هل يعاقب القانون المصري على الانتحار والمشاركة فيه؟ تحليل قانوني شامل

الانتحار من الظواهر التي تثير جدلًا واسعًا، خصوصًا من الناحية القانونية. فبينما يعد القتل جريمة واضحة تستوجب العقاب، يثار التساؤل عن مدى مسؤولية المنتحر قانونيًّا، وكذلك موقف القانون ممن يساعد أو يحرض على الانتحار. في هذه المقالة، نحلل موقف المشرع المصري من الانتحار، الشروع فيه، والاشتراك فيه، مع استعراض أمثلة من التشريعات المقارنة.

يسفر الواقع العملي عن حدوث حالات انتحار من حين إلى آخر، وتتزايد في السنوات الأخيرة، ويتساءل بعضنا عن الآثار القانونية للانتحار، والتنظيم القانوني بشأنه، ما يدعونا إلى أن نبين خلاصة موقف المشرع المصري تجاه هذا الأمر.

الفرق بين القتل، القتل الرحيم، والانتحار في القانون المصري

أولًا: يوجد فرق بين القتل والقتل بالرضاء والانتحار، فالقتل يفترض اعتداء شخص على آخر وإزهاق روحه، والقتل بالرضاء يفترض أيضًا اعتداء شخص على غيره وإزهاق روحه ولكن بموافقة المجني عليه وبطلب منه، وهو ما يعرف أيضًا بالقتل الرحيم، كأن يكون المجني عليه مريضًا بمرض لا يُرجى منه الشفاء، فيطلب من غيره أن يتدخل هو ويقتله لكي ينهي معاناته. أما الانتحار، فيفترض أن الشخص ينهي حياة نفسه بنفسه.

وغني عن الذكر أن القتل مُجرَّم في جميع دول العالم ومُقرَّر له أقصى العقوبات، والقتل بالرضاء أو القتل الرحيم ذهبت بعض الدول إلى السماح به وفي حدود معينة، ولكن معظم الدول تميل إلى تجريمه خاصة الدول العربية، فالمشرع المصري لا يعرف القتل الرحيم؛ لأنه من الثابت أن رضا المجني عليه لا يصلح سببًا لإباحة القتل، ومن الثابت أيضًا أن حق الشخص في الحياة ليس حقًا خالصًا له، وإنما هو حق للمجتمع أيضًا، ومن ثم ينشأ حق المجتمع في القصاص من الجاني في هذه الحالة.

أما الانتحار، فبرجوعنا إلى قاعدة الشرعية الجنائية، أي شرعية الجرائم والعقوبات الجنائية، سنجد أن القاعدة الأساسية هي «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» أو بعبارة أخرى «لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون»، وذلك وفقًا لنص المادة 95 من الدستور المصري، دستور 2014.

هل يعاقب القانون المصري على محاولة الانتحار؟

وفي التشريعات المصرية، لا يوجد قانون أو نص يفيد بتجريم الانتحار، ولا بتجريم الشروع فيه، ولا حتى بتجريم الاشتراك فيه.

لذا فإن الانتحار في القانون المصري يكون غير معاقب عليه في جميع الأحوال، فهو يدخل في فلك الأفعال المباحة، وغير مؤثم من الناحية القانونية.

في رأينا، أنه لا يثور التساؤل إذا حاول شخص أن ينتحر ونجح في ذلك فعلًا، فليس من المعقول أو المتصور عمليًّا أن يُحَاسَب شخص ميت! فضلًا على أن الدعوى الجنائية تنقضي بوفاة الشخص، فكيف تُقَام الدعوى الجنائية عليه والتحقيق معه وخلافه؟!

عقوبة الانتحار في القانون المصري

وكيف سيُعَاقَب المنتحر؟ وكيف ستحقق العقوبة أغراضها وأهدافها!؟

بذلك، نفهم أن تجريم الانتحار في ذاته هو أمر غير منطقي وليس له أية جدوى. وترجمة لذلك، فإن معظم -إن لم يكن كل- دول العالم لا تجرم الانتحار في ذاته، لاستحالة معاقبة الشخص المنتحر بعد وفاته، ومن ضمنهم المشرع المصري بالطبع.

