وتستمر الحياة


في سن المراهقة، كباقي الفتيات يتعرض لها الشباب في كل مكان، عربوناً على أنها أصبحت مؤهلة للزواج، لكنها لا تكثرت لأي أحد، ولا تلبّي النداء، أصبح داخل الحي متعارفاً على أن تلك الفتاة مختلفة عن الباقي، لا تقيم علاقات مع أحد، تهتم بدراستها فقط لا غير، لكن في أحد الأيام، تلك الفتاة اعترض طريقها شاب جميل ذو أخلاق حسنة، يسكن بالقرب منها، ومن تلك اللحظة أحبته، لكنها أظهرت عدم الاكتراث من جديد وأكملت طريقها.. وظلّت تجده كثيراً في كل مكان، ومرّت الشهور والسنين، وتلك الفتاة تنتظر منه القدوم إلى بيتها؛ ليطلب يدها، لكنه لم يفعل، وقد بقيت دوماً تراقب مروره لتراه في خفاء من خلف باب بيتها.

كبرت الفتاة وكبر الشاب أيضاً، وأصبحا في ريعان شبابهم، وفي هذه الأثناء عرفت الفتاة أن الشاب قد كوّن علاقة جميلة مع والدها، ففرحت فرحاً شديداً ظناً منها أنه قريباً سيتقدم لها، خاصة أنه كلما مرّت من أمامه علق عينيه بها، ولا يزيحها، وهي تلمحه بطرف عينها فتبتسم، ويبتسم هو أيضا، وقد كان هذا التواصل السرّيّ بينهما كافياً ليعترف كل منهما بحبه للآخر، وطال الانتظار.. وأصبح تفكيرها مشوشاً، لماذا كل هذا التأخير؟، هل ليست له الجرأة ليطلب يدها أم ماذا؟، لكن كان الأمل واسط بينهما، هي تترقب قدومه من جهة، وهو ينتظر إشارة منها تبعث له الاطمئنان، لكن في الأيام الأخيرة، لاحظت الفتاة أن الشاب أكثر من الظهور أمامها فجأة في كل مكان، بل تراه من النافدة يقف في رأس الشارع؛ لعلها تظهر فيراها، لكنها تعمدت ألا تظهر، وكأنها تريد أن يزداد شوقه؛ حتى يأتي به شوقه إلى باب بيتها طارقاً.

ومع مرور الأيام والأحداث، ازداد قلب الفتاة تعلقاً بذلك الشاب الوسيم، وذات يوم لاحظت اختفاء الشاب!، لم يعد يظهر كالمعتاد، فبدأت تتساءل، يا ترى هل هو مريض أم ملّ من الوضع؟، لكنها علمت أنه قد سافر، ففرحت وشعرت بالراحة نوعاً ما؛ لأنه ليس مريضاً، ولكنها في الوقت ذاته شعرت بالخوف، وعدم الاطمئنان، وتشوّش تفكيرها مرة أخرى، ما سبب سفره؟

وشردت في وابل من الأفكار المبعثرة، وفجأة عادت لوعيها قائلة: لا لا، مستحيل، هل فعلاً سيكون سبب سفره هو الزواج ؟!، اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها أخفت مشاعرها، وقامت تفكر في مكان آخر بعيداً عن الأنظار.

إلا أنها بعد أيام قليلة، رأته ماراً كعادته من أمام بيتها، ففرحت فرحاً كبيراً، وضحكت وغمر السرور عينيها الجميلتين، واحمرّت خدودها، وقالت: الحمد لله ها هو ذا قد جاء، ثم فجأة! اندثر كل ذلك السرور والفرح، وعادت لتفكيرها، ماذا إن كان قد تزوج؟، فعودته لا تدل على أي شيء.

وفعلاً، وصلها خبر زواجه من تلك المدينة التي سافر إليها، تسمّرت مكانها دون حراك.

فعن أي خيبة تتحدثون؟!، ذلك البصيص من الأمل قد انطفأ، والظلام قد حلّ، وغيّم على وجه تلك الفتاة الحزن والأسى.

تحطمت، وتساءلت كثيراً، لماذا فعل بها هكذا؟، لماذا كان يعاكسها؟، ولماذا كان يلاحقها في كل مكان؟، لماذا سمح لها بالتعلق به؟، ولماذا كان ينظر إليها بتلك الطريقة الغريبة؟، ولماذا عندما أراد اللعب واللهو فقط طاردها هي؟، وعندما أراد الاستقرار والحلال بحث عن أخرى من مدينة أخرى لا يعرفها؟، ما هو المميز بتلك الفتاة؟، أم هو مجرد نصيب؟، لماذا اختار تلك الفتاة ولم يخترها هي؟، أليست هي الفتاة التي لاحقها لسنوات؟، أم لأنها ليست من قريته؟، هل فعلاً ذلك التمييز العصبي جعل منه الابتعاد عنها؟.

وقطعت تفكيرها قائلة: لا لا، سأجنّ، ما هو السبب الذي جعله لم يتزوجني؟، وقالت ربما لأنني فقيرة ولست غنية، ولكن ابتسمت، وقالت يكفيني أنني أمتلك كرامة وسمعة تهد الجبال، ورغم كل هذا، ظلت الفتاة تفكر في سبب تلك الخيبة، يا ترى هل عروسه جميلة؟، هل هي صغيرة؟، لا يهم، لقد تزوج، استيقظي من الأحلام، وانظري إلى الحياة من زاوية أخرى؛ لعله النصيب والقدر، لعل الله يخبئ لك الأحسن، المهم أن لا أحد يعلم بحبك له، وهذا يكفي لتدافعي عن كرامتك وكبريائك بكل ثقة وعزة.

واست الفتاة المسكينة قلبها الحزين المخذول بهذه الكلمات، وحاولت أن تعالج جرحها العميق، الذي لا تقدر أن تبوح به إلى أحد، بل هي مجبرة على كتمانه، ودفنه بقلبها حتى الموت، مجبرة على التظاهر بأعلى مراتب النضج.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب