"صوت الجبل، وصاحب الحنجرة الذهبية" عملاق من عمالقة الطرب اللبناني والعربي، ومدرسة رائدة في الغناء والتلحين الأصيل، فهو مبتكر المدرسة الصافية في الأغنية الشرقية، حيث رسّخ جذور الطرب العربي وألحانه، والتنوع في ألوانه، اقترن اسمه بجبل لبنان، الذي لم يقارعه سوى صوته الذي صوّر شموخ "بلد الأرز"، وجمالها البارز.
ولد وديع الصافي (وديع فرنسيس 1921م – 2013م) في قرية (نيحا الشوف)، وهو الثاني لثمانية إخوة، كان والده بشارة يوسف جبرائيل فرنسيس، رقيباً في الدرك اللبناني، عاش وديع طفولة متواضعة، وفي عام 1930م نزحت عائلته إلى بيروت، والتحق بمدرسة دير المخلص الكاثوليكية، فكان الماروني الوحيد في جوقتها، ومنشدها الأوّل، وبعدها بثلاث سنوات، اضطر للتوقّف عن الدراسة؛ لأن جو الموسيقى كان يطغى على حياته من جهة، ولكي يساعد والده في إعالة العائلة، ويذكر أن أول أجر قيّم تقاضاه في بداية مشواره الفني كان ثماني ليرات ذهبية من السيدة نظيرة جنبلاط والدة الزعيم الدرزي الراحل كمال جنبلاط، وذلك لقاء غنائه، وهي طريحة الفراش، وكان عمره يومها لا يتجاوز الحادية عشرة.
وانطلق فنياً عام 1938م حين فاز بالمرتبة الأولى في الغناء واللحن والعزف، وكان من بين أربعين متباريًا في مباراة للإذاعة اللبنانية المعروفة حينئذ بإذاعة الشرق الأدنى في أغنية "يا مرسال النغم" للشاعر المجهول آنذاك الأب نعمة اللّه حبيقة، وتألفت اللجنة الفاحصة من: ميشال خياط، وسليم الحلو، وألبير ديب، ومحيي الدين سلام الذين طلبوا منه الانتساب رسمياً إلى الإذاعة، وأطلقوا عليه اسم وديع الصافي كاسم فني، نظرًا لصفاء صوته، ووفاء طربه.
وكانت إذاعة الشرق الأدنى كمعهد موسيقي تتلّمذ فيه وديع على يد ميشال خياط، وسليم الحلو، فكان لهما الأثر الكبير في تكوين شخصيّته الفنية، وبدأ حضوره الفني في مشوار الأغنية اللبنانية التي كانت ترتسم ملامحها وتتشكل، وذلك عن طريق إبراز هويتها، وتبيان نقائها، وتركيزها على موضوعات لبنانية ومعيشية، ولعب الشاعر أسعد السبعلي دورًا هاماًّ في تبلّورها، فكانت "طل الصباح"، و"تكتك العصفور" عام 1940م علامة باكرة له وبجدارة، كان يُنشد "العتابا"، و"الغزيّل"، و"أبو الزلف" وغيرها من أغاني الفولكلور اللبناني، فلفت انتباه الجميع.
ولم تتسع بيروت للمطرب الباحث عن الأفضل، فسافر أكثر من مرة بحثاً عن لقمة العيش، وفي مصر كان أول لقاء له مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عام 1944م، وقال عنه عبد الوهاب عندما سمعه في أوائل الخمسينات في أغنيته "ولو" المأخوذة من أحد أفلامه السينمائية: "من غير المعقول أن يمتلك أحد هذا الصوت". وفي عام 1947م -أثناء الحرب العالمية الثانية- اختاره أحد متعهدي الحفلات من آل كريدي، ليقوم بجولة فنية في دول أميركا اللاتينية المزدهرة اقتصادياً، فسافر مع فرقة فنية إلى البرازيل حيث أمضى 3 سنوات خارج لبنان، وبعد عودته اكتشف أن الأغنية اللبنانية ما زالت في فجر انتشارها عربياً، ولما عرف بالنجاح الباهر الذي حققته أغنية "يا عوازل فلفلو" للمطرب فريد الأطرش قرر أن يغامر بأغنية جديدة من نوعها بعنوان "عاللوما"، فذاع صيته بسببها، وصارت تردَّدها الألسنة والشفاه، وأصبحت بمثابة التحية المتداولة بين اللبنانيين.