ولكن التساؤل الذي يمكن أن يثور هو: إذا ما حاول شخص أن ينتحر وفشل في ذلك، فهل يمكن أن تثار مسؤوليته الجنائية أو يُعَاقَب في هذه الحالة تحت بند الشروع في الجريمة أو الشروع في الانتحار؟

إن الإجابة لا بد أن تكون بالنفي؛ لأنه يترتب على عدم تجريم الانتحار بالتبعية عدم تجريم الشروع فيه؛ لأن الفعل في صورته الكاملة والتامة لا عقاب عليه، فمن باب أولى ألا يُعاقب عليه في صورته الناقصة، فالشروع عامة هو جريمة ناقصة أوقفت أو خاب أثرها لأسباب خارجة عن إرادة الفاعل.

وبعبارة أخرى، إذا كان فعل ما لا يعد جريمة جنائية، فمجرد الشروع فيه لن يعد جريمة جنائية أيضًا، فالانتحار مباح، وبذلك الشروع فيه هو شروع في المباح.

عقوبة الشروع في الانتحار

ونضيف إلى ذلك أن الشخص الذي يحاول أن ينتحر، إذ يقوم بذلك نظرًا لشعوره بضيق الحال والإحباط وفقدان الأمل ويأسه من الحياة عامة، فليس من الحكمة أن نزيد همومه وأعباءه، ونوجه له عقوبة جنائية، سالبة للحرية كانت أو مالية، إذ لا قيمة للعقوبة في هذه الحالة.

فلا ريب أن ملاحقة الشرطة للشخص في هذه الحالة، والقبض عليه، والتحقيقات الجنائية، والمحاكمة العلنية، ستؤدي حتمًا إلى نتائج عكسية. فالشخص الذي لا يخشى الموت، لن تردعه أية عقوبة جنائية، بل قد تزيد إصراره على الانتحار، نظرًا لأن ألم العقوبة سوف يزيد العبء والضغط على حياته.

وبعبارة أخرى، إذا كان الشخص يحاول أن ينتحر لأنه يشعر بأن حياته أشبه بالجحيم، فإن العقوبة الجنائية له في هذه الحالة ستجعل حياته أكثر جحيمًا! فالشخص الذي يحاول أن ينتحر لا يعدو كونه مريضًا ولديه أزمات نفسية وعاطفية واجتماعية أو يعاني ضائقة مالية كبيرة وهكذا، فهو يعوزه من المجتمع الرعاية والاهتمام لا الزجر والعقاب.

وأمام هذه الحجج -التي لا يتسع المقام لذكر جميعها- يتبين لنا أن معاقبة الشخص على محاولته للانتحار هو أمر لا فائدة منه. وتطبيقًا لذلك، فإن أغلب التشريعات الغربية والعربية لا تجرم الشروع في الانتحار، ومنها المشرع المصري بالتأكيد.

لماذا لا يعاقب القانون المصري على الاشتراك في الانتحار؟

ثمة سؤال آخر، إذا اشترك شخص مع غيره في الانتحار، كأن يحرض غيره على الانتحار، أو كأن يهيئ لغيره المكان المناسب أو الأدوات اللازمة لينتحر، فهل يعاقب الشريك في هذه الحالة وفقًا لقواعد المساهمة الجنائية أو الاشتراك في الجريمة؟

إن الإجابة أيضًا لا بد أن تكون بالنفي؛ لأنه يترتب على عدم تجريم الانتحار عدم إمكانية تطبيق قواعد المساهمة الجنائية أو الاشتراك في الجريمة، فتحريض شخص لغيره على الانتحار، ومد شخص يد العون لغيره ومساعدته على الانتحار، كل ذلك ليس بجريمة في القانون المصري، وهذا لأن الشريك يستمد إجرامه من الفعل الأصلي الذي ارتكبه الفاعل الأصلي، وما دام أن الفعل الأصلي مباح، فيجب أن يكون مجرد الاشتراك فيه أيضًا مباحًا.

ولأن الانتحار ليس بجريمة، إذن التحريض والمساعدة عليه لا ينصبان على جريمة بالأساس. وبصيغة أخرى، إذا كان فعل ما لا يعد جريمة جنائية، فمن باب أولى أن يكون مجرد الاشتراك فيه لا يعد جريمة جنائية أيضًا. فالانتحار مباح، وعلى هذا الاشتراك فيه هو اشتراك في المباح.

