كانت «.......» امرأة في منتصف الثلاثين من عمرها، طيبة معطاءة كزخات المطر الأول، وديعة كنسمات الفجر الهادئة، حنونة كصدر أم طال غياب طفلها فكانت لحظة اللقاء، في عينيها صفاء نهر لم تعكِّره الأيام ولا خيبات الأمل التي تعترينا حينًا وحينًا، وفي قلبها نقاء وصفاء لا تقدر عليه المدن المزدحمة بالوجع والألم، التي اعتادت على علاقات المصالح، والتلون فيها صفة بارزة.
من بين أخواتها كانت الألطف والأهدأ والأكثر تفهمًا. كانت إذا ما فُتح باب لعتاب أغلقته بحكمة، وإذا اشتعل نقاش أخمدته بحنان، علاقاتها كأزهار الربيع، لا شوك فيها، فهي نبراس الأسرة ولياليها المضيئة.
وكانت أيضًا ودودة مع الناس رقراقة، في حديثها مودة ورحمة، تحسن الظن، وتفيض على من حولها بلطف لا تكلُّف فيه، لكن هذا الصفاء للأسف كثيرًا ما أُسيء فهمه من بعض الرجال من الأقارب أو الغرباء، ظنوا أن لطفها إشارة، أو أن لينها ضعف، أو أن حنانها باب يُطرق بسهولة؛ وذلك لأنهم ما اعتادوا على فيضها الحنون في مجتمع ألفى الجفاف والفظاظة.
كانت تعود إلى غرفتها باكية أحيانًا، ليس من كلمة قيلت، بل من سوء الظن الذي لازمها في كل تعامل لطيف وكلمة حانية، ومن الوجوه التي ما عرفت الفرق بين النقاء والميل، وبين الطيبة والتلميح. كانت تتألم بصمت، لكنها ما غيرت نفسها، كانت تقول لأختها التي غالبًا ما تلومها على تعاملها اللطيف مع الناس: «إذا غيرتُ قلبي لأن الناس لا يفهمونه سأفقد نفسي».
ومع ذلك بقي في قلبها سر واحد، حب قديم سكنها منذ كانت في الخامسة عشرة لرجل لم تعرف كيف تخبره، خافت أن يصدها أو يرفضها فتنكسر في أعماقها؛ فتملَّكها شعور الخوف من الرفض، فجبنت وكتمت مشاعرها كما يخبئ الناس دموعهم حين يكون الحضور كثيرًا.
كبرت وكبر معها حبها، ومرت السنوات رتيبة بطيئة، وتزوجت. لم يكن من تحب، كان رجلًا يكبرها سنًا لكنه كان مهذبًا، طيبًا، وفيًا لا يخذل، محبًا لا يمل، متفهمًا لها كما لو كان يعلم ما تخفيه روحها ولا يسأل. أنجبت منه طفلين، وكان بيتها دافئًا كحضن الصباح البارد الممطر، مستقرًا كأرض لا ترتجف تحت خُطا الخائفين؛ فاستطاعت أن تحتوي زوجها وتكون له ملاذًا آمنًا.
وبرغم كل هذا بقي في قلبها مكان فارغ صغير لا يؤلم إلا حين يمر طيفه، مكان لا يراه أحد لكنه يتسع كلما سكتت طويلًا أو نظرت نحو شيء لا يُرى، هي هي ذكراه لا تفارقها.
وبالصدفة ذات يوم قديم جديد عادت تتقاطع خطاهما، مرت على اسمه وصورته في وسائل التواصل الاجتماعي «فيسبوك» فترددت، ثم قدمت طلب صداقة، ثم كتبت وجاء الرد.
تحدثا عن كل شيء، الذكريات القديمة، أصدقاء الدراسة، الأيام التي مرَّت كأنها لم تمر.
ثم تشجعت فقررت أن تقول: «كنت أحبك... منذ كنت صغيرة لكنني خفت فجبنت».
صمت قليلًا ثم قال لها: «ليتك قلت! لو أنك فعلت لربما كُتب لنا شيء آخر».
ابتسمت ابتسامة باهتة، لكن شيئًا ما في صدرها انكسر مرة ثانية. ذلك الاعتراف لم يشفها بقدر ما أوجعها أكثر؛ ليس لأنه لم يحبها، لكنها جاءت متأخرة، جاءت بعد أن تقاسم كل منهما عمرًا مع آخر، وبعد أن أصبح الاعتراف مجرد مرآة تريهم ما لن يكون، وربما.
الذي زاد ألمها أن حبها الأول لم يكن كما كانت تظنه فقط، بل كان أفضل بكثير، فقد وجدته أكثر لطفًا، أكثر نضجًا، وأكثر تفهمًا للحياة ولها، فيه صفات لم تتخيلها ولم تنتبه لها حين كانت صغيرة، لكنها الآن رأت فيه كل شيء بوضوح؛ فازداد قلبها انكسارًا، لا لأن الحب ضاع بل لأنها ضيعت فرصته بيدها.
أغلقت الهاتف، نظرت إلى ابنها وهو يلهو، وإلى زوجها يضع الشاي على الطاولة، وعرفت أن للحياة أوجهًا كثيرة للحب، وأن الحب الأصدق قد لا يكون نصيبًا، لكنه لا يُنسى أبدًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.