وجعٌ واحد يسكن قلبين.. تأمل في وحدة الحزن والحب

ما أدركتُ يومًا أنَّ بين القلوب طريقًا تُسافر فيه الأحزان دون أن تستأذن، حتى وجدتُ قلبي يرتجف كلما ضاق صدرك، ويذبل كلما انطفأت في عينيك شرارة الحياة.

كنتُ أظنُّ أن الحزن لا يُعدي، وأنَّ الإنسان لا يحملُ من الوجع إلا ما خُلق له، حتى عرفتُك، فعرفتُ أن بعض الأرواح تتشابك حتى يغدو الفرحُ واحدًا، والحزنُ واحدًا، والأنينُ واحدًا، وأنّ القلبَ إذا أحب بحقٍّ، صار وطنًا مزدوجًا يسكنه اثنان ولا يفصل بينهما إلا الصمت.

إنَّ فيك شيئًا يجعلني أرى العالمَ من عينيك، وأحزنَ بما لا أعرف له سببًا، وأبكي لِما لم أره بعينيَّ.

كأنّ بيننا خيطًا خفيًّا من النور، يربط الروح بالروح، فإذا ارتجفتْ واحدةٌ اهتزَّت الأخرى، وإذا انكسر فيك شيءٌ، سمعتُ صداه في أعماقي.

ليست بيننا كلمةٌ تُقال، ولا وعدٌ يُؤخذ، ولكنّ الله وحده يعلم أنَّ بيننا سِرًّا لا تُدركه اللغة، ولا تشرحه الدموع.

لقد حاولتُ طويلًا أن أُقاوم هذا الشعور الغامض الذي يسكنني، أن أُقنع نفسي أنَّ ما بي وهمٌ من أوهام العاطفة، ولكن كل محاولاتي كانت تنكسر على أول ذكرى منك، أو أول نظرةٍ شاردةٍ تشبهك.

كلما رأيتُك صامتًا، شعرتُ بأنَّ الكون يضيق عليَّ، وكأنّ حزنك يُبدِّل لون السماء في عينيَّ.

وكلما أظلمَ وجهُ يومك، انطفأت في أيامي شموعُ الأمل القليلة، تلك التي كنتُ أعيش عليها كما يعيش الغريق على آخر جرعة هواء.

لقد أصبح قلبي مرآةً لقلبك، يُعيد وجعك كأنه صدى قديم، لا يُريد أن يزول.

ما عدتُ أُميز بين حزني وحزنك، ولا بين دموعي ودموعك، ولا بين أنيني وأنينك.

لقد تداخلنا حتى لم يبقَ فينا منَّا شيءٌ خالصٌ لذاته.

صرنا كصفحتين من كتابٍ واحد، كلّ حرفٍ في الأولى يُكمل الثانية، وكلّ سطرٍ في الثانية يُعيد صدى الأولى.

ولستُ أدري، أهذا حبٌّ أم ابتلاء؟

أهي رحمةٌ أن يتقاسم اثنان وجعهما، أم لعنةٌ تُضاعف على كلٍّ منهما عذاب الآخر؟

غير أنِّي ما عدتُ أملك حيلةً في صدّه، فقد رضيتُ بهذا الألم كما يرضى السجينُ بسجنه حين يألفُ الجدران، ويميل إلى صمته الطويل، لا لأنّه يهوى القيود، بل لأنَّ الحريةَ لم تَعُد تشبهه.

إنَّ في الحزنِ نوعًا من الصفاء لا يعرفه إلا من تذوّقه حتى آخر قطرة، وفي البكاءِ طهارةٌ تُنقِّي القلب من زيف القوة.

وقد تعلَّمتُ أن من يُحبّ بصدقٍ، لا يخاف الوجع، بل يحتضنه كجزءٍ من الحب نفسه، كأنه الضريبة التي يدفعها القلب ليُثبت إخلاصه.

فما عاد يؤلمني الحزن كما كان، بل صار لي أنيسًا صامتًا، ألوذ به من ضجيج الدنيا، وأتحدَّث إليه حين يسكت الجميع.

وكم من ليلةٍ طويلةٍ جلستُ فيها أحدّث ظلي عنك، وعن هذا الألم الذي صار بيننا عقدًا لا يُنقَض.

أتأملك في خيالي، فيصيبني ما يُصيبك، وأراكَ تبتسم في غيابي فأبكي، لأني أعلم أنَّ تلك الابتسامة لم تولد من فرحٍ، بل من استسلامٍ يشبه ابتسامتي.

ويا لِقلبي الذي صار ظلًّا لقلبك!

لا حياة له إلا على وقع نبضك، ولا سكون له إلا حين تسكن، كأني ما خُلقتُ إلا لأحمل عنك نصف وجعك، وأُخفي عن العالم ما تبقى منه في صدري.

فإذا رآني الناس حزينةً قالوا: ما بالها؟!

ولا يعلمون أن الجوابَ في البعيد، في قلبٍ آخرَ يخفق هناك، كلما نزفَ، نزفتُ معه.

لقد استسلمتُ يا عزيزي، وما عاد في داخلي رغبةٌ في المقاومة.

صار الحزنُ عندي عادةَ نفسٍ، وصار صمتي صلاةً لا تُقال فيها الكلمات.

فإن سألتني يومًا ما الذي يبقيني؟ قلتُ: لا شيء إلا هذا الوجع النبيل الذي يربطني بك، وجعل من قلبي مرسىً لآلامك.

الحزن في قلبك… أحزان في قلبي.

تلك الجملة التي كانت في البدء وصفًا لِما أشعر، أصبحت اليوم قانونًا لوجودي.

فما عُدتُ أُطيق حياةً لا يُظلِّلها هذا الحزن، ولا أُريد قلبًا لا يوجعه ما يُوجعك.

فأنتَ، شاء القدرُ أم أبى، أصبحتَ حزني الجميل، وعذابي الذي لا يُفارقني، وصمتي الذي لا ينتهي.

ولعلنا نُبعث يومًا من جديد، لا في دنيا بلا وجع، بل في حياةٍ أخرى نكون فيها سكنًا لبعضنا، دون حزنٍ ولا افتراق.

أمَّا الآن، فدعني أعيش في ظلِّ هذا الألم ما دمتَ فيه، فما دام الحزنُ يسكنك، فالأحزانُ في قلبي باقيةٌ إلى الأبد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.