همسات نزول الأمطار


همسات نزول الأمطار، لحظات ويا لها من لحظات، لحظات وأيمُ الله إنها لمن أجمل اللَّحظات وأعزّها وأغلاها لدي، تلكم اللَّحظات هي لحظات جميلة لا تُنسى أبدًا، لحظات من أجمل ما يعيشه المرء، وإن كانت متقلّبة ما بين الخوف والرجاء.

تلكم اللَّحظات هي لحظة نزول الأمطار، في البادية وأنت نائم تحت سقف بيت طينيّ قرويّ، مبني بطريقة بدائيّة، يكاد لا يقيك قُرّا ولا حرّا.

أنت تحت فراشك الوطيء، مستدفئا بدفئه ومتدثرًا به، تضمه إليك ضمًا، وتتمنى ألا تفارقه وتريد أن تدوم بينك وبينه مودة لا تشوبها أية شائبة، ولا تحوي في طيّاتها أية غائلة، خاصّة إذا ما رزقك الله من اللحافات والفرش والأغطية مثنى وثلاث ورباع.

إضافة إلى أريكة، أو أرائك من خزّ وحرير، ونمارق مصفوفة تحيط بحافتيك وجوانبك، وأنيس تستدفئ بنفسه العبيق الأريج الطيّب الأنيق، وثغرًا بسماته الوضاءة المتلألئة، كأن اللؤلؤ يتدحرج من على ثناياه، وكأن الورد مرسوم على وجنته وخديه، أو أن المرجان غرس تحت بحر لسانه يستخرج منه دون غوص، أو تجشم عناؤه، إضافة إلى جو البادية الساحر، وعبيق غابتها الأريج الفوّاح الَّذي يجعلك تظن أنك تعيش في الجنة، وإن لم تكن في بحبوحة فؤادها فأنت يوحي إليك خيالك الفسيح، أنك قاب قوسين أو أدنى منها، في ظل هذه الأجواء الَّتي تبعث على الارتياح والاستجمام والراحة والدعة.

آنئذٍ يداهمك الشتاء بدون توطيئات ولا مقدّمات، فتمكث تحت كوخك الطيني المتهالك الَّذي يكاد لا يقيك قُرّا ولا حرّا، وأنت تسمع طرقات نقاط الشتاء تطرق حيطان كوخك الترابي، وسقفه، إن لم تهجم عليك فتداعب جنباتك في عقر دارك، مع أولادك وعيالك، أو قد تستحوذ على بيتك ومحلّ سكناك فتذهب بأحلامك وأماليك وبما جنيته مدّة حياتك، من أثاث ومتاع وأموال وأطعمة وشراب، فتتركك فردًا وحيدًا كأنك خرجت صلتا من بطن أمك، وفي أسوأ الأحوال قد تذهب بك إلى حيث لا رجعة وقد تصحبك معها بقدك وقديدك، فتجعلك وبيتك وأهلك أثرًا بعد عين، أو تأتي فتجلب عليك بخيلها ورجلها وتنزل بكل ثقلها ومع ذلك تمرّ بلطف وسلام، فيمسي كل شيء على ما يرام، وهذا هو الغالب.

لأنها تتنزل بقدرٍ معلوم، فنفعها عميم وخيرها كثير، تحيي الأرض بعد موتها وتُبقي الأنام أحياء، فتحي قلوبهم وترطّبها وتزيل عنها ما قد يعلوها من الصدأ والران، واليأس والقنوط، فتعود البسّمة على وجوههم فيرحمون ويتراحمون، فتعلوا على محياهم البهجة والسرور، ويستعدون لعام خصب وغلة ومحصول وفير، فيحرثون الأرض رجاء النيل من خيراتها وبركاتها، وما أودعه الله فيها من خصائص الإنبات والعطاء، بسبب نزول الغيث والطل، فينبت الزرع والكلأ، وتخضر الأرض وتكسى حلة جديدة بخضرتها وبهجتها وتتزين لناظريها وتأخذ زخرفها حتَّى لكأنه يخيل إلى أني قادر عليها.

أنت تحلم بهذه الأشياء والثلج وحبّ الغمام يتهاطلان على سطح غرفتك وأنت ساهٍ ساكت صامت كأن الطير على رأسك، تصغي بأذنيك ماذا يحدث بالخارج، فإذا بك تسمع خرير الماء يتعالى، وأصواته تتكاثر، والأودية والسواقي الَّتي حول كوخك ترمي بشرر، وتنادي بلسان حالها من يقترب منها هيا ابتعد، ابتعد، فإني لا أبقي ولا أذر، وأنت هائم في سردابك لا تدري أين المفر، ولسان حالك يحدثك ويقول لك كلا لا وزر، لعلّ اليوم يكون فيه إلى ربك المستقر.

وإن كل ما حولك قد تحوّل إلى ماء عذب زلل فرات، حديث عهد بالنزول، يمكن لك أن تشرب من أوراق الشجر ومن تحت الحجر والمدر، أينما حللت ونزلت تجد الماء، ما من موضع قدم إلا ووطأته عشرات القطرات، وما من سطح كوخ أو منزل إلا وتسلقته أودية الماء عائدة القهقري إلى الأرض بعد ما قضت اربتها ونزلت طاهرة مطهرة من عند ربها، وعندما تختلس النظر من كوات المنزل تلسعك لسعات البرد القارصة، فتزداد تمسكا بفراشك، لكنك لاحظت أن الجبال صارت كأنها عرائس تلبس البياض، تنظر من يَزِفُّها أو يُزَّفُ إليها، آه، آه! 

لكنها صارت صعبة المأخذ والمنال، فمن وراء بياضها الصافي المتلألئ الأريج، زمهرير طائش وبرد قارص، كل من فيها ومن عليها اختبأ، خائفًا ووجلًا على نفسه من الهلاك، هذا في قمم الجبال السامقة الباسقة الشامخة العالية، أما في المنخفض والسفح عندما تختلس النظر فيه فسترى لجة بيضاء تحسبها سرحاً ممرداً من قوارير، لكنها لجة من ماء متجمد أبيض مثل الحليب، يعدها المرء ماء حتَّى إذا جاءها وجدها جليدًا باردًا قارصًا فيرجع وقد لسعة البرد ووصل إلى جميع جسده ويكاد أن يشل جميع أعضاؤه وحركاته وسكناته، فيا له من منظر رهيب ومشهد مخيف ومرعب، ولمّا انبلج صبح ليل الشتاء الطويل، وانقشعت السحوب، واشرقت الشّمس بنور ربّها ووضعت السحوب ما بحملها، خرجتُ في الصباح الباكر، اتوكأ على عصاي أنظر ما حلّ بكوخي وما حدث لمزرعتي وأرضي وفلاحتي، فوجدتها انتفخت وانتفشت وأتت أكلها وغلّتها بإذن ربّها، فحمدت الله وشكرته، ودعوت الله ورجوته، فقلت بصوت عال مرتفع:

اللَّهم أَدِمْ علينا نعمة المطر، ولا تحرمنا منها يا عزيز يا غفار، اللَّهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين يا أرحم الراحمين يا رب العالمين، اللَّهم لا تحرم أرضًا من غيثك ولا أناسًا من مائك وشتائك، يا رب الأرباب ويا مسخر السحاب، فإليك المرجع والمآب.

بقلم الكاتب


استاذ باحث ومفكر وكاتب مقالات ادبية ثقافية واجتماعية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ باحث ومفكر وكاتب مقالات ادبية ثقافية واجتماعية