في زمن تغلب فيه الصورة على الفكرة، والضجة على القيمة، لم تعد الشهرة حكرًا على أصحاب المواهب أو الرؤى، بل صارت متاحة لكل من يملك «فكرة صادمة» أو لقطة مثيرة. هكذا وُلد «هوس الترند»؛ داء العصر الرقمي، الذي حوّل المنصات إلى مسارح استعراضية يومية، تنصب فيها الشهرة على من يثير الانتباه، لا من يستحقه. فكيف أصبح التفاهة وسيلة للانتشار؟ وهل نملك حقًّا قدرة على التصدي لهذا التيار الجارف؟
لم تعد وسائل التواصل منصات للتعبير فحسب، بل صارت مسرحًا مفتوحًا لحفلات استعراض يومية، تفرز لنا كل يوم مرضًا جديدًا.. أحد أبرز أمراض هذا الزمن: هوس الترند.
السؤال الذي يشغل كثيرين اليوم:
كيف تصبح حديث الناس؟
كيف تجعل الملايين يتداولون مقطعك، ويشيرون إليك بإعجاب أو حتى بسخرية؟
كيف تقفز من خانة «لا أحد» إلى واجهة الضوء في ثوانٍ معدودة؟
الجواب لم يعد معقدًا:
لا تحتاج إلى قراءة مكتبة كاملة، ولا إلى قضاء عمرك في مختبر علمي، ولا إلى صقل موهبتك في أكاديمية رياضية.
كل ما تحتاج إليه: فكرة! ويا حبذا إن كانت موغلة في السخف، ومغلفة بسيناريو مُثير… ثم تضغط على تسجيل، وتنتظر ضربة الحظ.
ثوانٍ معدودة.. كفيلة بأن تخلع عنك رداء المجهول، وتُلبسك ثوب الشهرة.
نعم، الغاية تغيَّرت.
لم تعد «الرسالة»، ولا «القيمة»، بل أصبحت: كيف أظهر؟ كيف أُشاهد؟ كيف يُصفق لي؟
ولا مانع من أي وسيلة ما دمت تصل إلى الهدف:
يرقص؟ يرقص.
يتنمَّر؟ يتنمَّر.
يسخف؟ يسخف.
يقلّ أدبه؟ فليكن.
يؤدي دور الأهبل؟ لا بأس.
يكسر حدود العقل والمنطق؟ لا مشكلة.. المهم أن يصبح ترند.
لكن، لا تنسَ أن هذا كله ما كان ليحدث لولا أن الأرضية مُهيَّأة، والمجتمع نفسه بات يفرش الطريق أمام هؤلاء بورود الاهتمام، ومتابعات الإعجاب، وكأنهم رموز عصرهم!
الإعلام اليوم مرآة دقيقة لتوجُّهات الناس.
هل هم مع الجدية أم مع الهزل؟
من يملك الشعبية؟ من يحصد الفلورز؟ من تلاحقه الكاميرات والعيون في كل مكان؟
الإجابة واضحة:
الهزليون في الصدارة.
مروِّجو التفاهة في المقدمة.
أما الجادُّون من كتَّاب، ومثقفين، وتربويين، ومختصين.. فهم في آخر الصف. منسيّون، أو مهمّشون.
ليس فقط على المنصات، بل حتى في الشارع.
ذاك «الترند» البارحة يُقابَل اليوم باحتفاء، ويلتفّ حوله الناس كما لو كان عبقريًّا أو نجمًا نادرًا.
بينما صاحب المحتوى الحقيقي، يُصافَح على استحياء أو لا يُعرَف أصلًا.
السؤال المحرج:
هل يمكننا القضاء على هوس الترند؟
دعنا نكن واقعيين:
لا.
القضاء عليه صعب، بل شبه مستحيل، لأنه مدعوم شعبيًّا.
وكل ما يحظى بالدعم.. سيبقى.
وكل ما يُتجاهل.. سيتلاشى.
الناس هم من يقررون:
يشاهدون، يشاركون، يضغطون لايك، يروّجون، ويصنعون نجومًا من ورق.
وهكذا.. تحوَّل الهوس بالترند إلى مرضٍ مزمن، لا علاج له في المدى القريب.
وما علينا إلا أن نتعايش معه.. أو نختار أن نكون من القلائل الذين لم يُصابوا بعد بالعدوى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.