدللة التي كان يلبسها الأساور الذهبية، وكان لكل كلب عبد يرعاه ويقوم على خدمته.

وفي زمن الخلافة العباسية لعب الخلفاء رياضة الصيد، فكانوا يصطادون الخنازير والسباع والطيور والغزلان، وكان الخليفة المهدي هو أشهر خلفاء الدولة العباسية حبًا لرياضة الصيد، فكان يخرج في موكب كبير مع الحرس والأصفياء وجزء من حاشيته، من أجل ممارسة رياضة الصيد.

كذلك كان هارون الرشيد شغوفًا برياضة الصيد، وجاء أبناؤه من بعده فمارسوا رياضة الصيد، لكن ابنه الأمين كان مشهورًا بصيد السباع، وكان المعتصم مشهورًا بصناعة الشراك وعمل الحيل المبتكرة من أجل الإيقاع بالفرائس، وهو ما كان يمثل متعة كبيرة للخلفاء والأمراء في ذلك الوقت.

اقتناء الحيوانات المفترسة بين الهيبة والتدليل 

إن تربية الحيوانات واقتناءها تعد مسألة قديمة منذ بداية وجود الإنسان على الأرض، ولها مجموعة من الأسباب والدوافع، لكن اقتناء الحيوانات المفترسة يعد من الرياضات الملكية والعادات المحببة في نفوس الملوك والخلفاء، لإثبات الهيبة والسلطان في قلوب الناس وللشعور بالسيطرة والقوة، وهو ما مارسه كثير من الحكام والملوك والأباطرة على مدار التاريخ، وهو ما ظهر أيضًا في تاريخ الدولة الإسلامية.

كان الخليفة هارون الرشيد يربي النمور والأسود داخل الأقفاص وكان يجمعها من أقطار مختلفة

كان الخليفة المنصور من أشهر الخلفاء الذين ربوا الحيوانات المفترسة والغريبة وأبرزها الفيلة، فكان يجمعها ويربيها لإضفاء جو من الهيبة والتعظيم على مكانته بين الناس، وكان الخليفة هارون الرشيد يربي النمور والأسود داخل الأقفاص، وكان يجمعها من أقطار مختلفة، فضم في رعايته مجموعة من الأنواع الغريبة من الحيوانات المفترسة.

أما الحيوانات المستأنسة فقد انتشرت تربية القرود والطيور والكلاب في قصور الخلفاء المسلمين، فقد عُرف الخليفة المهدي بحبه الشديد لتربية الطيور، وكذلك كانت زبيدة زوجة الرشيد تربي قردًا مدللًا، وجعلت له عددًا من الخدم يقومون على رعايته، فكانت تلبسه الملابس وتقلده السيف.

إضافة إلى تربية الحيوانات، انتشرت بين بعض الخلفاء المسلمين لا سيما في عهد الخلافة العباسية رياضة مصارعة الديوك التي أخذها العرب عن الحضارة الرومانية واليونانية، كما أضاف العرب مصارعة أو مناطحة الكباش، فكانوا يربون الكباش القوية، ويعدونها للمناطحة والمصارعة، ويقيمون المسابقات بغرض التسلية والترفيه.

مسرح العرائس ولعبة التمثيل

ربما لم يعرف العرب مسرح العرائس بنمطه الذي نعرفه الآن، وإنما كان هناك فقرات للتسلية في قصور الخلافة تتضمن عروضًا تمثيلية تشبه مسرح العرائس، فكانت تعتمد على آلة تدعى (الكرج) التي تحتوي مجموعة من التماثيل للخيول المسرجة من الخشب التي يُقدم بها عرض بالحركة والصوت يتضمن قصة قصيرة أو يصاحبه إلقاء قصيدة شعرية التي غالبًا ما كانت تعد في حضور الخليفة وضيوفه.

