تُعد أزمة تناقص الكتلة الحيوية للحشرات من أبرز القضايا البيئية التي تثير جدلًا علميًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية اليوم، لما لها من تداعيات شديدة الخطر على استقرار السلاسل الغذائية والنظم الإيكولوجية.
يتناول هذا المقال التحليلي الخلاف القائم بين الفرق البحثية عن الأسباب الحقيقية وراء هذا التراجع المقلق، مسلطًا الضوء على التناقض بين النظريات التي تعزو الظاهرة إلى الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، وتلك التي تفسرها كجزء من دورات بيئية طبيعية ناتجة عن الأعاصير والاضطرابات الجوية.
باستعراض البيانات الميدانية في غابات بورتوريكو المطيرة، سنغوص في أعماق هذا التباين العلمي لنفهم مدى دقة الاستنتاجات الحالية، وما إذا كنا نواجه حقًا خطر الانقراض الشامل للحشرات أم أنها مجرد تقلبات بيولوجية معقدة تتطلب مزيدًا من البحث والتدقيق لإنقاذ كوكبنا.
أظهرت دراسة ميدانية في غابات «لوكويللو» المطيرة ببورتوريكو انخفاضًا حادًا في الكتلة الحيوية للحشرات بنسب تتراوح بين 65% في مظلة الأشجار و98% في المصائد الأرضية مقارنة بالسبعينيات؛ وعلى الرغم من إرجاع الباحثين هذا الانهيار البيئي إلى ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ، فإن فرقًا بحثية أخرى تعزو التراجع إلى دورات طبيعية متكررة من الرواج والكساد تستجيب للاضطرابات الجوية والأعاصير.
يتساءل كثير من المراقبين والمحبين للطبيعة: ما الذي يتسبب في اختفاء الحشرات فجأة؟
إن سبب اختفاء الحشرات يرتبط بالتغيرات السريعة التي تطرأ على البيئات الطبيعية، فتؤدي الأنشطة البشرية الجائرة وتدمير البيئات الأصلية، إضافة إلى التقلبات المناخية الحادة، إلى اختلال التوازن الذي يحفظ حياة هذه الكائنات الصغيرة، وهو ما يفسر سبب اختفاء الحشرات في كثير من المناطق في أنحاء العالم بشكل متسارع وغير متوقع.
ومع التقلبات الحادة التي يشهدها كوكب الأرض، يثور تساؤل جوهري في الأوساط العلمية: هل الحشرات تنقرض؟ أو بشكل أدق: هل حدث انقراض للحشرات فعلًا في عصرنا الحديث؟
تشير البيانات التاريخية إلى أن الإجابة هي نعم؛ فكثير من النظم البيئية فقدت توازنها تمامًا، ما يفتح الباب أمام سؤال آخر حول ما هي الحشرات المنقرضة؟ مثل فراشة كوليدج المكسوة بالخضرة، وجندب جبال المطبخ الصخري، وغيرها من الأنواع التي اختفت تمامًا نتيجة للزحف العمراني الجائر وتدمير الموائل البرية. هذا الواقع يثبت للكثيرين كيف أن التغيرات البيئية الحادة تجعلنا نواجه حقيقة قاسية وهي أن الحشرات تنقرض وتواجه خطر الفناء الحقيقي.

واقع الحشرات المفقودة يدق ناقوس الخطر!
استطاع باحثان أن يعثرا على أدلة تؤكد أن عدد الحشرات في غابة ممطرة في بورتوريكو في حالة تناقص، بيد أن فريقًا آخر من الباحثين يشكك في ذلك.
التوازن البيئي في جبال لوكويللو
في بلاد العجائب البيولوجية في جبال لوكويللو (Luquillo) في بورتوريكو، حيث تتمايل حية البواء (Boas) ختالة، وتزحف الأنول (Anoles) الزمردي على أشجار تابونوكو ذات الأراضي المنخفضة، وتزين نباتات البروميلية (Bromeliads) الرقيقة غابات قمة الجبل، وببغاوات الجزيرة التي تقتات العلف في المظلة الكائنة هناك، وعند إشراقة ضوء الفجر، تزدهر أجواء الغابة المطيرة، مزدانة بأنغام متسقة من نقيق آلاف الضفادع إيحاءً لفترة التزاوج، وما يعزز هذا التلاحم الإيكولوجي أن عالم الطبيعة يعج بكثير من المفصليات، ولذلك فإنه عندما أبلغ الباحثان بما توصلا إليه من نتائج خلال بحثهما في الخريف الماضي بشأن انهيار مجموعات اللوكويللو من الحيوانات بسبب تغير المناخ، أصيب العالم بصدمة كبيرة وانتابهم القلق، فكانت ردة الفعل على شبكة الإنترنت مروعة.
دراسات تثير القلق العالمي
وقد وصفت صحيفة الجارديان البحث بأنه «مثير للقلق لحد بعيد»؛ فقد صرح أحد العلماء لصحيفة واشنطن بوست مؤكدًا أن الانهيار كان «يحذر من خطر شديد». الدراسة التي أجراها عالما الأحياء براد ليستر (Brad Lister) من معهد رينسيلير المتعدد التقنيات وأندريس غارسيا (Andres Garcia) من الجامعة الوطنية المستقلة بالمكسيك، ونُشرت في أعمال الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS).
وقد نُشرت عبر صفحات الإنترنت (حتى إنني حصلت عليها من طريق ذلك) وقد جرى الاستشهاد بنتائج هذه الدراسة في أكثر من (75) دراسة أكاديمية منذ نشرها.
وقد حظيت هذه الدراسة بكثير من الاهتمام، بعدِّها مصدرًا مرجعيًا لبيانات مثيرة للقلق بين مجموعة ضخمة من كم متزايد من الأدلة التي تؤكد أن حشرات الأرض قد تسرع نحو شكل ما من أشكال نهاية العالم.
تشكيك في دقة الاستنتاجات العلمية
حري بنا أن نشير إلى أن عملية جمع المعلومات العلمية قد تكون افتراضية، والآن يعتقد العلماء الذين لديهم برنامج لوكويللو (Luquillo) طويل الأجل للبحوث البيئية (LTER) الذي عمل على تقديم كثير من البيانات التي تستند إليها استنتاجات «ليستر» و«غارسيا» ــ أنَّ كثيرًا من هذه الاستنتاجات غير صحيحة.
ولا يشكك هؤلاء الباحثون في حقيقة أن تغير المناخ يحدث في بورتوريكو، أو أن تقلص الحشرات أو انحسارها يمثل قضية شديدة الخطر. إنهم لا يرون ثمة دليل على وجود صلة بين الاثنين في هذا النظام البيئي بعينه. بل إنهم بدلًا من ذلك يرون غابة مطيرة تشهد دورات عميقة من الرواج والكساد في الاستجابة للاضطرابات مثل الأعاصير.
وفي محاولة لوضع الأرقام القياسية في نصابها الصحيح، سجَّل الباحثون في الربيع رسالة تفنيد رسمية، وقدموا عروضًا في كثير من المؤتمرات، وكان آخرها في اجتماع الجمعية البيئية الأمريكية.
وعلى الرغم من ردة الفعل هذه، فإن «ليستر» و«غارسيا» يقفان موقفًا حاسمًا وفقًا لاستنتاجاتهما: فحتى مع البيانات المنقوصة يقولان إن ما وجدناه مدعاة للقلق.
منهجية البحث والملاحظات الميدانية
وقد جاءت بذرة دراستهما الأصلية مستمدة من بيانات محطة الأرصاد الجوية في لوكويللو، حيث أجرى «ليستر» مسحًا ميدانيًا لهذه المنطقة في سبعينيات القرن العشرين. وقد أصبح مهتمًا بحشرات الغابة المطيرة بعد أن لاحظ أن درجات الحرارة قد ارتفعت في موقعين بمقدار درجتين مئويتين تقريبًا (3.6 درجة فهرنهايت) في العقود التي تلت ذلك.
تشير بعض الأدلة المختبرية إلى أن الحشرات الاستوائية قد تكون شديدة الحساسية؛ نتيجة لارتفاع درجة الحرارة. وهكذا عاد إلى المكان نفسه الذي درس فيه الحشرات في عامي 1976م و1977م لمعرفة ما إذا كانت الغابة قد تغيرت أم لا؟ وفي رحلات عدة من العام 2011م حتى 2013م، وضع الباحثان «ليستر» و«غارسيا» المصائد اللاصقة على الأرض وفي المظلة، واستخدما شبكات المسح لجمع الحشرات وتقدير وفرة كل منها.
وقد كانت النتائج التي توصَّلا إليها مثيرة للقلق: فبالمقارنة بنتائج السبعينيات، أظهرت الدراسات الاستقصائية التي أجريت في المدة من العام 2011م حتى 2013م أن الكتلة الحيوية للحشرات أقل بنسبة 98% في المصائد الأرضية، وأقل بنسبة 83% في الشباك الماسحة، وأقل بنسبة 65% في مصائد المظلّة. كما وجد العالمان أن هناك ما يقرب من 60 بالمائة من الأخاديد الأقل، وهي مجموعة متنوعة من السحالي التي تعيش على أكل الحشرات.
ولوضع هذه البيانات المثيرة للقلق في سياق أوسع، نظر «ليستر» و«غارسيا» إلى وفرة الجماعات الأحيائية الأخرى من الحيوانات، مثل المفصليات، وحشرات العصي، والضفادع، والطيور، في أماكن أخرى من الغابة.
وفي كل حالة، بدت مجموعات البيانات الطويلة الأجل (LTER) التي تم جمعها على مدى عقود عدة من الزمان، وكأنها تؤكد مخاوف الباحثين: فكل شيء كان في تقلص وانحدار. وبعد أن أظهر الباحثان أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بانخفاض تركيزات الأرض، ووفقًا لما ذكره ليستر، تخلص من العوامل الأخرى مثل المبيدات الحشرية، وقد خلص الباحثان إلى نتيجة مفادها أن تغير المناخ هو السبب الرئيس، والمتهم الأكثر ترجيحًا.

مراجعة البيانات وفحص مصادرها
عندما نشر «لستر» و«غارسيا» النتائج التي توصَّلا إليها في أكتوبر، اعتقد تيم سكوالتر (Tim Schowalter) عالم الحشرات في جامعة ولاية لويزيانا، الذي قضى عقودًا في مسح الحشرات في لوكويللو، وقد بدت أفكار الباحثَيْن متماسكة. وكانت مجموعات بحثية أخرى في أوروبا تعمل على توثيق ظاهرة اندثار الحشرات في الأمد البعيد؛ وبدا هذا وكأنه دليلٌ على أن مثل هذا الاندثار قد يكون عالميًا.
يقول مايك ويلّيج (Mike Willig)، الباحث الرئيس المشارك في برنامج البحوث البيئية طويلة الأجل في لوكويللو، إن أول رد فعل له كان: كيف فاتنا هذا؟!
ولم يكن الأمر قبل أن يجتمع الباحثون في برنامج البحوث البيئية طويلة الأجل (LTER) لمحاولة الإجابة على هذا التساؤل أنهم بدأوا في ملاحظة بعض المشكلات.
وكان تقرير «ليستر» و«غارسيا» عن ارتفاع درجات الحرارة القصوى بمقدار درجتين في متنزه LERD's El Verde من بين أول الأمور التي وُضعت في الحسبان.
وعندما قام علماء البحوث البيئية طويلة الأجل (LTER) بفحص البيانات التي يستند إليها هذا الرقم، وجدوا أن ليستر وغارسيا قد دمجا سجلين لدرجة الحرارة، أحدهما من العام 1975م حتى 1992م، والآخر من العام 1992م إلى وقتنا الحاضر. فهما يزعمان أن هذه السجلات لا يجب أن تجمع بين هذين السجلين.
جاء الأول من محطة تضررت بفعل إعصار هوجو في العام 1989م؛ أما المحطة الثانية فقد تم تركيبها في العام 1992م. وبتركيب المحطة الثانية، بدأت تسجيل درجات حرارة أعلى بدرجتين مئويتين تقريبًا من المحطة الأصلية، نتيجة لتبديل أجهزة القياس، حسب ما أكده برنامج البحوث البيئية طويلة الأجل (LTER).
وفي السجل الثاني، الذي يتوافق مع معظم البيانات المتوفرة بكثرة في الحيوانات، التي قام بفحصها «ليستر» و«غارسيا»، فهناك في واقع الأمر اتجاه للتبريد على المدى الطويل. وتفسير ذلك: يعتقد فريق (LTER) أن أرضية الغابات صارت أكثر ملاءمة للحياة مع عودة الظلة بعد إعصاري هوجو وجورج.
ويقول الباحثون إن أية علاقة بين الجماعات الأحيائية للحيوانات ودرجات الحرارة التي تستند إلى ما ورد بالسجل المشترك يجب أن تُعامل كمشتبه بها.
القيود المفروضة على قراءة الإحصاءات
قد اعتمد «ليستر» و«غارسيا» على مجموعات البيانات الطويلة الأجل (LTER) من دون النظر بشكل كامل في القيود المفروضة على البيانات. على سبيل المثال، عندما قام الباحثان بتحليل الاتجاهات في المفصليات بالمظلة من العام 1990م حتى العام 2010م، قاما بدمج البيانات التي جمعها «سكوالتر» عبر مختلف أنواع الأشجار في رسم بياناته الاستقصائية.
ولكن «سكوالتر» لم يكن قد أخذ عينات من الأشجار عشوائيًا؛ ففي كل عام كان يأخذ عينة شجرة واحدة من الأنواع المختارة لتمثيل الأشجار المتتالية المبكرة والمتأخرة، فضلًا على أشجار الطبقة السفلى (Understory)، وأشجار الطبقة الأعلى (Overstory)، إذ يؤكد «سكوالتر» أن كل نوع من هذه الأشجار يمثل موطنًا ملائمًا لحياة مجموعة معينة من المفصليات، وسيؤدي المزج بين جميع البيانات إلى تمثيل المفصليات على الأشجار النادرة، ثم إنه يمثل تمثيلًا ناقصًا لتلك الموجودة على الأشجار الأكثر شيوعًا.
كما كان لدى الباحثين تحت مظلة برنامج البحوث البيئية طويلة الأجل (LTER) أيضًا بعض التحذيرات بشأن تحليل عمليات مسح صيد الطيور، حيث وجد «ليستر» و«غارسيا» انخفاضًا بنسبة 90% في الطيور الكائنة في بورتوريكو التي تتغذى على الحشرات في المدة من العام 1990م إلى 2005م.
ولكن هذا التستر لم يكن قادرًا على وضع القدر نفسه من الجهد في تلك المسوحات الشاملة كل عام. في بعض السنوات، قضى العلماء وقتًا طويلًا في الميدان في محاولة لصقل الطيور (وبذلك صيدها بكميات أكثر)، على حين أنهم في سنوات أخرى لم يبذلوا ما بذلوه من جهود في السابق (على قلة عددهم). ولتقييم الاتجاهات مع مرور الوقت في هذه البيانات، يقتضي الأمر تصحيح الاختلاف في الجهد.
حتى في الحالات التي اتفق فيها الفريقان على ذلك، فإن تفسيراتهما للسبب الأساسي اختلفت.
سبب اختفاء الحشرات؟
ولقد وجد كل منهما أن الحشرات العصية على المشي اختفت مع مرور الوقت، ولكن الباحثين التابعين لبرنامج البحوث البيئية طويلة الأجل (LTER) لم يروا أية صلة بين هذا الاتجاه وارتفاع درجات الحرارة. بل إنهم يعتقدون بدلًا من ذلك أن اتجاهات العصا والذراع، إلى جانب كثير من الديناميكيات السكانية الأخرى، يمكن تفسيرها بالتأثيرات التي تخلفها الأعاصير والتعاقب البيئي اللاحق، مع تغير مدى توفر الغذاء والظروف المحيطة بالغابة.
يقول ويليج: «من وجهة نظرنا أن درجة الحرارة ليس لها أي تأثير»، أما بخصوص الطريقة التي تم بها تحليل مجموعات البيانات وتفسيرها، فإننا نرى أنه من السابق لأوانه تمامًا أن نقول إنها نتيجة لدرجة الحرارة؛ لنتجنب أي مناقشة قد تكون السبب في إحداث أي قلق أو اضطراب».
الدفاع العلمي والردود المتبادلة
وقد طرح العلماء جميع قضاياهم في رسالة تحمل تفنيدًا مفصلًا، نشرته وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية (PNAS) في أواخر مايو، إلى جانب رد من «ليستر» و«غارسيا». وقد تم التواصل مع «ليستر» هاتفيًا فدافع عن تحليله.
وإنه للتعامل مع التناقضات بين سجلات درجة الحرارة للفيردي (El Verde)، استخدم «ليستر» تصحيحًا لدمج مجموعات البيانات -على حد قوله- كما بحث البيانات المستقلة من محطة الأرصاد القريبة بيسلي (Bisley).
(يقول الباحثون في برنامج البحوث البيئية طويلة الأجل (LTER) إن تعديلات «ليستر» على بيانات «إل فيردي» (El Verde) كانت «خاطئة» وإن بيانات محطة بيسلي مختلفة بطبيعتها لأن المستشعر مثبت فوق غطاء الغابة وليس بالقرب من أرضيتها) يؤثر اتجاه التبريد في النصف الأخير من سجلات «إلفيردي» El Verde؟ ليس نتيجة لتظليل المظلة، وإنما هي جزءٌ من ظاهرة عالمية؛ حيث توقف الانحباس الحراري العالمي في مختلف أنحاء العالم.
ولقد وافق «ليستر» بعد أن أيقن أن الأشجار لم تؤخذ منها عينات عشوائية، على أن بيانات «سكوالتر» بشأن المفصليات بالمظلات لا ينبغي أن يتم استقراؤها في الغابة المطيرة بالكامل. ووافق أيضًا على ضرورة إعادة النظر في بيانات الطيور، حيث افترض أن الباحثين يجرون جهودًا مماثلة لأخذ العينات كل عام، استنادًا إلى المعلومات التي يمكن أن تتوافر على الشبكة.
وقال: «لا شك أن الأعاصير قادرة على التأثير على الديناميات السكانية. ولكنه يرى في هذه الحالة تأثيرات أقصر أمدًا «مفروضة على هذه الانخفاضات الطويلة الأجل والمستمرة».
وأخيرًا، أكد «ليستر» أن التدهور في المفصليات والسحالي الذي رآه في بياناته الميدانية الخاصة - من سبعينيات القرن العشرين وحتى 2010م - كانت صارخة للغاية. واستأنف حديثه قائلًا: «إنه استنتاج محدود في غابة معقدة مكانيًّا». ومن ثم «فنحن بحاجة إلى مزيد من البيانات».
نقاشات الخبراء حول دورات حياة الحشرات
وهذه نقطة من المرجح أن يتفق عليها باحثو الحشرات. وتعتقد إلسا يونغستيدت (Elsa Youngsteadt)، الاختصاصية في علم البيئة في جامعة ولاية كارولينا الشمالية، أن التفنيد يثير تساؤلات جدية، ولكن لا ينبغي لنا أن نستبعد النتائج التي توصلت إليها الدراسة الأصلية برمتها، وخاصة في ضوء الملاحظات الميدانية التي أبداها الباحثان.
وأعربت عالمة الحشرات جيسيكا وير (Jessica Ware) من جامعة روتجرز عن شعور مماثل. حيث تقول وير: «أعتقد أنه من الضروري إعادة تحليل البيانات ــ وهذا ما نفعله بداهة في مجال العلم». أما الدرس المستفاد من هذه الدراسة فهو أن «ما نفتقده من معلومات»، بل حتى أفضل بيانات الحشرات هي في واقع الأمر مثيرة للقلق والاضطراب.
وأكدت كريستي باهلاي (Christie Bahlai) وهي اختصاصية في علم الحشرات في جامعة ولاية كينت: «إن أعداد الحشرات تنتشر صعودًا وهبوطًا على غير وتيرة محددة كالمجنونة». حيث «من الممكن أن يكون توجد فروق في الحجم بين السنوات، وهذه دورة عادية لوجود الحشرات في هذا الموطن أو ذاك».

تحديات إثبات التناقص العالمي
تعني هذه القيود أن دراسة منفردة ليست دليلًا كافيًا على نهاية عالم الحشرات. وتصرح مانو سوندرز (Manu Saunders)، من علماء الحشرات في جامعة نيو إنجلاند في أستراليا قائلة: «يكاد يكون من المستحيل إثبات انحدار الحشرات على مستوى العالم في كل مكان على نحو لا لبس فيه».
وتؤكد: أن إظهار انخفاضات لنظام بيئي واحد فقط يتطلب «بيانات مستمرة لمدة تتراوح ما بين 10 إلى 15 سنة أو أكثر بواسطة أنواع متعددة من الموائل وكل حشرة في النظام» كما يعتقد كثير من علماء الحشرات أننا وصفنا جزءًا فقط من الحشرات الموجودة هناك.
يقظة مطلوبة لحماية الكوكب
لا يعني أي شيء من هذا أن الأدلة على الانحدار لا ينبغي أن تكون مثيرة للقلق. بل على العكس من ذلك تمامًا، لا بد أن تعمل مثل هذه الأدلة على حث العلماء لمحاولة تكرار الدراسات، أو إعادة التحقق من البيانات القديمة التي أُخذت مسلمات للاستناد عليها. وترجو «وير» من «ليستر» و«غارسيا» أن يجريا ذلك على دراستهما على وجه التحديد ــ بصرف النظر عن عدد استنتاجاتها التي قد تحتاج إلى مزيد من التدقيق.
ثم تقول: «لقد كانت النتيجة النهائية للدراسة دعوة لنا جميعًا لأن نستيقظ ونتأهب، ونعيد النظر فيما توصلنا إليه من نتائج بالتحقق مما لدينا من بيانات، وتحديد مواقعنا الميدانية». وصراحة فإنني سعيدة جدًّا لما أثارته هذه الدراسة، فيكفي أنها أيقظت مشاعرنا -التي كادت أن تتبلد- نحو عالم الأحياء الذي تغص به البيئة من حولنا، وما اعترى الكوكب من تغيرات قد تعصف به.
يتبين لنا أن الجدل العلمي الدائر عن اختفاء الحشرات في غابات بورتوريكو يمثل نموذجًا مصغرًا للتحديات التي يواجهها علماء البيئة في تحليل الظواهر المعقدة. فعلى الرغم من تباين الآراء بين تأثيرات التغير المناخي والتقلبات البيئية الطبيعية، يظل الثابت الوحيد هو أن التنوع البيولوجي لكوكبنا يمر بمرحلة حرجة تتطلب المراقبة الدقيقة.
يجب ألا تدفعنا هذه الخلافات الأكاديمية إلى التراخي، بل لتكون جرس إنذار يحفز المجتمع الدولي والباحثين على تكثيف الجهود والدراسات الشاملة طويلة الأمد، إن حماية عالم الحشرات هي في جوهرها حماية للشبكة الغذائية كلها وللأمن البيئي الذي يعتمد عليه الوجود البشري مستقبلًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.