همسات نفسية... عقاب الأطفال

كنت أسير في الطريق أمس وشاهدت أماً تضرب ابنها وهو طفل لا يتجاوز السابعة أو الثامنة من العمر، رأيتها تضربه وكأنها تثأر منه لنفسها، حينها قلت لنفسي لو أن تلك الأم قرأت قليلاً عن هذا الأمر ربما كان فعلها تغيّر لأن القاعدة تقول: المعرفة تصنع المفهوم، والمفهوم يصنع السلوك، ومن هنا جاءت فكرة المقال وعنوانه ورسالته، وأقول:

حين رأيت هذا المشهد بدأت في البحث والتحضير لهذا المقال، وشاء الله أن أعثر على كلام يكتب بماء الذهب فضلاً عن ماء العيون لأحد أكابر الطب النفسي وهو الدكتور يحيى الرخاوي، وقد أشار الرجل إلى عقاب الطفل في المراحل الدراسية الأولى، ومدى تأثيره على نفسيته في الطفولة، وفي المراحل التالية من العمر، وأشار إلى أن فلسفة العقاب بصفة عامة ينبغي أن تكون نصب أعين المربين جميعاً، سواء كان المربي هو مدرس فصل، أم والد، أم والدة، أم مربية، أم غير ذلك فمن حيث المبدأ لا بد من عقاب وثواب، عقاب علي الخطأ، وثواب على الإنجاز، لكن ثمة شروط ينبغي توافرها.

فمن الذي يعاقب؟ ومتى يعاقب؟ وما هي أنواع العقاب؟ وهل كل عقاب يصلح لكل سن؟ وما معنى العقاب؟

ذلك أن الناس تختلف في هذه المسألة ما بين موقف متساهل تماماً يمنع العقاب البدني خاصة منعاً باتاً، وبين موقف متشدد يتصور أن الإيلام، والجرح، هو كاف لتعديل السلوك، وأحسب أن كلا الموقفين خاطئ، لذلك سوف نوضح بشكل عام هذا الأمر، دون الدخول في التفاصيل على الوجه الآتي، فلا بد من الاعتراف بأن الطفل لا بد أن يعاقب، والطفل الحديث الولادة، قبل أن تكون لديه ذاكرة تستوعب أو قدرة ربط بين الأمور أو قدرة استيعاب الخبرات إذا ما عوقب -وبعض الأهل يفعلونها في هذه السن المبكرة- فهذه جريمة لا أكثر ولا أقل، ثم تبدأ جدوى العقاب مع التدرج في السن، وفي سن المدرسة الابتدائية، وقبل ذلك في الحضانة المتأخرة يصبح العقاب ذا فائدة وجدوى شريطة أن يكون مناسباً، ولكي يكون مناسباً لا بد من توافر الشروط الآتية:

  1. أن تكون هناك علاقة وثيقة بين الشخص الذي يعاقب وبين الطفل، ومعنى كلمة علاقة معنى خطير وعميق، إذ لا يكفي أن يكون الوالد موجوداً بالمنزل لنزعم أن ثمة علاقة، فكثير من الآباء نجدهم جسدياً ولا نجدهم عاطفياً، أو تربوياً، ولكن المقصود بالعلاقة هو مثول الآخر في الوعي، أي يكون الآخر، وخاصة طفلي هو جزء من وجودي حقيقة وفعلاً، وهذا هو السبيل الوحيد، وخاصة في السن الأصغر لأوصل رسالة ذات مغزى لطفلي، والعقاب في عمقه ليس إلا رسالة تصل للطفل لتعديل سلوكه.
  2. أن يكون العقاب متدرجاً، فيبدأ بالنهر اللفظي وقد يتدرج حتى الكف البدني.
  3. أن يكون مناسباً لحجم الخطأ، وكما نقول دائماً ليس من المنطق أن نضرب ذبابة بصاروخ مثلاً، أو أننا نعاقبه عقاباً شديداً للغاية لمجرد أنه لم يغلق باب الشقة خلفه بعد دخوله البيت، وهكذا.
  4. أن يكون الخطأ معروفاً مسبقاً أنه خطأ، فكثير من الأطفال يرتكبون أشياء لا يعلمون أنها خطأ أصلاً، وفجأة يلقون عقاباً شديداً على إتيانها، فالطفل الذي يقف فجأة في الفصل دون إذن في أول حصة يحضرها في الابتدائي مثلاً، لم يكن يعرف أن هذا ممنوع أصلاً، وفجأة يجد العقاب قد داهمه دون سابق إنذار، هذا خطر وممنوع تماماً.
  5. أن نتجنب العقاب بالحرمان، فالحرمان أقسى من المواجهة، وإن كان يبدو أرق وأخفى، ثم إن الحرمان موقف سلبي، في حين أن بعض العقاب الجيد هو الذي فيه علاقة، وحوار، ومواجهة.
  6. ثم لا بد أن يأتي العقاب عقب الخطأ مباشرة، فتأجيل العقاب قد يجعله يأتي في الوقت الذي يكون الطفل فيه قد أتى عملاً حسناً، ونسي ما اقترف من خطأ، وفي هذه الحالة فإنه يحدث ربط خاطئ وتشويش عند الطفل.
  7. أن يكون العقاب ثابتاً، فلا أعاقب اليوم على شيء ثم في اليوم التالي أنسى وأكافئ على نفس الشيء.
  8. أن يكون الذي ينزل العقاب أشد تألماً من الطفل حقيقة وفعلاً.
  9. ألا يستعمل العقاب تنفيساً عن المعاقب لمجرد أن أموره الخاصة -وليس ما فعله الطفل- لم يعد يطيقها، مثل ما فعلته الأم التي رأيتها وكأنها تخرج طاقتها السلبية من خلال ضرب طفلها.
  10. أن نبلغ الطفل أننا نعاقبه على الفعل، وليس العقاب له شخصياً، فهو مقبول جداً لنا، ولكن سلوكه هو الذي غير مقبول.

أخيراً أقول: إن التربية ليست بالأمر الهين أو البسيط، وعلينا أن نقرأ كثيراً عن هذا الأمر، ويمكن أن نأخذ دورات في هذا أو نشاهد حلقات تتحدث عن هذا الأمر في اليوتيوب، ما أريد أن أقوله: إنه يجب أن نضع الأمر في بؤرة اهتمامنا، وأن نعي أن الأمر يستحق أن نبذل جهداً فيه، فأبناؤنا هم ثروتنا الحقيقية في الدنيا، وهم مشروعنا الذي يجب أن نعمل من أجله، ونسعى أن ينجح.

حفظ الله أبناءنا، وحفظ الله مصر أرضاً وشعباً وجيشاً وأزهراً.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.