وكان أول مطرب عربي يترنم بالكلمة البسيطة، وبلهجة لبنانية طعّمها بموال "العتابا" الذي أظهر قدراته الفنية، وشكّلت هذه الأغنية علامة فارقة في مشواره الفني، وتربع من خلالها على عرش الغناء العربي، فلُقب بصاحب الحنجرة الذهبية، وقيل عنه في مصر أنّه مبتكر المدرسة الصافية -نسبة إلى وديع الصافي- في الأغنية الشرقية.
وتزوج عام 1952م من إحدى قريباته ملفينا طانيوس فرنسيس، فَرُزق بِدُنيا، ومرلين، وفادي، وأنطوان، وجورج، وميلاد، وفي أواخر الخمسينات بدأ العمل المشترك مع العديد من الموسيقيين من أجل نهضة الأغنية اللبنانية انطلاقًا من منبعها وأصلها الفولكلوري، وذلك من خلال مهرجانات بعلبك التي جمعت وديع الصافي، وفيلمون وهبي، والأخوين رحباني، وزكي ناصيف، ووليد غلمية، وعفيف رضوان، وتوفيق الباشا، وسامي الصيداوي، وغيرهم، وجاهد -منذ أوائل الستينات- في محاولة إثبات مكانه ومكانته الفنية، وعندما التقى مع نقولا بدران والد المطربة ألكسندرا بدران المعروفة باسم نور الهدى في مصر هناك تعرف إلى ملحنين وممثلين مصريين، ومكث حوالي عام ليعود إلى لبنان، ويتبناه هذه المرة محمد سلمان زوج المطربة نجاح سلام، وشارك معها في أكثر من فيلم سينمائي، من بينها "غزل البنات" 1949م، ومن ثم مع صباح في "موّال" 1966م، و"نار الشوق" 1973م.
ومع بداية الحرب الأهلية اللبنانية واعتراضًا عليها غادر وديع إلى مصر عام 1976م، ومن ثمّ إلى بريطانيا، وليستقرّ في باريس عام 1978م، فكان سفيراً لوطنه عبر العالم، ومدافعًا بطربه وصوته عن لبنان الفن، والثقافة، والحضارة، وغنّى ما أفرح القلوب مثل: "لرميلك حالي من العالي"، و"لبنان يا قطعة سما"، و"جايين" ومنها ما حرك الشوق والحنين لدى المهاجرين كأغنية "عا الله تعود عا الله"، فكان أن تجدّدت ثقة المغتربين بوطنهم الأم لبنان.
ومنذ الثمانينات بدأ الصافي بتأليف الألحان الشجية نتيجة معاناته من الحرب الأهلية اللبنانية وويلاتها على الوطن، وأبنائه، وخضع عام 1990م لجراحة القلب المفتوح، لكنه استمر بعدها في عطائه الفني تلحيناً وغناء، وعلى أبواب الثمانين من عمره لبّى الصافي رغبة المنتج اللبناني ميشال الفترياديس في إحياء حفلات غنائية في لبنان وخارجه، مع المغني خوسيه فرنانديز، والمطربة حنين، فحصد نجاحاً منقطع النظير أعاد وهج شهرته، وتألق مشواره الطويل.
لم يغب يوماً عن برامج المسابقات التلفزيونية الغنائية قلباً وقالباً، فوقف يشجع المواهب الجديدة التي رافقته، وهو يغني أشهر أغانيه ومنها "عندك بحرية يا ريّس"، وهي ثمرة تعاون بينه وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب.
