تُعد الببليومينيا أو كما تُترجم بالعربية إلى (هوس الكتب) أو مرض حب الكتب أحد أنواع الوسواس القهري وهوس الكتب والاضطرابات النفسية الغريبة التي تتجلى في إحساس الشخص بسعادة كبيرة عند رؤية الكتب وامتلاكها بأي وسيلة. وظهرت كثير من الحالات المتطرفة في هوس الكتب عبر التاريخ التي تُصنف ضمن أغرب حالات الهوس، لكن حالة (ستيفن بلومبرغ) كانت الأغرب والأكثر شهرة على الإطلاق.
فما حكاية ستيفن بلومبرج؟ ولماذا عُدَّ أشهر سارق كتب في التاريخ؟ وكيف تم التعامل معه بعدِّه مريضًا بهوس جمع وامتلاك الكتب؟ وكيف يمكن للمصابين بهذا النوع من الهوس الشفاء منه؟ أسئلة تجد إجاباتها في هذا المقال، بالإضافة إلى كثير من النصائح والمعلومات المدهشة عن هوس الكتب في السطور التالية.
قصة ستيفن بلومبيرج سارق الكتب
مواطن أمريكي عادي لم يكن أبدًا ثريًّا أو صاحب أملاك كبيرة، وإنما عاش معتمدًا على عائد سنوي لا يتخطى 72,000 دولار، فقد كانت العائلة تمتلك صندوقًا ائتمانيًّا كمعظم العائلات الأمريكية. لكن ستيفن بلومبرج كانت له اهتمامات خاصة منذ صغره، تجلت في حب المنازل الفيكتورية التي كان يراها في طريقه إلى المدرسة، فكان يسرق النوافذ الزجاجية الملونة ومقابض الأبواب من تلك المنازل التي كان معظمها يتم تجهيزه للهدم ضمن مشروعات خاصة بالمدينة.
ومع الوقت أصبح ستيفن بلومبيرج يمتلك مئات الإكسسوارات التي تعود إلى تلك المنازل، إضافة إلى الاهتمام الجديد الذي بدأ ينشط فيه، وهو جمع الكتب القديمة في تحول واضح نحو هوس جمع الكتب القديمة بطرائق عدة لا يعلمها إلا بلومبرج نفسه، فأصبح لديه عدد كبير من الكتب كان من بينها كتب قيمة على المستوى المادي والعلمي وربما المستوى التاريخي والثقافي.

اعتقال ستيفن بلومبرج بعد عمليات سرقة الكتب النادرة
كان ستيفن بلومبرج الذي وُلِد عام 1948، في الثانية والأربعين من عمره عندما أُلقي القبض عليه عام 1990 بتهمة سرقة مجموعة كبيرة من الكتب تُقدَّر بـ23600 كتاب، وهو رقم خيالي يمثل مكتبة كبيرة قائمة بذاتها. إضافة إلى أن كثيرًا من هذه الكتب ذات قيمة عالية وتتصف بالندرة وغلاء الثمن والتنوع الكبير، فليست كل هذه الكتب في مجال واحد.
أما عن وسيلة حصول ستيفن بلومبرج على هذه الكمية الكبيرة من الكتب التي تعد من أغرب حالات الهوس، فقد سرق معظمها من المتاحف المنتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأثبتت التحقيقات أن السرقة تمت في 45 ولاية، والأغرب من ذلك أنه سرق أيضًا متاحف موجودة في كندا، إضافة إلى السرقة من مكتبات نادرة ومكتبات الجامعات، وأثبتت التحقيقات أنها 268 جامعة. ومع هذه الحقائق الصادمة اكتشفت السلطات الأمريكية أنها أمام حالة خاصة من حالات السرقة على مستوى الكم والكيف.
قدَّرت السلطات الأمريكية تلك المسروقات بقيمة 20 مليون دولار أمريكي قبل تخفيض المبلغ المقدر إلى 3.5 مليون دولار بعد وضع كثير من الاعتبارات في الحسبان. وعلى الرغم من ذلك تظل الأرقام تشير إلى أن ستيفن بلومبرج قد قام بأكبر عملية سرقة للكتب في تاريخ البلاد.
الحكم على أكبر سارق كتب في التاريخ
بدأت الصحف تشير إلى ستيفن بلومبرج بعدِّه أشهر سارق كتب في التاريخ، وليس في الولايات المتحدة وحدها. وكان إلقاء القبض على بلومبرج نتيجة تعاون بين قسم المخطوطات النادرة ومكتب التحقيقات الفيدرالي. وحوكم بلومبرج عام 1991، وحُكم عليه بالسجن مدة 71 شهرًا، إضافة إلى دفع غرامة تقدر بـ200 ألف دولار. وأطلقت السلطات على تلك الكتب التي صادرتها (مجموعة بلومبرج).
وكانت الحكومة الأمريكية قد وصلت إلى بلومبيرج بعد قيام صديقه الحميم (كنيت رودس) بالتبليغ عنه من أجل الحصول على مكافأة من وزارة العدل. وفعلًا حصل الصديق على مكافأة تقدر بـ5600 دولار بعد إلقاء القبض على بلومبرج.
لماذا كان يسرق ستيفن بلومبرج الناس الكتب النادرة؟
وعلى الرغم من إدانة ستيفن بلومبرج بالسرقة والتحفظ على المسروقات، لم يعترف سارق الكتب الأشهر في التاريخ بأنه مخطئ، بل كان يدافع عن نفسه قائلًا إنه كان يحافظ على تلك الكتب النادرة. وتطور الأمر إلى اتهامه للحكومة الأمريكية بأنها كانت تخطط لإبعاد الناس عن تلك الكتب النادرة والفريدة، لذا كان يقوم هو بعملية تحرير لهذه الكتب وإطلاق سراحها. وتلك إجابة سؤال: لماذا يسرق الناس الكتب النادرة؟ بالنسبة لبلومبرج، فقد كان الدافع هو الحماية الوهمية وليس المال.
وقال بلومبرج في التحقيقات أيضًا إنه يعد نفسه حارسًا على هذه الكتب، والدليل على ذلك أنه لم يستفد من بيعها على الرغم من أنها تساوي كثيرًا، وأنه كان ينتظر الفرصة لإعادة الكتب إلى أصحابها الأصليين أو لنقلها إلى مكان آمن غير قبضة الحكومة.
وعلى الرغم من وصفه بالجنون وهوس الكتب من قبل السلطات الأمريكية والأطباء النفسيين؛ فإن الأمر سار قانونيًّا، فقد قضى ستيفن بلومبيرج مدة عقوبة وصلت إلى أربع سنوات قبل أن يخرج من السجن عام 1995 ليعود لممارسة حياته الطبيعية.
الببليومينيا أو هوس الكتب.. اضطرابات تجميع الأشياء
يُعد ستيفن بلومبيرج مثالًا واضحًا على الببليومينيا أو هوس الكتب، وهو مثال غاية في التطرف بلغت شهرته كل مكان في العالم، وعكف على دراسته كثير من المهتمين بـ(اضطرابات الهوس) التي تندرج تحت مرض الوسواس القهري، وكذلك اضطرابات تجميع الأشياء. فبعد خروج بلومبرج من السجن عام 1995 لم يستطع تمالك نفسه، وعاد مره أخرى لممارسة هوسه، وأُلقي القبض عليه عام 1997 بتهمة سرقة أحد المتاحف، وأُلقي القبض عليه مرة ثالثة عام 2003 بتهمة السطو على أحد المنازل في ولاية أيوا. ولم ينتهِ الأمر عند ذلك، بل أُلقي القبض عليه عام 2004 بتهمة السرقة، وهو ما يثبت أنه يتصرف بدافع نفسي وليس بغرض السرقة ذاتها.
ومن الجدير بالذكر أن ستيفن بلومبيرج قد سرق كثيرًا من المجموعات ذات القيمة المادية الكبيرة، ومن بينها الطبعة الأولى من كتاب (كوخ العم توم)، إضافة إلى 25 صندوقًا من الكتب القديمة والمذكرات المخطوطة بخط اليد وكتب الأساقفة، وسرقَ أيضًا أحد المجلدات التي تعود إلى القرن السادس عشر، وكثيرًا من مسودات الكتب والنسخ الأصلية. وعلى الرغم من ذلك، لم يتجه بلومبرج لبيع أي من هذه المجموعات النادرة، مع مروره بظروف مادية صعبة في بعض الأحيان.
ومن هنا يمكننا أن نفهم أن هوس الكتب، أو كما يطلقون عليه مرض المثقفين أو داء العباقرة، قادر على السيطرة على الشخص والتحكم في أفعاله بحسب حدة المرض الذي يصل في بعض الأحيان إلى مرحلة الشره الدائم الذي لا يمكن إرضاؤه حتى بامتلاك أكبر المكتبات وأكثر عدد من الكتب، فيجد الشخص نفسه مدفوعًا إلى الكتب التي لا يمتلكها ويرغب فيها بشدة. وهذا يقودنا لسؤال: ما سبب هوس امتلاك الكتب؟ إنه مزيج من القلق والرغبة في السيطرة والتعلق العاطفي بالأغراض.

قصص عن هوس جمع الكتب وتاريخ هوس الكتب
يُعد هوس الكتب مرضًا قديمًا، لكن مصطلح الببليومينيا جديد إلى حد ما، وظهر في القرن التاسع عشر على يد (جون فريار) الطبيب الإنجليزي، وشاع استخدامه بعد ذلك على المستوى الشعبي، ونُشرت كتب كثيرة تتحدث عن المرض من قبل القساوسة والكتاب والنقاد.
وعلى الرغم من ذلك فلا يعترف به على مستوى الاضطراب النفسي الإكلينيكي من قبل القائمين على التشخيص والإحصاء للاضطرابات النفسية، لكنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحالات مرضية نفسية نادرة واضطرابات تجميع الأشياء.
وعلى مستوى التاريخ، كان كثير من الشخصيات المشهورة التي يمكن وصفها بأنها كانت مصابة بهوس اقتناء الكتب الذي لا يكون في درجة واحدة، وإنما تختلف حدة المرض من شخص إلى آخر، ومن بين هؤلاء المشاهير كان الشاعر اليوناني يوريبيديس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد.
أيضًا كان البارون توماس فيليبس الذي عاش في القرن التاسع عشر وجمع في مكتبته أكثر من 160 ألف كتاب ومخطوطة، فكان علامة في عصره في جمع الكتب التي بيعت جميعًا بالمزاد العالمي بعد موته.
وكان القس (ويتشر) الذي عاش في القرن 19 إحدى الشخصيات المعروفة بـ(هوس الكتب). ويقال عنه إنه سرق كثيرًا من الكتب، وجمع كثيرًا من الأعمال والمخطوطات والكتب النادرة، وكان مهووسًا بالبحث لدى بائعي الكتب المحليين عن الكتب النادرة والقديمة.
كيف يبدو المصاب بهوس الكتب؟ والفرق بين محب الكتب ومهووس الكتب
قد يتساءل القارئ عن الشخص المصاب بهوس الكتب: هل يكون له طقوس أو تصرفات معينة بسبب هذا الاضطراب؟ وهل هوس الكتب مرض نفسي؟.
في الحقيقة، فإن الأشخاص المصابين بهوس الكتب غالبًا ما يتصفون بالانطواء والبعد عن العلاقات الاجتماعية، وقلة الأصدقاء، ولا يهتمون كثيرًا بالتواريخ والأحداث المهمة، على الرغم من أنهم يتذكرون جيدًا كل التفاصيل المتعلقة بالكتب، مثل مكان ووقت وظروف شراء الكتاب.
ويظهر سلوك هوس الكتب من خلال شراء عدة نسخ من الكتاب نفسه في مرات متفرقة، وفي كل مرة يشعر الشخص باللذة نفسها وكأنه يشتري الكتاب أول مرة، ولا يشعر المريض بأي ذنب في حالة الحصول على الكتاب بطريقة غير مشروعة مثل السرقة من الأشخاص أو المعارض أو المكتبات. وبذلك يظهر الفرق بين محب الكتب ومهووس الكتب؛ فالمحب يقرأ ويستفيد، أما المهووس فيجمع ويكدس دون هدف سوى الامتلاك.
وتُعد حالة الهوس بالكتب من الحالات التي يلاحظها بسهولة الأشخاص الذين يعيشون مع المريض أو بالقرب منه. فكثرة الكتب أمر لا يمكن إخفاؤه، إضافة إلى اهتمامه الشديد بالكتب بطريقة غير طبيعية. فإذا حدث حريق في المكان، فغالبًا ما يهتم بالكتب وليس بأرواح الأشخاص الذين يعيشون معه. ولا يبدي المريض بهوس الكتب رغبة حقيقية في التخلص من هذه العادة أو الاضطراب واللجوء إلى طبيب نفسي؛ لذا، ماذا تفعل لو كنت مهووسًا بجمع الكتب؟ الخطوة الأولى هي الاعتراف بالمشكلة.

كيف يُعالج هوس الكتب؟
يتساءل المهتمون: كيف أعالج هوس شراء الكتب؟ يعد الاختصاصيون النفسيون والأطباء المتخصصون هوس الكتب من الأمراض التي يصعب الشفاء منها، ليس بسبب طبيعة المرض، وإنما بسبب طبيعة المريض الذي لا يُعتقد أن الأمر يحتاج إلى العلاج ولا يسبب له أي قلق، بل على العكس، فهو يشعر بالسعادة ربما أكثر ممن حوله من الأشخاص الطبيعيين.
ومن هذا المنطلق، فأفضل وسائل علاج هوس شراء الكتب هي مواجهة الشخص بالأشخاص الذين يعيشون حوله، بالحديث، وإشراكه في المناسبات والأحداث الاجتماعية، ودفعه إلى التحدث إلى الاختصاصي أو الطبيب النفسي، والتعامل مع الأمر بجدية، حيث يجب أن تتضافر الجهود كما يحدث في الكوارث والمشكلات الكبرى، فالأمر أكبر مما يبدو عليه.
أما على مستوى العلاج، فهو ينقسم إلى جزأين: يتمثل الجزء الأول في العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، والذي يستهدف معرفة المريض بحجم المرض وطريقة التخلص منه، وتغيير القناعات بكشف حجم الخسائر والتوابع لهذا الهوس على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والنفسي.
والجزء الثاني هو استخدام الأدوية التي يصفها الطبيب النفسي حسب الحالة التي يجب أن تترافق مع العلاج السلوكي المعرفي؛ من أجل الوصول إلى حالة من التوازن في التعامل مع الأدوية، وتشمل أدوية علاج الوسواس القهري وهوس الكتب والمهدئات، واستخدام فيتامين ب 8 بكميات كبيرة، وفقًا لبعض الدراسات عن علاج اضطرابات التجميع.

ويحتاج بعض المرضى علاجات أخرى مثل جلسات التأمل والاسترخاء وجلسات التنويم المغناطيسي، ويوصي الطبيب في بعض الحالات بإيداع المريض المستشفى أو المصحة لتنفيذ برامج محددة من العلاج.
وفي نهاية هذا المقال الذي تناول قصة أشهر سارق كتب في التاريخ، إضافة إلى التعريف بهوس الكتب وكيفية علاجه، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.