بينما كان العالم يراقب حروبًا كبرى في القرن التاسع عشر، كانت الصين تغرق في بركة من الدماء بسبب رؤيا غيبية لمعلم قروي محبط.
ثورة التايبينغ (أو مملكة السلام السماوي).. لم تكن مجرد تمرد عابر، بل كانت زلزالًا مدمرًا حصد أرواح ما يقرب من 30 مليون إنسان، وهو رقم يتجاوز ضحايا الحرب العالمية الأولى.
بدأت الحكاية بانهيار عصبي وانتهت بسقوط إمبراطورية، حيث امتزجت العقيدة المسيحية المشوهة بالحلم القومي الصيني، لتخلق صراعًا غيّر وجه آسيا للأبد.
فمن هو هونغ شيوكوان؟ وكيف استطاع إقناع الملايين بأنه "شقيق المسيح" المرسل لتطهير أرض الصين؟
من هو هونغ شيو تشوان؟
يُعد هونغ شيوكوان (1814–1864) شخصية تاريخية استثنائية أثارت جدلاً واسعًا في تاريخ الصين الحديث، فهو القائد الذي أشعل فتيل تمرد "تايبينغ"، إحدى أكثر الحروب الأهلية دموية في التاريخ البشري، والتي انتشرت في جنوب الصين، وكانت تهدف إلى إسقاط حكم أسرة (المانشو) الإمبراطورية.

وُلد هونغ شيوتشوان Hung Houi-chua لأسرة من الفلاحين الفقراء من قبيلة (الهاكا) Hakka (ومعناها الضيوف المستوطنون) في إقليم (كوانفتونغ) في جنوب الصين، وهي قبيلة هاجرت من شمال الصين إلى جنوبها في القرن الرابع الميلادي، ولها لغتها الخاصة وعاداتها وتقاليدها التي تختلف عن سكان جنوب الصين (الكانتونيين).
ولهذا فإن هذه القبيلة خاضت صراعًا مريرًا من أجل استمرار الحياة في المناطق الجنوبية، وهي متميزة بالشجاعة والشدة والروح القومية العالية المناهضة لأسرة الماتشو الحاكمة.
لذا لم يكن من الغريب أن ينتمي معظم زعماء ثورة (التايبنغ) ومنهم هونغ شيو تشوان إلى (الهاكا). وقد عُرف عنه أنه كان طفلًا (موهوبًا)، ولهذا حرصت أسرته على بذل تضحيات مادية كبيرة كي تتمكن من إلحاقه بالمدرسة، ولم يكن ذلك قبل بلوغه سن الرابعة عشرة.
وقد بذل جهدًا ذاتيًا في تعليم نفسه. وفي عام 1834م أصبح معلمًا في إحدى القرى. وحاول هونغ عدة مرات اجتياز الامتحانات الرسمية التي تؤهله للعمل في إحدى وظائف الجهاز الإداري الحكومي، ولكنه أخفق في كل المرات. وقد شكل إخفاقه المتكرر في امتحانات الخدمة المدنية الإمبراطورية منعطفًا حاسمًا في حياته وحياة الملايين من بعده.
رؤيا هونغ شيوكوان لإسقاط حكم المانشو
وفي عام 1837م، وفي مدينة (كانتون) وقع في يد هونغ بالمصادفة كتيب صغير باللغة الصينية أصدرته إحدى الإرساليات البروتستانتية المسيحية المنتشرة في الصين، وفي الجنوب بوجه خاص. ولم يهتم هونغ بهذا الكتيب في بداية الأمر، ولكنه قرأه باهتمام في فترة تالية.
بعد فشله للمرة الرابعة في الاختبارات عام 1837، تعرض هونغ لانهيار عصبي تخللته رؤى غريبة، ادعى فيها أنه صعد إلى السماء والتقى بشخصية أبوية سماوية كلفته بمهمة مقدسة.