أغنى وديع الصافي المكتبة الموسيقية العربية بالعديد من الأعمال الفنية التي نهل منها الفن الجميل، وله بصمات لا تمحى في الطرب، والغناء، والموسيقى، والمسرح، وغنّى للعديد من الشعراء خاصّة: أسعد السبعلي، ومارون كرم، ولحن له العديد من الملحنين أشهرهم: الأخوان الرحباني، وزكي ناصيف، وفيلمون وهبي، وعفيف رضوان، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، ورياض البندك، لكنّه كان يفضّل أن يلحّن أغانيه بنفسه لأنّه كان الأعلم بطبقة صوته، ولأنّه كان يُدخل المواويل في أغانيه، حتّى أصبح مدرسة يُحتذى بها، من أهم أغانيه: "عندك بحرية"، و"الليل يا ليلي يعاتبني"، و"الله يرضى عليك يا بني"، و"عاليادي اليادي"، و"لبنان يا قطعة سما"، و"صرخة بطل"، و"يا عيون بابا"، و"يا ويل حالي"، و"شاب الهوى وشبنا"، و"مريت ع الدار"، و"لوين يا مروان"، و"عصفورة النهرين"، و"الله معك يا بيت صامد بالجنوب"، و"يا مهاجرين ارجعوا"، و"عظيمة يا مصر يا أم النعم"، و"طلوا أحبابنا"، و"يا شقيق الروح"، و"على الله تعود على الله"، وغيرها من الأغاني الشهيرة الرائعة.
وشارك وديع الصافي في العديد من المهرجانات الغنائية منها: العرس في القرية (بعلبك 1959م)، وموسم العز، ومهرجان جبيل (1960م)، ومهرجانات فرقة الأنوار (1960م – 1963م)، ومهرجان الأرز (1963م)، وأرضنا إلى الأبد (بعلبك 1964م)، ومهرجان نهر الوفا (1965م)، ومهرجان مزيارة (1969م)، ومهرجان بيت الدين (1970م – 1972م)، ومهرجان بعلبك (1973م -1974م)، كما شارك في أكثر من فيلم سينمائي منها: "الخمسة جنيه" (1946م)، و"غزل البنات" (1949م)، و"موّال" (1966م)، و"نار الشوق" (1973م).
ويحمل الصافي ثلاث جنسيات المصرية والفرنسية والبرازيلية، إلى جانب جنسيته اللبنانية التي يفتخر بها كثيراً، وكرّمه أكثر من بلد، ومؤسسة، وجمعية، وحمل أكثر من وسام استحقاق منها خمسة أوسمة لبنانية نالها أيام كميل شيمعون، وفؤاد شهاب، وسليمان فرنجية، وإلياس الهراوي، أما الرئيس اللبناني إيميل لحود فقد منحه وسام الأرز برتبة فارس.
وفي عام 1989م أقيم له حفل تكريم في المعهد العربي في باريس بمناسبة اليوبيل الذهبي لانطلاقته وعطاءاته الفنية، ومنحته جامعة روح القدس -جامعة روح القدس الكسليك- دكتوراة فخرية في الموسيقى في 30 حزيران 1991م، كما منحه سلطان عُمان وساماً رفيع المستوى -وسام التكريم من الدرجة الأولى- عام 2007م، وقد أحيا العديد من الحفلات في شتّى البلدان العربية والأجنبية.
وعن عمر ناهز 92 عاماً قضى أكثر من نصفها في الغناء خسرت الأوساط اللبنانية والعربية عملاق الغناء الجبلي، المطرب والملحن وديع الصافي، فتوفي في أحد مستشفيات لبنان بعد صراع طويل مع المرض، ودفن في بلدته نيحا الشوفية، وأقيم له مأتم رسمي وشعبي حضره حشد من الشخصيات الفنية والاجتماعية والسياسية في بيروت، ونعاه وزير الثقافة اللبناني غابي ليون بقوله: "اسم وديع الصافي يختصر لبنان الذي من الصعب أن يشهد ظاهرة فنية مثله".
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.