ودمدني على امتداد الطريق

وعلى طول الطريق أتلفتُ شوقاً وأحنو حناً..

وأتخيّل أنني لو لم أكن من هذه الولاية، ولا تلك القرية..

كيف سيكون موقفي؟

هل سأكون مُحباً لأرض غيرها؟

ماذا سيكون ردة فعلي لو لم أكن منها؟

كنتُ سأندهش حقاً في طول الطريق، وعلى نفس المقعد، وجنب إحدى النوافذ، وأنا أتطلع ما هذا الجمال!

وما تلك الغيوم السوداء التي تُجمّل أرضها؟

وتلك الأشجار التي على جانب الطريق، وتلك الأراضي الزراعية الشاسعة بعضها مخضر، والآخر لم يأتِ وقت زراعته بعد!

تلك البيوت التي تُفتح في بعضها البعض، أناسها متعايشون ومتصافون، يأكلون معاً، ويتفقدون الجار، ويزورون المرضى، ويُقفلون الشارع كرماً عند مغيب الشمس (حرم تنزلون الغداء)..

يوقفون باصاً كاملاً يضم في داخله فئات مختلفة من الأعمار، ويحلفون علينا إلا أن نشاركهم (زادهم)، ونتسامر معهم وهم يقومون بكل ما هو واجب من إطعام، وسُقيا ماء..

وتلك المُكيّفات (قهوة أو شاي) بلا شكّ لن تجد كل هذا سوى لدينا.. ليس تكبراً، أو افتراء، ولكن حباً وعادات خالدة حتى في صبيانهم الصغار..

إنَّها أرض الكرم، وسلة غذاء السودان، والعالم أجمع، تضم مختلف الجنسيات، ولكنهم يُفاجئونك بتعايشهم ومودتهم..

فهنا اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية، يتشاركون في الأفراح والأتراح.

وعلى ذلك الطريق يجلس بائعو الحلويات، ويحملون صوانٍ على رؤوسهم، هدفهم ليس البيع أو جلب مال، وإنّما إعطاؤك ما يُسلي، ويُقصر الطريق، لكي تستمتع بكل ما حولك من مناظر جميلة..

وعلى الرصيف تلك البيوت التي تلوّنت بالنفوس قبل الطلاء مواطنين يخرجون عصراً لرؤية أراضيهم الممتدة، ويعملون على تحضيرها بالموسم الزراعي؛ فالسماء تُبشر بموسمٍ غنيّ بالمياه، ومستقبلٍ واعدٍ للزراعة..

فهم يهبون سراعاً للتحضير، ويحملون أدوات بدائية الصنع كـ(الطورية)، وقلعات الحشائش، والبعض يحمل ما يسمّى بالـ(الجراية)، وهي عبارة عن عود طويل تركب على رأسه حديدة بها دائرة في نهايتها ومسطّحة عند بدايتها.

وأيضًا هناك من يحمل (الكوريك) وهو معروف للعامّة..

فمنهم من بدأ برفع (التقانت)، والتقنت هو عبارة عن ترس مصغر معمول من التراب في خط مستقيم عرضياً على طول الأرض، ومهمته يعمل على شراب المكان الذي معمول فيه، وليسهل (تصفية المياه) من (الحواشة) عند غرقها في موسم الخريف..

ولا ننسى ما يسمّى بـ (ابستة) وهو عبارة عن مجرى معمول لإيصال الماء من (أبو عشرين) بواسطته إلى داخل الأرض.

و(أبو عشرين) هو عبارة عن مجرى أوسع من (ابستة)، ويكون على طول (النمرة)، ويجلب الماء من الترعة إلى ابستة فتدخل إلى الحواشة..

يا للعجب ما هذه الغيوم! فسماء الخرطوم مسخنة، وسماء الجزيرة رطوبة..

إن دل إنّما يدل على الجمال؛ فهنا الجو لطيف حقاً، يغريك لتأخذ صورة فيه بلا شمسُ هنا، ولا أجواء مسخنة..

الأجواء معتدلة حقاً كأننا ذاهبون إلى أوروبا..

الأرض تُغريك، والجو يلهيك، وتنتظر اللّحظة التي تضع أرجلك على ثراها كأنك آتٍ من دولةٍ أجنبية.. فعلاً اختلاف الأجواء أمر طبيعيّ هنا..

وعلى ذلك الجانب صوت القطار يصفر إيذانًا بتحرّكه على تلك القضبان، وتلك النوافذ المُشرعة لرؤية، فربما تجد شخص أيضًا في ذلك القطار يمسك كراسته، ويُدوّن ما رأى، ويعكس ما شاهده لتظلّ رحلة خالدة في الوجدان..

ليست أول مرّة يسافر بها، ولكن أول مرّة يجلس في تلك النافذة، وتحرّكه مشاعره إلى أن يكتب..

إنها ودمدني عشق النُفوس، كما خلّدها الموسيقار محمد الأمين، أو كما يعرف ب (وداللمين) حين غنَّى لها:

ما لو أعياه النضال بدني وروحي ليه مشتهية ود مدني ليت حظي يسمح، ويسعدني طوفه فد يوم في ربوع مدني كنت أزور أبويا ود مدني، وأشكي ليه الحضري والمدني آه..

على حشاشتي ودجني وحنيني ولوعتي وشجني آه..

دار أبويا ومتعتي وعجني يا سعادتي وثروتي ومجني..

.............

تقبّلوا تحياتي من على البعدِ أحييكم.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

❤❤

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة