وباء كورونا كوفيد 19 وسؤال درجة الخطورة على المجتمع-بقلم :ذ عبد الواحد المالكي- مهتم بالقضايا الاجتماعية والتربوية

تقديم

عرفت سنة 2020 تداولا عالميا واسعا لمفهوم الأخطار الصحية التي باتت تهدد المجتمعات، سواء منها المتقدمة أو تلك السائرة في طريق النمو.

وقد رشح وباء كورونا كوفيد 19 من أخطر الأوبئة التي هددت ذلك المخلوق البشري الذي يمشي على قدمين على مر التاريخ.

لقد ساهمت وسائل الإعلام من خلال القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي والصحف الإلكترونية، منذ إعلان خطر وباء كورونا دوليا، في نشر ثقافة  جديدة وخاصة حول هذا الفيروس الجديد الذي غير حياة البشر تغييرا جذريا، وما كانت الثقافة الجديدة ،التي لا زالت ماضية في طور الإنشاء والتشكل، لتتداول بشكل عالمي معولم لولا هذا الإنفجار المعلوماتي الذي شهده القرن 21.

ويمكن التأكيد على أن  أنماط عيش الإنسان فوق الكوكب الأزرق قد تأثرت بشكل ملفت للنظر، ذلك بعد إعلان فترة الحجرة الصحي والدخول في حالة الطوارئ  الصحية في صيغتهما الأولى، وأمام الخطر الذي بات يواجه الإنسانية بشكل عام على وجه البسيطة، اتخذت مختلف حكومات دول العالم إجراءات قانونية تدبيرية للمرحلة تميزت بنوع من الصرامة، ذلك عن طريق فرض التباعد الاجتماعي كإجراء قانوني من أجل حماية صحة الإنسان من وباء أودى بحياة [1]412.088 شخصا وإصابة 7.281.154 شخصا في العالم، فيما سجلت 3.592.016 حالة شفاء من المرض وإصابة 19.997 حالة جديدة بالمرض.

وهو ما يدفعنا لطرح الأسئلة الإشكالية التالية:

هل يعتبر وباء كورونا أخطر وباء هدد حياة البشرية على وجه الإطلاق على مر التاريخ؟

ما مميزات الثقافة الجديدة  التي أنتجتها  البشرية  لمواجهة الخطر، من أجل البقاء والمحافظة على النوع الاجتماعي؟

وباء كورونا كوفيد 19 وسؤال درجة الخطورة على المجتمع

لعل كل محاولة للإجابة على سؤال يتعلق بدرجة خطورة وباء كورونا تبقى جد صعبة، إن لم نقل مغامرة، ما لم تستند على دلائل علمية منطقية ومعقولة.

ولتلمس درجة خطورة كورونا كوفيد19 ينبغي مقارنته بباقي الأمراض الفتاكة ، خصوصا تلك التي تشبهه نوعا ما بخصوص حجم تأثيرها على الكائن البشري.

حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، توفي حوالي 56,4 مليون شخص في العالم خلال عام 2015 م، وقد تم اكتشاف حوالي 46,4٪ من تلك الوفيات التي نتجت عن 7 أمراض فقط، وسنحاول أن ندرج تلك الإحصائيات بهدف الاعتماد عليها في المقارنة  وتلمس درجة خطورة وباء كوفيد 19.

وفيما يلي ترتيب الأمراض السبعة حسب درجة خطورتها خلال سنة 2015 م

1- داء الشريان  التاجي الذي بلغت نسبة فتكه 15,5٪ من كافة  حالات الوفيات المسجلة في العالم سنة 2015، وقد بلغت نسبة  الوفيات الناجمة عنه حوالي 8,8 ملايين شخص.

2- السكتة الدماغية، الذي تسبب في حوالي 11,1٪ من الوفيات عالميا سنة 2015.

3- عدوى الجهاز التنفسي السفلي، حيث تسبب في 5,7٪ من حالات الوفاة عالميا سنة 2015(يعتبر هذا المرض من الأمراض المعدية).

4- داء الانسداد الرئوي المزمن، حيث تسبب في 5,6٪ من الوفيات سنة 2015.

5-سرطانات الجهاز التنفسي: وقد تسببت تلك الأنواع من السرطانات في وفاة 1,7٪ مليون شخص حول العالم سنة 2015، أي قرابة 3٪ من الوفيات خلال تلك السنة.

6-داء السكري: يعتبر هذا المرض مسؤولا عن وفاة 2,8٪ من الوفيات في العالم سنة 2015

7-الزهايمر وأمراض الخوف الأخرى: تسببت هذه الأمراض في وفاة نحو 2,7 في العالم سنة 2015 م.

فقد حصد فيروس كورونا إلى حدود 9/06/2020  ما يناهز 412.088  خلال الفترة الممتدة ابتداء من تاريخ ظهور المرض بمدينة ووهان الصينية ، ومن ثم  انتشاره بمختلف بقاع العالم، لتزداد الحصيلة بشكل متسارع وملفت للنظر يوما بعد يوم وشهر تلو الآخر قبل فرض التدابير الوقائية الصحية بالعديد من بلدان العالم، من أجل الحد من سرعة انتشار الوباء، إذا ما تمت مقارنة عدد الوفيات التي تسبب فيها وباء كوفيد 19 حول العالم مع عدد الوفيات التي تسبب فيها داء الشريان التاجي والذي صنف كأخطر مرض فتاك خلال سنة 2015، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل  بأن وباء الشريان التاجي أكثر فتكا بالإنسان من وباء كورونا المستجد، حتى ولو أودى هذا الأخير بحياة مليون شخص في العالم خلال سنة 2020.

لقد  قمنا فيما سبق بمقارنة خطورة وباء كورونا مع السبعة  الأمراض الأكثر خطورة في العالم سنة 2015 م من منظور إحصائي كمي حسب ما أفادت به منظمة الصحة العالمية بخصوص هذا الموضوع.

والآن سنحاول ما أمكن النبش في تاريخ الجائحات في العالم والتي تسببت في حصد أرواح كثيرة لكنها لم تحد مطلقا من الوجود البشري إلى حدود الساعة.

  •       الطاعون الأنطوني

الطاعون الأنطوني: تم تسجيله سنة 165 ميلادية ، وقال  عنه المؤرخ الروماني كاسيوس ديو بإن الوباء الذي تسبب في وفاة ما لا يقل عن ألفي شخص يوميا حينئذ.

  •      الطاعون الأسود

عرفت أوروبا ما بين سنتي 1348 و 1349 ما عرف باسم الطاعون الأسود الذي أودى بحياة حوالي مقتل 20 مليون شخص.

  • طاعون جستنيان

انتشر في جميع  أنحاء الإمبراطورية البيزنطية في آسيا وأفريقيا وأوروبا بين عامي 541 و 542، وتشير الوثائق إلى أن هذا الوباء ظهر أولا في مصر ثم انتقل إلى القسطنطينية حيث كانت الإمبراطورية البيزنطية تحصل على احتياجاتها من الحبوب من مصر، وقد أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا ، وذلك بحسب منظمة الصحة العالمية،ثم توالت  الحائحات  واحدة تلو الأخرى  والتي واجهتها البشرية،فكان لها التأثير الواضح على المجتمع والسياسة والإقتصاد.

و يمكن ذكر أوبئة أخرى عانى منها الإنسان في هذا الصدد  خلال حقب تاريخية مختلفة، كطاعون لندن العظيم –الحمى الصفراء – الطاعون العظيم بمدينة مارسيليا الفرنسية – الكوليرا – طاعون منشوريا – الأنفلونزا الإسبانية – أنفلونزا الخنازير – إيبولا.... لنصل إلى وباء كورونا المستجد الذي لا زالت البشرية تتخبط معه، في عصر وسم بالحداثة المفرطة والتطور في شتى المجالات، ومنها التطور الملحوظ في علم الأوبئة.

لا شك بأن الإنسانية لم تواجه مختلف الجائحات بنفس الطريقة أو الكيفية، نظرا للتراكم المعرفي والمعلومات المجمعة حول مكافحة الأمراض، ومن دون شك  أنها ساعدت إنسان اليوم في مواجهة الأمراض الخطيرة، وهوما يجعلنا نقر بأن حتى الإجراءات الاحترازية والتدابير الإجرائية المعتمدة دوليا الآن بخصوص مكافحة كوفيد 19 هي نتيجة معاناة الإنسانية  مع الجائحات الخطيرة، رغم تفرد الفيروس الغريب الأطوار بمنهجية  خاصة في الفتك وحصد الأرواح.

إذن يمكن أن نتلمس بأن  دروس وأزمات  تاريخ انتشار الأوبئة في العالم ساهمت بشكل كبير في نشر ثقافة محاربة الأمراض من خلال الأبحاث والتجارب  العلمية.

ربما قد تبدو حصيلة فتك وباء الطاعون الأسود جد مرتفعة وخطيرة مقارنة  مع وباء كوفيد 19 الذي نجده حصد 412.088 إلى حدود  تاريخ 09/06/2020 منذ بداية انتشاره، لكن لا يجب أن نغفل بأننا قارنا فقط عدد الوفيات دونما الرجوع إلى الإمكانات التي توفر عليها العالم خلال 2020 و 1349، فهناك 671 سنة ضوئية كفارق زمني  بين ظهور الوبائين.

وهذا يدفعنا إلى استنتاج بأن وباء كوفيد 19 وباء خطير فعلا رغم عدد الوفيات المسجلة في العالم والتي تبدو حصيلة ضعيفة إذا ما قارناها مع أوبئة أخرى من حيث نسبة الفتك في العالم.

وقد أشار الدكتور المصري علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، إلى أن بداية من عام 2020 بلغ عدد الوفيات بسبب الأنفلونزا العادية 80 ألف حالة على مستوى العالم، بينما توفي  2360 حالة فقط بسبب كورونا في نفس المدة.

إذن هذه معلومة أخرى تبين دائما بأن وباء كورونا يظل فعلا وباء خطيرا، ولكن ليس أخطر وباء على الإطلاق إلى حد الآن.

بعد أن وقفنا على حقيقة  خطورة وباء كورونا رغم الحرب العالمية التي شنت ضده ، سواء من أجل القضاء عليه أو التقليل من حدته، سوف نحاول كشف الستار عن الثقافة الجديدة التي ظهرت مع انتشار وباء كورونا.

وباء كورونا نحو التأسيس  لثقافة جديدة لمواجهة الجائحات

لقد عرفت  معظم دول العالم ارتباكا كبيرا بخصوص مواجهة وباء كورونا المستجد منذ ظهوره بمدينة ووهان الصينية، وذلك الارتباك لم يسبق تسجيله خلال القرن الواحد والعشرين بنفس الحدة في مواجهة فيروسات أخرى فتاكة، كأنفلونزا الخنازير مثلا...

وتجدر الإشارة إلى أنه قد سجلت ردود أفعال مختلفة خلال الأسابيع الأولى من اجتياح  المرض في العالم بعد هجرته السرية غير المعلنة إلى مختلف بلدان العالم.

لم يستقر في البداية رأي أغلب الدول المتقدمة كإنجلترا ، سويسرا، فرنسا، إيطاليا على قرار محدد بخصوص فرض الحجر الصحي من عدمه كإجراء احترازي لمواجهة وباء كوفيد 19، رغم إعلانها حالة الطوارئ الصحية، حيث أصبحنا نسمع بمناعة القطيع في مقابل الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي.

ما فتئت عدد الأرواح تتساقط بوثيرة ملفتة للنظر في العالم، وخصوصا  في الصين ، إيطاليا، فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية وحتى أمريكا. وبعد ازدياد خطر وباء كورونا ، حتى اضطرت كل بلدان العالم إلى الدخول الإجباري في فترات من الحجر الصحي قابلة للتمديد إلى جانب حالة الطوارئ الصحية، حسب سرعة انتشار المرض ودرجة الخطورة وحصيلة  الإصابات والوفيات وكذا نسبة التعافي.

وتتشابه  تقريبا الإجراءات الوقائية التي اعتمدتها مختلف بلدان العالم بخصوص مواجهة خطر جائحة كوفيد 19.

ويمكن ذكر أبرز تلك التدابير الوقائية الاحترازية التي تم اعتمادها كما يلي:

-منع تنظيم التظاهرات التي تعرف تجمعات عمومية، بما في ذلك المواسم والمهرجانات...

-إغلاق المقاهي والمطاعم والقاعات السينمائية والمسارح وقاعات الحفلات والأندية الرياضية والحمامات وقاعات الألعاب في وجه العموم.

-توقيف الدراسة بجميع الأقسام والفصول الدراسية، وكل أشكال وأنواع التكوينات التي تستدعي الحضور.

-إغلاق أبواب المساجد .

-اتخاذ مجموعة من الإجراءات التنظيمية، التي تهم تدبير وسائل النقل العمومي، دون أن ننسى التدابير الوقائية الأخرى التي تم اعتمادها بخصوص الرحلات الجهوية والبحرية.

فما يمكن تسجيله هو أن حياة البشر أثناء مواجهة فيروس كورونا ليست هي تلك الحياة التي كان ينعم بها قبل الجائحة، حيث لوحظ تقلص لهامش الحرية الشخصية بخصوص التجول والسفر والتجمع، وكذا ممارسة العديد من الأنشطة سواء منها الثقافية، الرياضية، الفنية وحتى السياسية.

لعل من نافلة القول بأن العالم تأثر صحيا، اقتصاديا، اجتماعيا من خطر الجائحة التي ظهرت ولم تختف بعد...، ذلك لأن التأثر كان واضحا على جميع المستويات والأصعدة، لكن  بالموازاة مع ذلك كانت هناك مقاومة عنيدة وشديدة ولا زالت من طرف الإنسان في مواجهته الخطر الفجائي، سواء أكان فردا أو جماعة أو مؤسسات.

وبما أن تجربة الحظر الصحي وإجراءات الطوارئ الصحية أثبتت نجاعتها باعتبارها ثقافة جديدة لمواجهة فيروس مستجد، فقد بات السلاح الوحيد الذي استندت عليه العديد من بلدان العالم لوقاية الناس من خطر وباء كورونا هو تمديد فترات الحجر الصحي وحالة الطوارئ، باعتمارهما حلول واقعية وملموسة في ظل عدم التوصل إلى أي علاج أو لقاح يريح البشرية من خطر كورونا الفتاك.

على سبيل الختم

لا شك أن وباء كورونا من أخطر الأمراض التي انضافت إلى سجل الجائحات في العالم، بعد أن صنفته منظمة الصحة العالمية  في البداية كوباء خطير وبعد ذلك كجائحة بالنظر لسرعة انتشاره ودرجة فتكه للبشر في العالم.

لكن إذا استندنا إلى نسب الوفيات التي أودى بها فيروس كورونا مقارنة مع أوبئة أخرى معدية وفتاكة، فيمكن القول بأن وباء كوفيد 19 ليس أخطر مرض على الإطلاق على امتداد التاريخ إلى حدود سنة 2020 ، وأنه أثار حافظة المجتمعات لابتكار أنماط عيش جديدة في ظل الحجر الصحي وحالة الطوارئ الصحية من أجل استدامة العيش في انتظار رحيل فيروس عنيد.

لائحة المصادر

رئيس الأدوية:80 ألف شخص ماتوا بالإنفلونزا العادية بالعالم في 2020...فيديو،Elbalad.news/4196147، اطلع عليه بتاريخ 9/6/2020.

موقع BBC فيروس كورونا: تعرف على تاريخ الأوبئة في العالم،https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech-51675634، تمت الإطلاع عليه بتاريخ 9/6/2019

إحصائيات فيروس كورونا في العالم COVID-19 تحديث مباشر

https://www.dailymedicalinfo.com/coronavirus ، اطلع عليه بتاريخ 9/6/2020

Ann pietrangelo and kimberly holland(2019) , The Top 10 Deadliest  Diseases, helthline.com/health/top-10 dealiest-deseases#cad,visited on 9/6/2020

 

 


 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.