علماء الدين يقولون إن الدين يتلخص في ثلاث كلمات (معرفة، طاعة، سعادة)، ويقصدون أن المعرفة تدفعك وتحببك في طاعة الله عز وجل، وطاعتك لله ستصنع لك السعادة حتماً؛ لذلك دائما يقولون إن اكتمال الوعي يسبق مكارم الأخلاق.
ونحن في رؤيتنا النفسيّة نقول أن الحياة الأسريَة الهادئة والناجحة بعد توفيق الله أيضاً، تتلخص في ثلاث كلمات (معرفة، توافق، سعادة)، ونقصد معرفة بالمهارات الأسرية تؤدي إلى توافق وتفاهم بين الزوجين، وهذا حتماً سيحقق لهم السعادة (بعد إرادة الله)؛ لذلك معرفة المهارات الزوجيّة والأسريّة أمر غاية في الأهميَّة والضرورة.
أولاً... أيها السادة...
إن مقالي اليوم مُوجَّه إلى الفتاة التي سوف تتزوج بشابٍ وحيد لأم أرملة... أقول لها... أيتها الفتاة عليكِ أن تعلمي جيّداً أنك حين تتزوجي بشاب وحيد لأم أرملة، فإنكِ في مهمة ليست عادية، عليك أن تتعرفي على نفسية تلك السيدة جيداً، وهذا ما سنوضحه لك هنا فوق تلك السطور (فأعيريني القلب والسمع).
تلك السيّدة وخصوصاً إذا مات زوجها وهي (ما زالت صغيرة)، وخصوصاً إذا كان لديها ابن وحيد، في كثير من الأحيان يحدث صدام أو مشاكل بينها وبين زوجة ابنها، والسؤال لماذا يحدث الصدام؟! يحدث نتيجة أن الأم تكون قد اعتادت على أمور، ومفاهيم، ومشاعر، تكوَّنت داخلها خلال رحلة تربيَّتها لأبنائها، ولا تستطيع كثيراً أن تغيِّرها، كما أنها في كثير من الأحيان تشعر تجاه زوجة ابنها (بغيرة النساء)، وكأنها (ضرَّتها)، وتعتبرها وكأنها خطفت ابنها منها! على الرغم من أنها هي التي سعت لزواجه، وربما مدحت كثيراً في تلك الفتاة كي يخطبها ويتزوجها ابنها!
ثانياً... التفسير لحدوث الصدام والحلّ
يحدث الصدام نتيجة تصرفات تصدر من الأم بشكل تلقائي دون إرادتها نابع، مما قد اعتادت عليه طيلة حياتها، ويقابل تلك التصرفات عدم معرفة وعدم وعي من زوجة الابن لطبيعة نفسيّة تلك الأم وكيفية احتوائها، فالأم قد اعتادت على الحرص الزائد على أبنائها وشمولية الرعاية لهم، وذلك نتيجة عدم وجود الزوج، وخوفها من أن يُفسَد أولادها أو أن يلومها الناس إذ لم تُحسن تربيتها لهم، وتسعى أن تحقق أو تعوّض حياتها هي فيهم، وتريد أن ترى ثمرة تضحيَّتها بشبابها من أجلهم؛ لذلك يزداد استشعارها بالمسؤولية تجاههم، فنجدها مُبالغة في الحرص، والرقابة، والمُتابعة، ومعرفة كل التفاصيل، مهما كانت بسيطة أو تافهة، وكل هذا مفهوم ومقبول.
ولكن المشكلة أن هذا يستمر حتى بعد زواج الابن، فنجدها تسأل الزوجة هل نام، هل اتغطى كويس؟ طيب أكل قبل ما ينام؟ طيب بلاش تعملي له شاي لأنه بسهره لما بشربه قبل النوم، هو أنت عمله الرز بشعريه ليه؟ هو مش بيح الرز بالشعرية، هو خاسس ليه؟ هو مش بيأكل كويس؟ ليه مش موفرة له الراحة؟ علشان كدا هو مُجهد؟ هدومه ليه مش نظيفة؟ ليه مش مكويَّة؟
لدرجة أن إحدى الزوجات تقول: "كُنت لا أستطيع أن أغيّر موضع المروحة في غرفة نومي لأن حماتي كانت تعترض"، وتقول لها حماتها: "ابني بيتعب من هواء المروحة لو وضعت هنا".
وتقول سيدة أخرى إن حماتها سألتها وهي قلقة جداً لماذا لون بشرة ابني متغيّرة "هي ليه بشرته أسمرت كدا".
فقالت لها الزوجة "ربما من شمس الصيف"، فقالت لها: "لا... لا بد أن تهتمي به، واشتري له كريم كذا لتفتيح البشرة !! تقول الزوجة أنا نفسي لا أشتريه لنفسي، ولكن ماذا تقول!
فقالت لها الزوجة: حاضر يا ماما... "من تحت الضرس طبعاً" هاشتري له الكريم.
تخيلي إلى هذا الحد يمكن أن تصل الأمور، هنا يأتي الصدام تشعر الزوجة أنها لا تستطيع أن تفعل شيئا من نفسها، وأنها طول الوقت تحت المراقبة، لا شك أنها ستتحمل في البداية، ولكن لن تستطيع أن تستمر، ثم يبدأ ما هو أخطر أن تتحدث مع زوجها وتشكو له، والزوج لا يفعل شيء، لأنه ماذا سيقول لأمه التي ضحّت من أجله عمرها كله، فلا يعجب الزوجة سلبية الزوج (حسب مفهومها)، ونستمر هكذا حتى نصل إلى الطلاق في كثير من الحالات.
إذن ما الحل... الحل يا صغيرتي أنه عليك أن تفهمي وتعلمي أنها حين تتصرف هكذا، إنما تتصرف بطبيعتها وتلقائيتها، لأنها اعتادت على هذا الأمر، فهذا ابنها الوحيد الذي ضحّت من أجله بشبابها وحياتها كلها؛ لذلك عليك أن تعرفي ابتدائها أن هذا سيحدث، فعليك أن تتقبلي مثل تلك التصرفات بصدر رحب، وعقل واعٍ وفاهم، وحاولي أن تحتوي تلك السيدة، عليك أن تتعلمي كيف تستمتعي بالعطاء قبل استمتاعك بالأخذ، ولا تبالغي في الدلع على زوجك أمامها، أو تلبسي ثيابًا متكشفة، فذلك يُمكن أن يثير الغيرة في نفسها، ليس لأنها سيئة، ولكن لأنها تعتبر أن ابنها هو ملكية خاصة بها هي، كوني هادئة منضبطة في انفعالاتك، لا تتوقفي كثيراً أمام بعض الجمل أو التعليقات غير المبررة وغير المنطقية مثل جملة (هي بشرة ابني سمرا ليه!).
وأكثري، ولكن دون مبالغة في كلامك المعسول لها، وتذكري دائماً أنك في مهمة ليست عادية، وحين يشتد بك الأمر تذكري معاناة تلك السيدة، وتذكري مدى تضحيتها، فهي وعلى الرغم من تصرفاتها غير المنطقية في كثير من الأمور إلا إنها في النهاية نموذج للتضحية يجب أن نفتخر به، وتذكري أن ما تقدميه من احتواء لها لن يضيّعه الله أبداً، وستجدي انعكاس هذا على حياتك وبركة في أبنائك.
حفظ الله بيوتنا... حفظ الله مصر... أرضاً، وشعباً، وجيشاً، وأزهراً.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.