وقد خرج باعتقاد بأن هذا الرجل هو الرب، وابنه هو السيد المسيح، وهكذا اعتقد أنه هو أيضًا ابن الرب، وأن السيد المسيح شقيقه، وأن الله قد عهد إليه برسالة خاصة هي أن يدمر شياطين الأرض -سلالة "تشينغ" المانشوية- وأن يقيم مملكة الرب.
الجذور والشرارة الأولى لثورة التايبينغ
يُعد تمرد "تايبينغ" (1850– 1864) واحدًا من أكثر الصراعات دموية وتحولًا في تاريخ الصين الحديث، وهو ثورة اجتماعية ودينية وسياسية شاملة كادت أن تطيح بسلالة "تشينغ" الحاكمة.

تلقى هونغ تعليمًا مسيحيًا لمدة شهرين لدى بعثة تبشيرية أمريكية في كانتون عام 1847م، ولكن المؤرخين يجمعون على أنه لم يتوصل إلى فهم سليم للمسيحية، وكان أكثر تعلقًا بمضمون (العهد القديم). وكان هونغ وأتباعه يكتبون كلمة (الرب) على قطعة من الورق ويركعون أمامها ويمارسون طقوسًا أقرب للعبادات الصينية القديمة.
ويعتقد بعض المؤرخين أن هونغ افتعل قصة الرؤوس الغيبية لكي يكسب الثقة، وليؤثر بالآخرين بدعوته السياسية. وقد أعلن هونغ شيوتشيوان وأتباعه في عام 1847م أنهم (عباد الله).
واستطاع أن يجمع حوله عدة آلاف من المريدين، معظمهم من فقراء الفلاحين من قبيلة (الهاكا) ومن قبائل أخرى غير صينية مثل (المياو) و(الياو)، وانضمت إلى حركته عدة حركات ومنظمات، بعد أن خاضت هذه الحركات والمنظمات معارك مسلحة ضد أتباع هونغ ولقيت الهزيمة أمامهم.
وهكذا امتزجت الأفكار الدينية (المسيحية كما كان هو يفهمها) والأفكار القومية والاجتماعية، لتشكل معًا نقطة انطلاق واحدة لثورة التايبنغ.
كيف حصل هونغ شيوكوان على هذا العدد الكبير من المتابعين؟
نشأ التمرد في مقاطعة "قوانغشي" الجنوبية نتيجة تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، حيث عانى الفلاحون من الفقر المدقع والفساد الإداري، بالإضافة إلى الهزيمة المذلة للصين في حرب الأفيون الأولى. واستغل "هونغ شيوكوان" هذا الاحتقان بنشر دعوته التي مزجت بين المعتقدات المسيحية المكتسبة من المبشرين وبين أفكار المساواة الاجتماعي.
بدأ هونغ ثورته في عام 1850م حيث دعا جميع (عباد الله) إلى حمل السلاح لمقاومة قوات الحكومة. ولكي يضمن ارتباط أتباعه به ارتباطًا كاملًا فإنه أحرق منازلهم وجعل كل ممتلكاتهم المنقولة ملكًا مشاعًا، وبهذه الإجراءات اكتسب تأييدًا قويًا لدى الفلاحين الفقراء، وخاصة من (الهاكا).
مملكة السماء والسلام الأسمى
خلال وقت قصير بلغ عدد أتباعه 10 آلاف شخص، وفي عام 1851، أعلن هونغ قيام "مملكة تايبينغ السماوية" ونصب نفسه ملكًا عليها، لتبدأ حربًا شاملة ضد جيوش الإمبراطورية. تمكنت قواته من السيطرة على مساحات شاسعة من وسط وجنوب الصين، واحتلت مدينة نانجينغ عام 1853 لتتخذ منها عاصمة للمملكة.

حاول قادة التايبينغ تطبيق نظام اجتماعي راديكالي يهدف إلى تغيير وجه المجتمع الصيني التقليدي. تضمن برنامجهم الإصلاحي إلغاء الملكية الخاصة للأراضي وتوزيعها بالتساوي، ومنع ممارسات قديمة مثل "ربط أقدام النساء"، كما فرضوا قوانين أخلاقية صارمة تمنع التدخين وشرب الخمر والمقامرة.