لم يعرف العرب مسرح العرائس بنمطه الحالي إنما كان هناك فقرات للتسلية  في قصور الخلافة تتضمن عروضًا تمثيلية تشبهه

كذلك كان من الشائع في قصور الخلفاء العباسيين إقامة عروض التمثيل والتنكر التي كان يطلق عليها (السماجات) بمعنى التمثيليات الهزلية، فيرتدي مجموعة من الممثلين الملابس ويقلدون الحركات والأصوات ويصدرون الإشارات المضحكة، وعلى الرغم من كونها عروضًا بدائية؛ فإنها كانت تحقق كثيرًا من الترفيه والتسلية في ذلك الوقت، وكانت تعد مكافأة كبيرة من الخليفة لضيوفه.

وفي عهد الخليفة المأمون كان هناك شخص يسمى (عبادة) يقال إنه ابن طباخ الخليفة، يقلد الأصوات والأدوار، فكان يستدعيه الخليفة من أجل تقديم الفقرات المسلية وإضفاء جو من البهجة على الحضور.

ألعاب التسلية في قصر الخلافة الشطرنج والصولجان

مارس خلفاء الدولة الإسلامية عددًا من الألعاب داخل قصر الخلافة، ولعل أشهرها لعبة الشطرنج التي اقتبسها العرب عن الأعاجم، ويقال إنها تعود لأصل هندي، فكان الخليفة هارون الرشيد هو أول من لعب الشطرنج من الخلفاء، وقرب إليه عددًا من اللاعبين المهرة وأعطى لهم الجوائز، وكان الخليفة المأمون يحب لعبة الشطرنج ويجيدها، لكنه كان يكره أن يقال عنها (لعبة)، فكان اللاعبون يقولون نتناقل أحجار الشطرنج ولا يقولون نلعب بها.

وبرزت لعبة الصولجان بين الألعاب التي مارسها خلفاء الدولة الإسلامية، وهي لعبة فارسية أخذها عنهم العرب، وهي عصا يضرب بها الفرسان الكرة وهم على ظهور الخيول، وظهرت في عهد الدولة العباسية، ومارسها الخليفة هارون الرشيد، فتُصنع كرة مرنة يتنافس في التقاطها الفرسان بالعصا التي تسمى الصولجان، وبرع الخليفة الأمين في هذه اللعبة، وعندما تولى الخلافة أمر ببناء ميدان لممارستها بجانب القصر، وتبعه في ذلك الخليفة المعتصم.

برزت لعبة الصولجان بين الألعاب التي مارسها خلفاء الدولة الإسلامية وهي عصا يضرب بها الفرسان الكرة وهم على ظهور الخيل

ومن ضمن الألعاب الشهيرة التي أخذها العرب عن الفرس لعبة البندق التي أنكرها العرب عند بداية ظهورها في المدينة، لكنهم اعتادوها بعد ذلك حتى وصلت إلى قصور الخلفاء، وهي تعتمد على رمي البندق على الطيور أو على الأهداف المحددة، والبندق كرات صغيرة مصنوعة من الحجارة أو الطين أو الرصاص أو المواد المتاحة، وعلى هذا أصبح هواة رمي البندق يربون الحمام ويطيرونه، وكان أشهر من مارس هذه اللعبة الخليفة هارون الرشيد. 

إن وسائل الترفيه في قصور الخلفاء لم تكن أدوات لتمضية الوقت، بل كانت مرآة تفصح عن ثقافة العصر، ونفوذ الدولة، وتفاعلها مع الحضارات المجاورة، من رياضة الخيل التي ترمز للفروسية والقوة، إلى الشطرنج الذي يعكس الذكاء والتخطيط، ومن رحلات الصيد الفخمة إلى اقتناء الحيوانات النادرة، مثَّلت هذه الأنشطة جزءًا لا يتجزأ من حياة البلاط، ورسمت لنا صورة حية عن الجانب الإنساني والاجتماعي لهؤلاء الحكام الذين صنعوا التاريخ.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة بين الألعاب ووسائل الترفيه والتسلية في قصور الخلفاء في الدولة الإسلامية، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة