وجوه من الحياة


علي منصور (العدواني)

لم يدر بمخيلة علي منصور الصعيدي الجدع صاحب صاحبه أن تكون نهايته في السجن بسبب نصرته للضعيف وكرهه للضعف حتَّى، ولم يكن يخصه ذلك الأمر، لقد أدرك وهو صغير في قريتهم في أقصى الصعيد أن هناك قوتان تتصارعان دائماً، ليس الخير والشر كما في الأفلام، والروايات، وحكايات الأطفال الصغار، وإنما تلك القوتان الأولى منهم هي القوَة، والشدة، والبأس، والثانية هي الحق...

والكل يعلم ويغض الطرف من أن ثقافة الحق معطلة، وثقافة القوَة هي السائدة، هذا ما شاهده من أبيه وأبناء عمومته، ومن جميع ما في قريته حتَّى وإن اختلفت أساليب القوَة مؤخرا؛ فالمال قوة والمناصب الهامة قوة...

إن مجتمعات العالم النامي التي ما زالت ترفل في نعيم البداوة وتسيطر فيها أفكار القبليَّة وتتوارثها الأجيال، وتنصب كلها كيف تكون قوياً حتَّى ولو كنت ظالما، وبالطبع سيطرت تلك الأفكار على شخصية منصور فصار عبدًا لتلك الأفكار البالية، وتشرَّبها لأن الصفات الخلقية -بضم الخاء- توارث، فيما يطلقون عليه سطوة الذكرى فتفعل نفس الأفعال التي كان أبوك يفعلها، وترى تلك الأفعال وأنت صغير فتترسخ في اللاوعي عندك...

لم يكن الحاج منصور أبو علي ظالماً، ولكنه كان في معية العائلة يرى الظلم ولا يفعل شيئاً، ويكتفي بأضعف الإيمان الإعراض عن الظلم، ولكنه كان يقول لابنه علي إياك أن تظلم، أو تسكت على ظلم  تراه مهما كلفك الأمر، فلتكن أفضل من أبيك، وهذا من باب جلد الذات عند الحاج منصور، وحبّ ابنه علي الَّذي ملك عليه فؤاده لأن علي هو الابن الأكبر له، وكما يقولون الابن "البكري".

لقد أدرك علي منصور أن كلام والده واجب النفاذ، فعند ذهاب علي إلى القاهرة للدراسة بكلية الالسن، وبعد الصدمة الحضارية التي تلقها في العاصمة التي لا تنام، شاهد ما لا يسره، وشاهد عوالم جديدة عليه، لم يكن يتخيل أن يراها؛ فلغة المصالح هي من تسيِّر العلاقات بين الناس كبيرهم قبل صغيرهم، والابتسامات الصفراء غالبة في التعاملات بين الناس، وشيئا فشيئا دخل علي إلى عالم القاهرة، حيث ثقافة الزحام، وأن تصنع عالمك الَّذي تعيش فيه ممن يشبهونك في المستوى المادي والاجتماعي....

وأصبح ما يراه غريباً في بداية غربته في القاهرة، أصبح مألوفاً لديه مع الوقت، ولكن ماذا يفعل في جيناته التي هي سره، والتي تظهر وقت الحاجة إليها، فهو لا يتحمل السخرية، ويراها تقليلاً منه، ومن كل جنوبي ولا ينظر إلى الملابس العارية التي تظهر بها بعض النساء في الطرقات، والمحال، وخصوصاً ليلاً، وكلما رأى ذلك وضع وجهه في الأرض واحمر وجهه، وقد تعرَّف على من يشبونه في تلك الكلية العريقة، ومنهم بسمة الفتاة الفقيرة التي تظهر رائعة الحسن، ولكن في ثياب قديمة لا تُظهر كامل حسنها....

وكلما رآها تذكر مقطع من أغنية لعبد الوهاب التي يقول فيها "كان يسوى بيد الفتنة شعره"، رغم أنَّها كانت محجبة، وبسمة تلك جرته إلى مشاكلها دون أن يدري، فهي تعاني من أمها المتزوجة من غير أبيها المتوفي منذ عشر سنوات، وتعاني أكثر من زوج أمها الَّذي ينظر إليها كأنثى، لا كأخت لابنته التي تفتقد أي مسحة من الجمال، مما زاد الحنق عليها في المنزل، ويتمنى زوج أمها الخلاص منها في أي صورة كانت...

والمعاناة الأشد من بلطجي الحارة المدعو سعيد الَّذي يسكن فيها، ويريد أن يتزوجها عنوة بموافقة زوج أمها، ويطاردها أينما حلّت حتَّى وصل به الحال إلى الذهاب ورائها إلى الجامعة، ولما رآها مع علي منصور استشاط غضباً، وكاد أن يفتك به لولا تجمع المارة خارج أسوار الجامعة، وتعاطف علي منصور مع بسمة أصبح شديدًا إذ ليس لها أحداً من أقارب الأب أو الأم لأنهم يعيشون في المنصورة، وقد عاهد نفسه أن يدافع عن بسمة، ولما لا! فقد ملكت عليه قلبه وأصبحت المواجهة قادمة لا محالة بين علي منصور وسعيد البلطجي عتيد الإجرام...

ففي يوم من أيام ابريل الربيعية حيث تنفجر المشاعر كما تنفجر الأزهار أتت بسمة من منزلها لكي تلحق بالمحاضرة الأولى في العاشرة صباحاً، وهي في أبها زينتها، ودخلت من باب مدرج المحاضرة وبحثت عن شلتها لكي تجلس وسطهم، وجلست بجانب علي منصور، فابتسم لها واستمعا إلى المحاضرة حتَّى تمام الساعة الثانية عشر، وغادرا معاً باب المدرج إلى خارج الحرم الجامعي، ولكنهم لسوء حظهم وجدوا سعيد البلطجي جالساً على دراجته البخارية مواجهاً لباب الخروج من الجامعة، فلما رأته بسمة تراجعت إلى الداخل مرة أخرى، ولكن علي أمسك بها...

وأصر أن يكمل سيرهم غير مبالٍ بوجود ذلك البلطجي الَّذي يغتر بجسمه أيما غرور، ويلبس الضيق من الملابس حتَّى يظهر عضلاته، ويخوف بها من يعترض طريقه، واتجه هذه المرة إلى علي لكي يرهبه ويخوفه، وهم بالإمساك بقميصه، ولكن علي تخلص منه بحركة سريعة وأمسك علي بقميص سعيد، ونشب عراك شديد تكبد فيه علي لكمات غدارة أطاحت به على الرصيف والدماء تسيل منه، وتلطخ وجهه وقميصه، ولكنه كان كالنمر الجريح إذ قام بسرعة وأمسك بيده حجراً مُلقى على الرصيف...

وراوغ سعيد بسرعة حين هم بضربه بيده، ونزل بالحجر على رأس سعيد في غير رحمة مكرراً ضرباته سريعاً، فخرَّ سعيد على الأرض كالثور المذبوح الَّذي خرَّ صريعاً، ولكن علي ركب فوق صدره مكرراً ضرباته على رأس سعيد في غير هوادة وسط أناس كثيرون، وبينهم بسمة في حالة ذهول، يتفرجون بغير تدخل منهم من هول الصدمة...

ولم يفق على ما يفعله حتَّى انتهى من سعيد تماماً، ونظر إلى ما فعله ولاذ بالفرار، ولكن الشرطة أمسكت به بعد شهور من هروبه إلى بلدته، وجاء في محضر الشرطة، واصفاً علي منصور بالعدوانية الشديدة، فأصبح من حينها علي منصور العدواني، ولم ينظر أحد إلى دفعه الظلم عن إنسانة ضعيفة، وأن البلطجي يستحق الموت ألف مرة، ومن شجع هذا البلطجي على تماديه في ظلم الضعفاء يستحق السجن آلاف المرَّات.

هي إذن وجوه من الحياة التي نعيشها، بها أفراد يعيشون بيننا أقرب إلى الألغاز والفوازير المحيِّرة قد نتفق أو نختلف على هذه الوجوه، ولكنَّها تعيش تلك الحياة التي قد تستعصى على الفهم عند الكثيرين.

بقلم الكاتب


Mostafa Mahfouz Rashwan بكالوريوس علوم قسم كيمياء جامعة أسيوط أهوى الكتابة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Mostafa Mahfouz Rashwan بكالوريوس علوم قسم كيمياء جامعة أسيوط أهوى الكتابة