هل يمكن تفسير ارتفاع معدلات الطلاق في العالم العربي عبر عدسة الاقتصاد فقط؟

" إن أسوأ بيت يعادل أحسن روضة في العالم"..

هذا ما أقرته العالمة الأنثربولوجية الأمريكية "مارغريت ميد" التي قضت حياتها كلها في دراسة الشعوب، وانطلاقًا من مقولتها نفهم أن الأسرة هي طبقه الأوزون، أو الدرع الذي يحمي الأبناء من أشعة الآفات الاجتماعية، وهي الأمازون "رئة العالم"، منها يستنشقون هواء التربة الصالحة.

فالاستقرار الأسري هو صلاح الأفراد والذي ينعكس على صلاح المجتمع، فالمجتمع هو مجموعة أُسر، إذا اختل التوازن وحدثت الانشقاقات تفرقت وتهدمت، وهذا يُعد بمثابة قنبلة هيدروجينية تفجرت وسط المجتمع ما يخلق عدة أزمات.

إن بداية بؤر التوتر غالبًا ما يكون منطلقها من ظاهرة الطلاق في هدم الأسرة واختلالها وتوسع الأزمات على نطاقها، خاصة أن الوطن العربي أصبح حديث الساعة من جانب هذا الموضوع الذي تعانيه بعض الدول، مع الارتفاع غير العقلاني لهذه الظاهرة.

تعد مشكلة الطلاق أحد التحديات البارزة في مجتمعاتنا اليوم، وترتبط بتدهور الاستقرار الأسري نتيجة عدة عوامل، ووفقًا للإحصائيات السنة الماضية، فقد احتلت الكويت المرتبة الأولى في معدلات الطلاق، تليها مصر، وقطر، ولبنان، والإمارات، والسعودية.

ويظهر ارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق في مصر في السنوات الأخيرة من الناحية الاجتماعية، ويمكن تحليل هذه المشكلة من خلال منظور سوسيولوجي، إذ يظهر أن العامل الاقتصادي يؤدي دورًا كبيرًا، ومع ذلك يظهر تناقض في دول ذات "نمو اقتصادي" قوي مثل الإمارات والسعودية وقطر، إذ تشهد هذه الدول ازدهارًا اقتصاديًّا، ولكن تواجه مشكلات في مجال الاستقرار الأسري وهي "الطلاق".

اقرأ ايضاََ تأثير طلاق الوالدين على الأطفال

لماذا تظهر ظاهرة الطلاق بنسبة منخفضة في اليمن رغم الظروف الاقتصادية؟

المثير للتساؤل هو أن دولة مثل اليمن، رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة، تظهر لديها نسبة منخفضة لظاهرة للطلاق، لماذا يا ترى؟

غياب مفهوم الأسرة لدى فئة من المجتمع المصري والكويتي أدى إلى خلق هذا المأزق، فحسب "شيرين طه" أستاذ علم الاجتماع في مصر يرى أن الدوافع تعود إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

بسبب المقارنات والأعباء المالية والعجز عن سد حاجيات الأسرة، والاختلاف في المستوى التعليمي، إضافة إلى تدخل الأهل في اختياراتهم وقراراتهم الحياتية، وعدم تحمل المسؤولية والخيانة الزوجية وعامل السكن.

ونجد على سبيل المثال في "العراق" عامل البطالة وزواج القصر وانخفاض المستوى المعيشة وتفشي آفة المخدرات، ولخَّص المستشارون الأسريون أهم أسباب الطلاق في الإمارات في تضخم الأنا والتفكير في النفس.

وعدم الانسجام بين الطرفين، وفقدان الحب مع غياب الحوار وسرعة الانفعال، والعنف وسيطرة وتحكم الأزواج، وعدم تحمُّل كل طرف مسؤولياته الزوجية، وسيطرة ثقافة الكماليات على الحياة الزوجية، وضعف الوازع الديني.

تشير بعض الآراء والأبحاث إلى أن مجتمع المغرب العربي خاصة الجزائريين لديه مشكلة مع المرأة العاملة، وتظهر في عدم اقتناع نسبة كبيرة من الأزواج بعدم عمل زوجته، معللًا أسبابه بظاهرة الانحلال الأخلاقي المتفشي بكثرة في الشوارع وحتى في بعض المؤسسات.

فلا يأمن على زوجته في العمل ولا حتى في الدراسة الجامعية، وهذا ما نتج عنه غياب الثقة والمسؤولية والوعود الكاذبة والخيانة الزوجية، ما أدى ببعض القنوات قبل سنوات لتقييم برامج تتحدث عن هذه المعضلة، كبرنامج "ما وراء الجدران" وغالب مواضيعه تتبلور حول ظاهرة الخيانة الزوجية والانحلال الأخلاقي، بالإضافة إلى عدم اقتناع الأسرة والمجتمع بالمرأة العاملة وهذا بطبيعته يخلق بعضًا من التضاد يؤدي إلى خيوط مبعثرة.

زد على ذلك ارتفاع نسبة البطالة وغياب الشعور بالمسؤولية لدى فئة من الرجال، فنجد في بعض المدن أن النساء المتزوجات هن من يعملن في المنزل وذلك لجلب لقمة العيش، وهذا ما ينجم عنه ضغوط نفسية تؤدي بصاحبها للولوج إلى قرار الانفصال.