ورغم أن هذه الإصلاحات بدت متقدمة في بعض جوانبها، فإنها طُبقت بأسلوب ثيوقراطي (ديني) متشدد، مما خلق فجوة بين القيادة وطبقة المثقفين والكونفوشيوسيين المحافظين.
انتشار ثورة التايبينغ
بعد أن قاد هونغ شيو تشوان ثورة تايبينغ، تمكنت من الانتشار خلال السنوات التالية إلى 11 إقليمًا من أقاليم الصين الواقعة إلى الجنوب من نهر (اليانغتسي).
ويلاحظ المؤرخون أن نمط انتشار ثورة (التايبنغ) جغرافيًا مماثل لنمط انتشار الثورة الشيوعية في الصين بعد ذلك في الثلاثينيات من القرن العشرين.
واتخذ هونغ مدينة (نانكنغ) عاصمة لمملكته. وعندما حرك جيشه صوب الشمال بهدف احتلال بكين دبت حالة عامة من الذعر، حتى إن الحكومة اتخذت استعدادات لنقل العاصمة منها إلى المقر الصيفي للحكام (المانشو) في (ميبهول)، وبدا أن (التايبنغ) سيسيطرون على الصين بأكملها.
الانحدار: نهاية ثورة التايبينغ
رغم النجاحات العسكرية الأولى، بدأت المملكة السماوية تعاني من صراعات داخلية مريرة على السلطة بين قادتها، مما أضعف جبهتها أمام الهجمات المرتدة لجيش تشينغ المدعوم من القوى الغربية.
لم يستطع جيشهم الثوري في الواقع -بسبب نقص استعداداته القتالية- أن يتخطى المنطقة الواقعة إلى الجنوب من مدينة (تينتسن) فقد كان جيش هونغ يفتقر إلى الفرسان، وكان جنوده الجنوبيون غير قادرين على تحمل برد الشمال ولا حتى استساغة أطعمته.
وهكذا فشلت (حملة الشمال). وقد جرد هونغ جيشًا آخر اتجه غربًا بهدف السيطرة على (كيانغتسي)، و(آمنهوي)، و(هوبي)، و(هونان)، ولكنه اصطدم في (هونان) بخصم هو (تسنغ كيو- فان) الذي أدى دورًا رئيسًا بعد ذلك في قمع ثورة (التايبنغ).
وتعرض هونغ لأزمة حادة داخل صفوف حركته في عام 1856م اتخذت طابعًا دمويًا أودي بحياة عدد من قادتها وأتباعها بلغ ما بين 20 و30 ألف شخص.
وكان ذلك بمثابة نهاية المرحلة الهجومية لتلك الثورة، وبدأت مرحلة دفاعية ظلت صامدة فترة طويلة، بينما قوات الإمبراطورية تزحف نحو عاصمة (المملكة السماوية) نانكنغ. وسقطت المدينة فعلًا في صيف العام 1864م
النهاية المأساوية
انعزل هونغ في قصره غارقًا في تأملاته الدينية، بعيدًا عن إدارة شؤون الدولة والحرب. وفي عام 1864، ومع حصار قوات الإمبراطور لمدينة نانجينغ، توفي هونغ شيوكوان، وتشير أغلب المصادر إلى أن وفاته كانت نتيجة المرض أو الانتحار بتناول السم، لتسقط العاصمة بعد رحيله بفترة وجيزة.
وتنتهي الحركة التي تسببت في مقتل ما يقدر بنحو 20 إلى 30 مليون إنسان، على أيدي جيش تسنغ كيو - فان الذي خاض معركة ضد (التايبنغ) على أساس أنها معركة ضد النفوذ (المسيحي) الأجنبي، لمصلحة الروح الكونفوشية التقليدية الصينية.
ورغم فشل التمرد في النهاية، فإنه زعزع أركان الإمبراطورية الصينية للأبد، ومهد الطريق أمام الحركات الثورية والجمهورية التي ظهرت في القرن العشرين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.