يثير الأدب العربي منذ نشأته دهشة الباحثين لقدرته على الحفاظ على وحدته وتماسكه على الرغم من الامتداد الجغرافي الهائل والتقلبات التاريخية الحادة. فاللغة العربية وأدبها، من الجاهلية حتى اليوم، تُقدّمان مثالًا فريدًا على البنية الحضارية المتماسكة التي قاومت عوامل التفتت والتحلل، وظلت تعبّر عن الذات الثقافية للأمة في صور متعددة، لكن بروح واحدة.
في هذا المقال نتأمل ظاهرة الوحدة في الأدب العربي، كيف نشأت؟ وما سر تماسكها؟ ولماذا لم تتفكك كما تفككت الآداب الأخرى بتغير الزمان والمكان؟
تاريخ التراث العربي
لا يتردد باحث منصف، وهو يعرض لدراسة تاريخ التراث العربي، أن يُسلِّم بما يحظى به هذا التراث، بلغته وأدبه وعلومه، من جملة خصوصيات انفرد بها عن سائر تراث الحضارات الأخرى، واستعلى فيها على كثير من تأثيرات عوامل التغير والفناء، ما يستعصي تفسيره بقوانين التدرج في النشوء والتطور وتأثيرات العوامل البيئية والزمانية وحدها.
ومن أبرز ما يُعقّد تفسير هذه الخصوصيات: صعوبةُ تفسير هذا النبت الفُجائي للغةٍ ثريةٍ ناضجة، وأدبٍ، هو الشعر الجاهلي، وقليل النثر الفني فيه، إذ يظهر فجأة مكتملًا، له أداة فصاحته وبيانه وميزانه الموسيقي وقيمه المعنوية والفنية.
ولا تُسعف المصادر التاريخية، ولا الاستكشافات الحديثة، في التعرف على منشأ هذه اللغة وتاريخ أصولها ومراحل تطورها، ولا كذلك على التاريخ القديم لهذا الشعر الجاهلي، وإنما تنتهي إلى أن عظمة لغة كهذه، ومستوى الأداء الفني، لا بد أن يكون مترتبًا على مراحل متقدمة، على القدر ذاته من الأهمية، نتج عنها تدرّجٌ في سلّم ارتقائه.
نتحدث في هذا المقال عن خصيصة ظاهرة وحدة الأدب العربي، بما تعنيه «الوحدة» من ترابط وتماسك واستمرارية.
إن موصولية أدب اليوم بالتراث، ألزم ما تكون في حق هذه الأمة في هذا العصر بالذات، الذي أصبحت فيه الشعوب تُستلب خصائصها تحت ضغط عالمية ظالمة، تفرض منطق فكرها، وتعد حضارتها النموذج الأوحد للحياة.
الأدب العربي
إن ما يُطلق عليه «الأدب العربي» هو أدب واحد يمتد طولًا، فيشمل أدب المراحل المتتابعة منذ العصر الجاهلي قبل ستة عشر قرنًا إلى اليوم، وينداح عرضًا ليحتضن أدب كل البيئات التي اتخذت من العربية لسانًا لها وتنفّست في أجواء التراث الإسلامي، أيًّا كان موطنها، يلتقي بعضه مع بعض في وحدة مقوماته ومنهج فكره وتصوراته عن الأدب والجمال والحياة.
وتمتد الرقعة الجغرافية العربية اليوم في شكل خط مستقيم يبدأ من الخليج العربي حتى طرف المحيط الأطلسي، تكون آداب أقاليمها أدبًا واحدًا، يُضاف إليه ما لا يزال مزدهرًا من الأدب العربي من المجتمعات الإسلامية في سائر أقطار الدنيا. ومن دون سائر آداب العالم، يُطلق لفظ «الأدب العربي» في صيغة الإفراد ليدل على هذا الأدب، الحديث منه والموروث، بكل مراحل تاريخه وعصوره وبيئاته.

وحين يُطلق مصطلح «آداب» على أدب العربية، فإنه لا ينصرف إلى أكثر من الدلالة على الأجزاء التي تُكوِّن كُلًّا واحدًا متماسكًا، نظرًا إلى أنواع الفنون الأدبية فيه، أو تعدد بيئاته وعصوره. فهو أدب لا تعني فيه تقسيمات تاريخه إلى مراحل وعصور وبيئات تفتيتًا لهذه الوحدة، ولا انقطاع مرحلة عما تقدمها أو ما يليها من مراحل. فهو تقسيم منهجي اقتضته ضرورة التجزئة لتيسير الدراسة، وتسهيل الوقوف على السمات والتطورات العامة التي طرأت على الأدب في بعض أحقاب تاريخه وتنوع أقاليمه.
فما من شك أن أدب بني أمية وبني العباس مثلًا، اتخذ من السمات والملامح ما هو خاص به، من ناحية هيمنة سمات فنية وفكرية، وظهور اتجاهات واهتمامات معينة دون غيرها، تبعًا للعوامل المؤثرة، غير أن ذلك لم يكن ليعني أبدًا انقطاعًا عن التواصل أو تحوّلًا لمجرى التيار.
وكمثال على توحد هذا الأدب على الرغْم من تعدد بيئاته واختلاف طبيعتها، نُشير إلى الجناح الغربي: الأندلس والمغرب، الذي انفصل منذ وقت مبكر عن مركز الخلافة في بغداد، فقد ظل، على الرغْم من قوة التأثيرات المحلية فيه وبعد الشُّقة، مستمسكًا بالتراث المشرقي، متوحدًا معه.
ومع ما تدل عليه هذه الوحدة، على الرغْم من الامتداد المكاني الواسع، من القدرة العجيبة لهذا الأدب على مواصلة التماسك والصمود ضد تأثيرات عوامل البيئة والمحلية وتأثيرات الوافد من المحيط الإنساني الأوسع، فإن الخارق في الأمر، المستدعي للتقدير والإعجاب، هو هذا التوحد والتماسك والاستمرارية، مع طول مراحل الزمان، وتقلب الأمة خلال تاريخها من حال ضعف إلى حال قوة، فضعف، فنهوض.
في نهاية المطاف، تظل وحدة الأدب العربي هي الخاصية الأكثر تميزًا والأعظم أثرًا في تشكيل هويته. هذه الاستمرارية الفريدة التي تجعلنا نقرأ شاعرًا جاهليًا وكاتبًا معاصرًا فنشعر بالصلة العميقة بينهما، هي مصدر قوة هذا الأدب وسر بقائه حيًا ومؤثرًا. وفي عالم اليوم الذي تتسارع فيه وتيرة التغيير وتهدد العولمة بمسح الخصوصيات، يصبح التمسك بهذا التراث الأدبي الموحد ليس فعلًا ثقافيًّا، بل هو ضرورة وجودية للحفاظ على هوية الأمة وذاكرتها الحية، وضمان استمرار إسهامها في الحضارة الإنسانية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.