ولكن نجد العكس في بعض الدول الأخرى العربية والإسلامية، فلنعطِ مثالًا على ذلك بالمجتمع اليمني، رغم الأوضاع والظروف الاقتصادية الصعبة فإن نسبة الطلاق منخفضة وهذا يعود لعدة أسباب اجتمعت والتحمت لينجم عنها ما يعرف بالتماسك الأسري.

اقرأ ايضاََ فوائد الطلاق وأضراره.. تعرف عليها الآن

ما الأساس الذي يراه أهل اليمن بالنسبة للزواج والتماسك الأسري؟

فاليمنيون يرون أن أساس التماسك داخل مجتمعهم والذي قضى تقريبًا على هذه المصيبة الكارثية "الطلاق":

- احترام الرجل للمرأة.

- وجود الثقة بين الطرفين. 

- عيش الزوجين على الحلو والمر سواء.

- غياب الاختلاط إلا في بعض المدن والجامعات والمعاهد فقط. 

- المرأة اليمنية محتشمة للغاية.

ولنضرب مثالًا عن دولة إسلامية، ففي ماليزيا وخلال مدة "مهاتير محمد" انخفضت نسبة الطلاق تقريبًا إلى نحو 7% بعدما كانت 30% بعد تطبيق تجربة "رخصة الزوج" التي فرضها النظام لكل مقبل على الزواج.

حيث يعفى من العمل مدة شهر ويأخذ فيها دورة عن وسائل التعامل مع الشريك واستراتيجيات مواجهة المشكلات وأساليب التصرف معها، ودور الأسرة في بناء المجتمع وتماسكه، وقد كان مؤسس ماليزيا الحديثة "مهاتير محمد" مفكرًا اقتصاديًّا وحريصًا على مستقبل بلده، وكان يدرك أن نسبة الطلاق المرتفعة تعوق نمو بلاده.

يؤدي السن دورًا بارزًا في نجاح التوافق العائلي، فلقد أظهرت الدراسات لباحثين ينتمون لجامعة "يوتاه" الأمريكية أن الزواج بين 25 و32 عامًا يعد الأفضل لتجنب مخاطر الطلاق.

إذ يشير الباحثون إلى أن الزواج قبل سن العشرين يزيد احتمالية الطلاق إلى نحو 32%، في حين يكون الاحتمال 20% للذين يتزوجون بين 20 و24 عامًا، و15% للذين يتزوجون بين 25 و29 عامًا.

ولتحقيق استقرار اُسري لا بد أن تتلاحم عِدة قطع وتتشكل في ما بينها وترسم فسيفساء جميلة تسمى "الاستقرار الزواجي"، وهذه القطع تتمحور في التقبل والالتزام والتفاهم والتوافق ومعالجة الصعوبات والنزعات بوسائل سلمية.

اقرأ ايضاََ أسباب ارتفاع معدلات الطلاق واستراتيجيات الزواج الناجح

كيف يتم تحقيق الاستقرار الأسري؟

فيرى عالما النفس "غوتمان" و"شوارتز" أن تقدير الطرفين لبعضهما يُزهر الثقة ويصبح من السهل تعزيز العلاقات الزوجية وتزدهر، مع ملاحظة النقاط الإيجابية وتجاهل السلبيات.

إن الركائز الرئيسة لرضاء الزوجين هو النضج الانفعالي، وتبادل الأفكار والإصغاء لكل طرف، والوفاء بالوعود، وتقدير الذات، ومواجهة المشكلات باستراتيجيات بناء، والاستعداد للتضحية وتغيير سلوك الصراخ والغضب إلى سلوك الاستماع والاهتمام، وتعلم كيفية طرح المواضيع.

وإعادة بناء الأفكار المشوهة والخاطئة، وتحمل كل طرف مسؤولياته، مع وجود التشجيع والدعم الاجتماعي خاصة في ظل العصر الذي نعيش فيه -عصر الضغط والسرعة- فلا بد لكل طرف أن يلقى تشجيعًا، خاصة المرأة العاملة، وعمل الزوج لسد حاجيات أسرته وتحسين الظروف الاقتصادية.

زيادة على ذلك فإن المقوم الديني هو أهم المقومات التي تؤدي إلى زيادة التماسك والوحدة بين أعضاء الأسرة، وهو الإسمنت الذي يوطدها ويزيد تماسك الأسرة فكريًّا ومعنويًّا، ويحميها من خطر التفكك، فالدين الإسلامي أوضح أن أسس ومبادئ الحياة الزوجية السعيدة تقوم على المودة والرحمة والمعاشرة الطيبة والفضل.

سؤال: حسب وجهة نظرك.. ما العوامل التي تراها سببًا في انتشار وتفشي هذه المصيبة "الطلاق" في مجتمعك؟ مع إعطاء حلول ووسائل لموجهتها..

طالب في تخصص علم النفس العيادي والعلاجات المعرفية السلوكية ، مهتم بقضاية الإجتماعية والأسرية والرياضية والثقافية والتاريخية، واعشق الرويات والكتب واحب رواية الى قلبي هي رواية جورج اوريل "مزرعة الحيوان "

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

طالب في تخصص علم النفس العيادي والعلاجات المعرفية السلوكية ، مهتم بقضاية الإجتماعية والأسرية والرياضية والثقافية والتاريخية، واعشق الرويات والكتب واحب رواية الى قلبي هي رواية جورج اوريل "مزرعة الحيوان "