واخيرا رحلت بطلة مسلسل السقوط في بئر سبع غير مأسوفاً عليها

رغم شهرتها الواسعة ربما يتسأل أحدهم على عنوان مقالي لما بغير رجعة رحلت انشراح ولماذا زيل عنواني للمقال بغير مأسوفاً عليها والاجابة. لأنها مرض يشبه (الجرب) فأي انسان يخون بلده هو " جرب وانشراح لا يجب تسميتها الا بجرب احاط بمصر بعد نكـسة عام1967 واحتلال اسرائيل لشبه جزيرة سيناء حيث تبدأ قصتنا هذه المرة.

حكاية انشراح:

فتبدأ حكايتنا من مدينة المنيا حيث ولدت انشراح علي موسى عام 1937 لأسرة متوسطة الحال.. وبرغم التقاليد المتزمتة في ذلك الوقت دخلت الفتاة الصعيدية المدرسة وواصلت تعليمها حتى حصلت على الشهادة الاعدادية عام 1951.

وبعد نجاحها بأيام قليلة أراد والدها مكافأتها فاصطحبها معه الى القاهرة لحضور حفل عرس أحد أقاربه.

كانت انشراح ذات وجه جميل وعينان نجلاوان.. وجسد دبت به معالم الأنوثة وخرطته خرطاً. فبدت أكبر كثيراً من سنها.. مما لفت الأنظار اليها واخترقتها سهام الباحثين عن الجمال.

فكانت تقابل تلك النظرات بحياء فطري غلف ملامحها مما أزادها جمالاً فوق جمالها.

وفي حفل العرس اصطدمت نظراتها البريئة بنظراته، فتملكها الخجل وتوردت خدودها للسلع لذيذ أحست به يجتاح مشاعرها، فيوقظها من رقدتها، معلناً عن مولد مشاعر جديدة غزت عقلها وقلبها لأول مرة.

كان فتاها الذي حرك فيها دماء الأنثى هو " إبراهيم سعيد شاهين " ابن العريش المولود عام 1929الذي ما غادر الحفل إلا وعرف عنها كل شيء. وبعد أيام قلائل فوجئت به يطرق باب بيتها في المنيا برفقته والده. طارت انشراح من السعادة وحلقت بين السحب بخيالها تستطلع مستقبلها الهنيء، فمنذ رأته في الحفل انغرس حبه بصدرها، وباتت ليالي تحلم به وتترقب الليل لتسرح معه طويلاً، وتطوف مع نظراته الحانية في عوالم الأمل والحبور.

إبراهيم شاهين

كان هذا "الابراهيم" الذي لا يحمل من اسمة ولا جنسيته شيئا فلسطينيا يقيم في مصر ويعمل محاسبا في مديرية العمل بالعريش واعجب للتو بفتاتة "انشراح موسى" بعد أن رآها بصحبة والدها في القاهرة في حفل زفاف أحد أقاربها فقرر خطبتها.

ولكن يقف اعتراض والدتها الشديد بعدما علمت أنه يعمل بالعريش وليس بالتأكيد لأنه فلسطينياً ففلسطين على طول الزمن كانت قطعة من قلب المصريين ولكن نظرا لبعد المسافة بين القاهرة وسيناء حائلا دون ذلك.

انزعجت الفتاة الصغيرة عندما اعترضت والدتها في أمر زواجها منه، وبكت بحرقة وهي ترى أحلامها الوردية تكاد أن تتحقق، ثم سرعان ما تنهار في ذات الوقت، دون أن تقدر على عمل شيء.

ولكن وأمام عيونها الصامتة، سألها والدها:

أتوافقين عليه يا ابنتي..؟

فكان في صمتها إجابتها..

وأعلنت الخطبة.

وفي أول حديث مع خطيبها صارحته بأنها أعجبت به مذ رأته في حفل القاهرة. وازداد إعجابها به حينما سعى وراءها حتى المنيا ليطلب يدها.

وأكد لها الشاب الولهان أنه تمناها زوجة له منذ النظرة الأولى. ويومها عاهدها ألا تضيع منه أبداً.

وفي حفل أكثر من رائع انتقلت انشراح الى بيت الزوجية في العريش تحفها السعادة بحبيبها الذي أيقظ فيها مشاعر دفينة لم تكن تدركها، وأرسل الى قلبها سهام الحب فأسلمت اليه نفسها، وتدفقت موجات متلاحقة من الحب مع كل نبضة من نبضات قلبها الصغير.

ومرت بهما الشهور حلوة هنيئة تحفل بالبشاشة والانسجام. فلم يكن إبراهيم يرى في الدنيا زهرة أجمل من وجه حبيبته. ولا يسمع صوتاً أرق من صوتها. ولا يظل عقله بمكانه كلما انفرد بها وهي ترقص له بملابسها الشفافة. فهي تحب الرقص ويستهويها الجنس، وهو يعشق هذا الجسد الذي يتلوى وينثني أمامه عارياً، وتحول الجنس عندهما كالهواء، ماتا لو لم يتعاطيانه كل يوم، إنه يطلبه منها صراحة، وتطلبه هي تدللاً، وبنظراتها فوران من الرغبة كالجحيم. وكانا إذا ما أظلتهما سحابة حزن فسريعاً ما تنقشع، حتى اشتهر حبهما بين الأهل والأقارب وبدا قوياً عتياً لا يقطعه الملل أو يضعفه الكلل.

ولكن دوام الحال من المحال، فبعد الزواج ومرور الايام تغير الحال وأصبح مثلها مثل أغلب المتزوجين الجدد الحلو والمر يكسو حياتهم، فسرعان ما رزقا بمولودهما الأول نبيل في العام 1955، ومن بعده محمد في العام الذى يليه مباشرة 1956، ثم جاء بعدة عادل عام 1958، فكبر البيت وأمتلأ ضجيجاً وصخبا ولكن ذادت الحاجة خاصة وانهما هما الاثنان حاصلان على الاعدادية بالكاد وافكارهم لا تحمل سوى تعليم ابنائهم وايصالهم الى اعلى المراتب.

وفى العام 1963م اتفقا على إرسال الأولاد إلى عمهم في القاهرة، ليواصلوا دراستهم هناك، ويبتعدوا عن حياة البداوة التي يتسم بها المجتمع العريشي.

بالتأكيد لم ينته الامر هنا فلم يكن ابراهيم رجلا عاديا فلقد كان رجلا طماعاً غير راض بحالة فبعد ثلاث سنوات من عام ارسال الاولاد بعد ثلاث سنوات فقط ضُبط إبراهيم يتلقى رشوة على أثرها أحيل إلى المحاكمة وسجن ثلاثة أشهر.

وعندما خرج بالتأكيد لم تعطه الحياة وجها جميلا وهو رجلا مرتشى منبوذا فقد قابلته الحياة بوجهها القبيح الصلف، فكشرت له عن انيابها وقلبت وجهها ليعيش أيامًا عجافا.

الفقر والجوع والمخابرات:

لسوء الحظ او لحكمة من الله سبحانه وتعالى جاءت نكـسة يونيو 1967م، والتي على أثرها احتلت إسرائيل سيناء ليسد الاحتلال الطريق أمام سفر إبراهيم وزوجته إلى القاهرة، وانقطع الأمل في رؤية أولادهما، وراحت انشراح تبكي قسوة الايام والفقر وبعد الأولاد، فقد أصبح إبراهيم عاجزا عن شراء أبسط الأمور الضرورية للحياة.

وسط ذلك المناخ تظهر " الاعيب شيحة " أقصد الاعيب المخابرات حيث كانت المخابرات الإسرائيلية تعمل بنشاط زائد في مناطق سيناء المأهولة بالسكان، وتسعى لاصطياد العملاء الذين يقعون في شباكها بسبب حالة الحصار والجوع التي يعاني منه الكل فالفقر هو الأرض الخصبة لكل شيء خاصة لدى ضعاف الايمان والنفوس.

ضاقت أرض سيناء الرحبة على سكانها، فقد وضعت سلطات الاحتلال قيودًا على حركة سكانها، ومنعت الانتقال من مدينة إلى أخرى إلا بتصريح من الحاكم العسكري الإسرائيلي لسيناء، وبدأت أسر كثيرة تعانى الجوع والعوز، وسادت حالة من المرارة تجرعها الجميع، لكنهم تحـلوا بالصبر مع اليقين بالله أن ما تم هو حالة مؤقتة وحتما سيأتي الخلاص.

لكن ابراهيم كان أضعف من ذلك اليقين فمع ازدياد السوء في الاحوال يزداد السوء في حالة إبراهيم، فلم يعد هناك طعم لأي شيء.

لا طعم للطعام ولا الشراب ولا حتى " الجنس " فجسد انشراح راح يزبل ولم يعد كما هو في السابق، يمكن القول أن شبح الموت جوعًا خيّم على ذلك البيت الهش ضعيف البنيان.

فما زالت زوجته تبكى حظها على تلك الزيجة الحزينة التي جرفتها من القاهرة الصاخبة الى تلك الاجواء العريشية البدوية وحتى ان رضت بها فهي الان لم ترض بها فزاد الاحتلال بها الطين بلة، فهي الان أيضاً تفقد رؤية ابنائها، فلم يتمالك إبراهيم نفسه وقرر الخنوع متجهاً الى مكتب الحاكم العسكري الإسرائيلي يطلب منه تصريحا له ولزوجته بالسفر إلى القاهرة.

البداية:

وظل أيامًا عدة يتـردد على مكتب الحاكم العسكري وهم يماطلونه في استخراج تصريح السفر إلى القاهرة، لم يكن الأمر يحتاج الى أكثر من ما حدث ذلك اليوم الحزين عندما صـرخ في وجه أحد الضباط بأنه فـقد عمله ودخله ولا يوجد في منزله رغيف خبز.

نعم هذا هو الوقت المناسب ليضرب ذلك الضابط الإسرائيلي ضربته، حيث طمأنه الضابط وكان يسمى بــ «أبو نعيم»، بالنظر في أمر التصريح في أقرب وقت، ودار بينهما حديث غير قصير، انتهى بأن عطف أبو نعيم على إبراهيم وأعطاه كيس دقيق وبعض أكياس الشاي والسكر، فحملها فرحا إلى زوجته وهو يزف إليها قرب حصوله على التصريح بالسفر إلى القاهرة.

مرت أيام وإبراهيم يذهب كل يوم إلى أبو نعيم كي يفي بوعده، لكن لم ير أية بادرة أمل في إمكان سفرهما إلى القاهرة، ولولا كيس الدقيق الذي أخذه لمات جوعًا هو وزوجته. الى ونظراً للتأخير الكبير فقد إبراهيم تقريبًا الأمل في السفر.

وذات صباح فوجئ إبراهيم بمن يستدعيه إلى مكتب أبو نعيم، ولما ذهب إليه أخبره بأن الحاكم العسكري وافق على منحه تصريح السفر هو وزوجته، فتهلل وجه إبراهيم فرحا وسرورا، لكن الضابط أكمل كلامه قائلا: جاءت موافقة الحاكم العسكري مشروطة.

 

الشرط الذي جعل من شاهين جاسوساً:

"جاءت موافقة الحاكم العسكري مشروطة" والشرط هو أن تأتيه بأسعار الفاكهة والخضار في القاهرة، والحالة الاقتصادية للبلد بواسطة أخيك الذي يعمل بالاستيراد والتصدير.

علّق إبراهيم على ذلك بأنه شرط بسيط للغاية، وبإمكانه القيام بذلك على خير وجه، وقال إنه سيأتيهم بأسعار الخضار والفاكهة والسلع الاستهلاكية كلها والسمك أيضا، ولو طلبوا أكثر من ذلك لفعل، وكان استجابة إبراهيم السريعة بمثابة اجتياز للاختبار الأول من قبل أبو نعيم، وكان عليه، أن يحيله إلى الضابط المخـتص لإكمال المهمة، فدوره ينحـصر فقط في الفرز والترشيح.

في اليوم التالي توقفت سيارة جيب عسكرية أمام منزل إبراهيم، وطلب منه الجندي مرافقته إلى مكتب الأمن، حيث كان ينتظره ضابط يدعى «أبو يعقوب»، بالغ في الترحيب به بدعوى أن أبو نعيم أوصاه به، فشكره إبراهيم وأثنى كثيرا على أبو نعيم، وامتد الحوار بينهما وقتا طويلا، استـشف أبو يعقوب من خلاله حاسـته المخابراتية أن إبراهيم يدرك ما يبتغـيه منه، فطلب منه أن يذهب إلى بئر سبع، حيث مكتب الأمن الرئيسي المختص بالتعامل مع أبناء سيناء.

وهناك استضافه الإسرائيليون وأكـرموه، ولوحوا له بإغراءات ما كان يحلم بها، نظير تعاونه معهم في جمع معلومات عن مصر، وسلموه دفعة أولى مبلغ ألف دولار وهو الذي لم يكن يملك ثمن علبة سجائر، ووعدوه بتأمين حياته هو وذويه في العريش.

وهكذا تحوّل إبراهيم في بئر سبع من مواطن ذهب للحصول على تصريح بالسفر، إلى جاسوس وقّع في فخ الخـيانة ضد بلده وباع نفـسه للشيـطان.

والحقيقة وليس بالغريب على شخصية مثل شخصية ابراهيم أنه لم يبد أي نوع الاعتراض أو حتى جزء من المقاومة والرفـض أو حتى مجرد الامتعاض، بل وافق على الفور في أن يعمل مع الموساد،

والحقيقة أيضاً أن هذا ما كانوا يتوقعونه منه بعد أن درسوا حالته وعرفوا كل شيء عنه وكيف أنه يحب المال بشكل جنوني ويمكنه أن يفعل أي شيء في سبيل الحصول عليه.

وبعد عدة تدريبات متخصصة اتقن ابراهيم العمل، وتعلم إجادة الكتابة وتظهير الرسائل بالحبر السري كما تعلم وسائل جمع المعلومات من الأهل والأصدقاء، وتدرب أيضا على كيفية التفريق بين الطائرات والأسلحة المختلفة، واجتاز الدورة بنجاح أذهل مدرّبيه نظرا لذكائه الشديد، ويبدو أن نجاحه هذا يعود للحالة الفطرية لدية للخيانة وتقبّل كل مفرداتها، وهنا وعدوه بحمايته في كل مكان حتى وهو بين أهله في القاهرة، لأن لهم عيوناً في كل مكان.

وفي هذه الدورة تدرب إبراهيم أيضا على كيفية بث الشائعات وإطلاق النكـات الساخرة من الجيش والقادة، إلى جانب الاحتراز وامتلاك الحس الأمني، ولقّنوه شكل الاستجواب الذي سيتعـرض له من قبل الأمن المصري حين وصوله إلى القاهرة، وكيف ستكون إجاباته التي لا تثـير أية شكوك.

ابراهيم يفجر مفاجأة في عالم الجاسوسية:

كما قلنا لم يكن ابراهيم رجلا عادياً، فالفعل كان فريداُ ومفاجأته اكثر تفرداُ حيث تمحورت في أن ابراهيم لم يقم بعمله مع الموساد بمفرده شأن أغلب الجواسيس المعتادين، بل ولم يخفي حقيقة تورطه مع الموساد وعمله معهم عن زوجته انشراح موسى، فعندما عاد إبراهيم إلى منزله محملا بالهدايا وجيبه عامر بالنقود، سألته زوجته عن مصدرها فقال لها بكل جرأة إنه أرشد عن مخبأ فدائي مصري فكافأه الإسرائيليون بألف دولار، ووعدوه بمنحه التصريح خلال أيام،

فعانقته بكل سرور، وقالت له: "كانوا سيمسكون به عاجلا أم آجلا"، ولما سألها: "ألا يعد ذلك خيانة؟"، قالت بلهجة استنكارية: "لا لا مستحيل تكون خيانة، كان غيرك هيبلغ ويأخذ الألف دولار، أنت عملت الصح"، ثم قال لها إبراهيم: "لقد عاملوني بمنتهى الكرم، ووعدوني بالكثير بسبب إخلاصي، وتعهدوا بحماية أهلي وأقاربي إذا ما تعاونت معهم في القاهرة"، ولما سألته عن كيفية التعاون معهم ونوعه وهو في القاهرة قال لها: "طلبوا مني موافاتهم بأسعار الخضار والفاكهة في مصر نظير 200 دولار لكل خطاب"، ففرحت بالمقابل وسرحت بخيالها بعيدًا.

كان تعليق انشراح أنها كي لا تكون خائفة عليه يجب أن يطلعها على رسائله أولا بأول، وأن تشطب هي أية معلومات ترى أنه لا داعي لإرسالها، فاتفقا على ذلك، وكان ذلك تعبيرا عن رغبتها في أن تكون شريكته.

وبعد وصوله الى القاهرة تقدم ابراهيم إلى ادارة المهاجرين المصريين وحصل على منزل في منطقة المطرية ومعاش شهري تد فعه الحكومة للمهجرين من مدن المواجهة.

بل لقد أعيد إلى وظيفته السابقة بعدما نقلت محافظة سيناء مكاتبها من العريش إلى القاهرة، وبعدما استقرت الأمور به قليلا، انتقل إلى حي الأميرية، ومن خلال المحيطين به في السكن والعمل بدأ إبراهيم في جمع المعلومات وتصنيفها، وكانت زوجته تساعده في كتابة رسائله بالحبر السري، وتكتب بالخطابات أنها شريكته في كل صغيرة وكبيرة، وكان بدوره يختم كل رسائله بعبارة "تحيا إسرائيل العظـمى"!

وتعمّق “إبراهيم” وزوجته سويا في بئر الخيانة الى الاعماق، حيث واصل ابراهيم وزوجته ارسال المعلومات المطلوبة بكل حماس إلى العناوين التي أعطاها له ضابط المخابرات الإسرائيلي ليراسلهم عليها، وكانت كلها عناوين في مدن أوروبية.

ثم بدأ إبراهيم يبحث عن غطاء للرخاء الذي ينعم به، فاتجه إلى تجارة الملابس والأدوات الكهربائية، وبواسطة المال والهدايا كان يتغيب كثيرا عن عمله من دون لومة لائم، وكانت رسائله لمكتب الموساد في روما لا تنقطع، مما حدا برجال الموساد إلى دعوته وزوجته إلى روما لاستثمارهما في مهام أكثر أهمية.

وفي مقابلة مع أحد القيادات العليا في الموساد، طلبت انشراح زيادة مخصصاتهما وأكدت صعـوبة الدور الذي يقومان به في سبيل جمع المعلومات وتصنيفها، ونظرا إلى أهمية المعلومات التي حصل الموسـاد عليها منهما.

لم تكن المخابرات الاسرائيلية لتبخل عليهما وهما الجوهرتان التي اهداها إليهم الاحتلال حيث تقرر لهما مكافأة سخية. وقد عادا من رحلتهما بآلاف الدولارات، بعد أن أتفق معهم ضباط الموساد على أن يتلقوا التعليمات بشفرة خاصة من خلال الراديو.

وبعد أن عاد الزوجان من روما قاما بتجنيد جميع أولادهم للعمل معهم، وزاد نشاطهما في عمل العلاقات وجمع المعلومات، وإرسال كل جديد أولا بأول للموساد، وكانت مصر وقتها تخـوض حر ب الاستـنزاف، والطيران الإسرائيلي يصل إلى عمق البلاد ويضرب الأهداف والمنشآت المدنية، فكان إبراهيم وزوجته يدوران ويصوّران المنشآت والمصانع ويرسلان الصور مع خريطة تفصيلية للمكان بمساعدة السيارة الجديدة التي اشتراها بأموال الموساد.

كما حقق ابراهيم وزوجته نجاحا كبيرا في النواحي المعنوية بسبب احتكاكهم بالمناطق الشعبية، وعاود الاثنان السفر الى بئر سبع مرة أخرى لتلقى دورات تدريبية متقدّمة في أعمال التصوير؛ لتصوير المنشآت والأسـلحة العسكرية المصرية، وحصلوا على كاميرات صغيرة تعمل تلقائيا في التقاط الصور ، كما تم زيادة أجرهم الشهري إلى ما يعادل  300دولار،

وبرغم هذا النجاح إلا أنهما فشلا في توقع نشوب حرب السادس من أكتوبر والتي كانت المخابرات الإسرائيلية قد وعدتهم بمبلغ مليون دولار كمكافأة في حالة توقعهما لميعاد الحرب وكان كل المطلوب منهما في هذه الحالة هو رسالة شفريه من كلمتين "يوم……".

وتصادف أن سافرت انشراح وحدها إلى روما يوم 5 أكتوبر وقابلها "أبو يعقوب" يوم 7 أكتوبر وأمـطرها بسيل من الأسئلة عن الحر ب وأتضح أنها لا تعرف عنها شيئا.

وأخبرها أبو يعقوب أن الجيش المصري والسوري هجما على إسرائيل وان المصريين قد عبروا القناة وخط الـموا جهة خط بارليف، وأمرها بالعودة فورا إلى مصر.

في بداية عام 1974 سافر ابراهيم إلى تركيا ومنها إلى اليونان ثم إلى تل أبيب حيث حضر اجتماعا خاصا على مستوى عال مع قيادات المخابرات الإسرائيلية الجديدة بعد أن أطاحت حرب أكتوبر بقيادات الموساد السابقة.

وخضع ابراهيم للاستجواب حول عدم تمكنه من معرفة ميعاد الحرب وأجاب ابراهيم بأنه لم يلحظ شيئا غير عادياً، بل أن قريبا له بالجيش المصري كان يستعد للسفر للحج، وأنه حتى لو كان يعلم بالميعاد فليس لديه أجهزة حديثة لإرسال مثل تلك المعلومات الهامة.

وبعد اجتماع مطول قرر قادة الموساد تسليم ابراهيم أحدث جهاز إرسال لاسلكي في العالم يتعدى ثمنه المائتي ألف دولار. فلقد كانت لديهم مخاوف تجاه الفريق سعد الدين الشاذلي الذي يريد تصعيد الحرب، والوصول الى أبعد مدى في سيناء مهما كانت النتائج، عكس السادات الذي كان يريدها حرباً محدودة.

دُرب ابراهيم لمدة ثلاثة أيام على كيفية استخدام الجهاز.. وعندما تخوف من حمله معه الى القاهرة، عرضوا عليه أن يذهب الى الكيلو 108 طريق القاهرة السويس الصحراوي. وهناك سيجد فنطاس مياه كبيرة مثقوب وغير صالح للاستخدام.. وخلفه جدار إسمنتي مهدم عليه أن يحفر في منتصفه لمسافة نصف المتر ليجد الجهاز مدفوناً. وأخبره ضابط الموساد الكبير أن راتبه قد تضاعف، وأن له مكافأة مليون دولار إذا ما أرسل للإسرائيليين عن يقين بميعاد حرب قادمة.

عاد ابراهيم الى أثينا ثم أنقره حيث تنتظره الأسرة. فقضوا أوقاتاً جميلة يستمتعون بالمال الحرام وبثمن خيانتهم.

 

نهاية كل خائن:

عندما رجعوا الى القاهرة استقلوا السيارة الى الكيلو 108 وغادرت انشراح السيارة وبيدها معول صغير. .وظلت تحفر الى أن أخرجت الجهاز. . فنادت على ابنها عادل الذي عاونها وحمله الى السيارة ملفوفاً في عدة أكياس بلاستيكية.. وعندما ذهبوا بالجهاز الى المنزل أراد ابراهيم تجربته بإرسال أولى برقياته فلم يتمكن من إكمال رسالته.. بعدما تبين له أن مفتاح التشغيل أصيب بعطل (ربما نتيجة الحفر بالمعول).

حزن الجميع.. لكن انشراح عرضت السفر لإسرائيل لإحضار مفتاح جديد.. وسافرت بالفعل يوم 26 يوليو 1974 ففوجئ بها أبو يعقوب ودهش لجرأتها.. وأراد الاحتفاء بها فأقام حفلاً صاخباً ماجناً على شرفها انتهى بليلة حمراء ضاع فيها شرفها كما ضاعت من قبل وطنيتها ولاحقاً ستضيع منها ديانتها هي الأخرى.

 أمتعت انشراح جسدها العاشق للجنس والذي لا يفرق بين حرام أو حلال المتعطش لفحولة أبو يعقوب. وأرقها الابتعاد عنه والحرمان من خبراته المذهلة وتفننه في إشباعها، ومنحها مكافأة لها 2500 دولار مع زيادة الراتب للمرة الثالثة الى 1500 دولار شهرياً (كان مرتب الموظف الجامعي حينذاك حوالي 17 جنيهاً).

وأثناء وجود انشراح في اسرائيل تائهة بين أحضان ضابط الموساد، كانت هناك مفاجأة خطيرة تنتظرها في القاهرة فعندما كان ابراهيم يحاول إرسال أولى برقياته الى إسرائيل بواسطة الجهاز استطاعت المخابرات المصرية التقاط ذبذبات الجهاز بواسطة اختراع سوفييتي متطور جداً اسمه (صائد الموجات) وقامت القوات بتمشيط المنطقة بالكامل بحثاً عن هذا الجاسوس. ومع محاولة تجربة الجهاز للمرة الثانية أمكن الوصول لإبراهيم بسهولة.

وفي فجر 5 أغسطس 1974 كانت قوة من جهاز المخابرات المصرية تقف على رأس ابراهيم النائم في سريره. استيقظ مذعوراً وفي الحال دون أن توجه اليه كلمة واحدة في هلع:

أنا غلطان، أنا ندمان، الجوع كان السبب، النكسة كانت السبب، اليهود جوعوني واشتروني بالدقيق والشاي.

ولكن هيهات انه الوطن (الوطن الذى لا يمكن بيعة مقابل حتى الحياة)

ولما فتشوا البيت عثروا على جهاز اللاسلكي ونوتة الشفرة.. والتزم ابراهيم الصمت، وكان بدنه كله يرتجف. سحبوه في هدوء للتحقيق معه في مبنى المخابرات العامة، بينما بقيت قوة من رجال المخابرات في المنزل مع أولاده الثلاثة تنتظر وصول انشراح، تأكل وتشرب وتنام دون أن يحس بهم أحد.

وعلى طائرة لإيطاليا رحلة 791 في 24 أغسطس 1974، وصلت انشراح الى مطار القاهرة الدولي قادمة من روما بعد شهر كامل بعيداً عن مصر، تدفع أمامها عربة تزدحم بحقائب الملابس والهدايا، ونظرت حولها تبحث عن زوجها فلم تجده، فاستقلت تاكسياً الى المنزل وهي في قمة الغيظ. وعندما همت بفتح الباب اقشعر جسدها فجأة، فدفعت بالباب لا تكترث، لكنها وقفت بلا حراك، وبالت على نفسها عندما تقدم أحدهم.. وأمسك بحقيبة يدها وأخرج منها مفتاحين للجهاز اللاسلكي بدلاً من مفتاح واحد. وكانت بالحقيبة عدة آلاف من الدولارات دسها الضابط كما كانت، وتناول القيد الحديدي من زميله وانخرست الكلمات على لسانها فكانت تتمتم وتهذي بكلمات غير مفهومة.. وقادوها مع ولديها الى مبنى المخابرات وهناك جرى التحقيق مع الأسرة كلها.

ولما كانت المخابرات الاسرائيلية لا تعلم بأمر القبض على أسرة الجواسيس.. وتنتظر في ذات الوقت الرسالة التي سيبعث بها ابراهيم ليطمئنوا على كفاءة عمل الجهاز، بعد ان كانت قد بثت رسالة للاطمئنان بعد عودة انشراح من إسرائيل فقام رجال المخابرات المصرية باستقبالها على الجهاز الإسرائيلي بعد أن قاموا هم بتركيب المفاتيح التي جاءت بها انشرح من تل أبيب، وبمجرد استقبال رسالة الموساد الإسرائيلي قامت المخابرات بالرد عليها بالرسالة الآتية .

"نحيطكم علما بأن المقدم ابراهيم شاهين والملازم أول انشراح قد سقطا بين أيدينا، ونشكركم على ارسال المفاتيح الخاصة بالجهاز، كنا في انتظار وصولها منذ تسلم ابراهيم جهازكم المتطور".

وفي ديسمبر 1977 تم تنفــيذ حكم الإعدام في الجاسوس إبراهيم شاهين، بينما أوقف السادات تنفيذ الحكم بالإعدام في انشراح ووافق على الإفراج عنها هي وأولادها الثلاثة، وتسليـمهم جميعاً إلى تل أبيب بناء على طلب منها، في صفقة لتبادل الجواسيس بين القاهرة وتل أبيب عام 1978.

وقد سافرت انشراح وأولادها بالفعل إلى إسرائيل كما طلبت، وهناك تهوّدت، وقامت بتغيير اسمها إلى "دينا بن دافيد".. أما نبيل فأصبح اسمه "يوشي" ومحمد أصبح "حاييم" وعادل أصبح "رافي"!!.

وظنت "دينا بن دافيد" ـ انشراح سابقاً أنها قد ذهبت إلي الجـنة الموعودة، وأنهم ـ أي الموساد ـ سيحتفون بها، لكنهم في إسرائيل عاملوها أسـوأ معاملة، فقد أهـملوها، وتخلوا عنها، لأنها خائنة، قبلت علي نفسها أن تخون وطنها.. ومن ثم فلا أمان لها.. ولم تجد أمامها سوي العمل في مهنة كانت بالفعل تستحقها.. فقد عملت عاملة نظافة في دورة مياه عمومية للسيدات في مدينة حيفا..

وأضطر ابنها نبيل أو "يوشي " ـ إلى الزواج من فتاة يهودية، وهرب بها إلى كندا، بحثاً عن عمل هناك حيث ألتحق هو وزوجته بعمل متواضع في مغسلة لغسيل الملابس!! وذلك طبقا لما نشرته جريدة يديعوت أحرنوت عن هذه الجاسوسة وأبناءها في تحقيق مطول لها نشر في عام 1989.

وفاة انشراح موسى:

اختفت الاخبار عن انشراح موسى بعد ان بلغ الصخب بها مبلغة ورغم ان صناع العمل التلفزيوني صنعوا لها مسلسلا أخذ انتشاراً واسعاً عن الجاسوسة التي عملت لصالح إسرائيل في مصر خلال حرب 1967

توفيت انشراح موسى عن عمر يناهز 87 عاما في مدينة تل أبيب بإسرائيل، وتم دفنها على الشريعة اليهودية.

وحسب المعلومات فإن موسى توفيت بعد صراع طويل مع مرض الاكتئاب.

وقال رافي بن دافيد نجل موسى قبل وفاته بشهرين "إنهما تعاونا مع إسرائيل ضد مصر خلال فترة نكسة 67".

وكشف أن اسم والدته الحقيقي انشراح علي مرسي، وليس موسى، وهي من مواليد 1937 محافظة المنيا، أما والده فهو إبراهيم شاهين، وهم ثلاثة أخوة عادل ونبيل ومحمد.

وأكد رافيل بن دافيد أو عادل شاهين، أنه "تم تغيير أسماء أشقائه للعبرية بعد خروجهم من مصر والتوجه للإقامة في إسرائيل، واعتناقهم اليهودية، حيث تم تغيير اسم والده إبراهيم شاهين إلى بن ديفيد، وكان اسمه داخل الموساد موسى، واختارت والدته انشراح موسى بعد دخولها إسرائيل اسم دينا بن ديفيد، وأصبح اسم شقيقه نبيل يوسي، وتغير اسم شقيقه الثالث محمد إلى "حاييم".

وحول رحلة التجسس وتجنيد العائلة من قبل الموساد الإسرائيلي، قال: كان أسفل منزلنا في العريش كبينة عسكرية فأبلغ والدي ضابط الموساد الإسرائيلي أبو نعيم بجميع التفاصيل الخاصة بها.

وتابع: "لم نكن أنا وأشقائي نعرف أي شيء عن أمي وأبي لمدة عام ونصف العام، وطوال تلك الفترة كنا نعيش في القاهرة، وتم تجنيد والدي من قبل الموساد الإسرائيلي، وعاد إلى مصر عن طريق الصليب الأحمر من الأردن، لجمع المعلومات الخاصة بأسعار السلع الأساسية والخضراوات، حتى يعلم حسن نواياهما.

وكشف، تفاصيل تجنيد والدته في الموساد، قائلا: سافرت والدتي إلى بئر سبع بصحبة والدي والتقيا ضابط الموساد أبو نعيم حتى تم تجنيدهما، وتطوير أدائهما، بعدما تيقن أنهما تحت سيطرته تماما، ويريدان التجسس لصالح الموساد الإسرائيلي ومن ثم جرت الاحداث التي تم سردها سابقاً ووفاة والدته على الديانة اليهودية.

يذكر أنه قد أعلن عن هذه العملية عندما نشرت الصحف الإسرائيلية موضوعا موسعا عنها في 26 نوفمبر 1989 تقول فيه أن المخابرات الإسرائيلية تلقت قبل حوالى شهر من حرب أكتوبر من أحد جواســيسها في مصر تحــذيـرات واضحة بأن مصر تنوى شن حـرب ضد إسرائيل، وأن هذا الـجاسـوس بعث بمعلومات في غاية الدقة عن تحركات الجيـش المصري في منطقة قناة السويس إضافة إلى تأكيده بأن المصريين قاموا بتحريك الجسور الخشبــية العائـمة الحاملة للجنود الى ضفة القناة.

تم الكشف عن تفاصيل هذه العملية من جانب المخابرات الإسرائيلية (الموساد) كمحاولة للرد على نشر القاهرة لعملية رفعت الجمال، فقد واجهت المخابرات الإسرائيلية حملات صحفية عنيفة داخل إسرائيل وخارجها تسخـر منها وتقلل من شأنها بعد تلك الفضـيحة المـدوية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

الخاءن خاسر لدينه على راى الجملة الشهيرة من عاش خاين مات كافر
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال جميل

ارجو ان تقرا مقالاتى و تعطينى رايك
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.