والحق أنه وردت آراء في البرلمان المصري ومناقشات حاول فيها بعض النواب وضع تشريع يعالج هذا الموضوع، ولكن لم يعمل بذلك على الإطلاق وبقي الحال كما هو عليه، أي عدم تجريم الانتحار، ولا تجريم الشروع فيه، وكذلك عدم تجريم الاشتراك فيه.

وننتقد بشدة مسلك المشرع المصري تجاه عدم تجريم الاشتراك في الانتحار، فكان حريًّا به، بدلًا من أن يلوذ بالصمت إزاء هذا الأمر، وهو ما يعني إباحته، أن يضع عقوبة جنائية لمن يساعد أو يحرض غيره على الانتحار، حتى لا يشجع ويساعد أفراد المجتمع بعضهم على قتل أنفسهم!

صحيح أن المشرع المصري لا يعاقب على الانتحار ولا على الشروع فيه كما سبقت الإشارة، ونحن نتفق معه في ذلك؛ لأن بعض الأسباب المنطقية تمنعنا من وضع عقوبة للانتحار أو الشروع فيه كما سبق وبينا بعضًا منها.

ولكن من الغريب حقًا أن المشرع لا يجرم الاشتراك في الانتحار، فلا توجد أية أسباب معقولة لعدم التجريم في هذه الحالة، بل العكس هو الصحيح، فالمنطقي أن يجرم الاشتراك في الانتحار حتى لا يعاون الأفراد بعضهم على إنهاء حياتهم.

عقوبة الاشتراك في الانتحار

على أساس أنه لو علم الشخص أن مساعدته وتحريضه لغيره على الانتحار سيعرضه لعقوبة جنائية، فلن يفعل ذلك خشية العقوبة، ما يؤدي في النهاية إلى تقليل حالات الانتحار في المجتمع.

لن نبالغ إن قلنا إن المشرع المصري يشجع على الانتحار بذلك! فلو أن طبيبًا أو صيدليًّا أعطى مريضًا وصفة طبية سامة حتى يساعده على أن ينتحر، ولو أن شخصًا أعطى صديقه سلاحًا ناريًا لينتحر به، فكل ذلك غير معاقب عليه في القانون المصري -إن كنا نتحدث عن الانتحار بالطبع، أي ما لم يمثل فعلهم جريمة أخرى مستقلة-. وهذه هي النتيجة الوخيمة المترتبة على مسلك المشرع المصري.

ولا شك في أن الشريك يكون قد أدى دورًا جوهريًّا في هذه الحالة، إذ لولا تحريضه ومساعدته للمنتحر لما انتحر غالبًا، ولذلك، فننادي المقنن المصري بأن يغير مسلكه وفي أسرع وقت ممكن، ويضع عقوبة جنائية بنص خاص وصريح لمن يحرض أو يساعد غيره على الانتحار، كما فعلت معظم الدول العربية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، جرَّمت هذه الدول المساعدة على الانتحار بنص خاص وصريح في قوانينها: البحرين - الإمارات - قطر - عمان - الكويت - العراق - الأردن - لبنان - سوريا. وكذلك جرَّمت تشريعات غربية عدة المساعدة على الانتحار.

اعتبارات يجب على القانون المصري مراعاتها بخصوص جريمة الانتحار

وكما ننادي بضرورة مراعاة الاعتبارات التالية:

  • ضرورة وضع عقوبة للتحريض على الانتحار بعدِّه اشتراكًا في الجريمة، لأن في أحيان كثيرة يؤدي التحريض دورًا كبيرًا في حدوث الجرائم، وفي التشجيع على ارتكابها، فقد يكون من وُجِّه إليه التحريض لم تخطر على باله الفكرة بالأساس، والمحرض هو من زرعها في عقله وألفت نظره إليها، فالتحريض على ارتكاب الجرائم عمومًا هو أمر شديد الخطورة.

على أن تكون الجريمة من جرائم الخطر، فمجرد تحريض شخص لغيره على الانتحار يعد جريمة، ولو لم يستجب من وُجِّه إليه التحريض، ولو لم يترتب على التحريض أي أثر، مع تشديد العقوبة إذا استجاب من وُجِّه إليه التحريض وترتب عليه انتحار أو شروع فيه.

ويجب أن تُشدَّد العقوبة إلى حد كبير إذا كان التحريض على الانتحار في علانية أو في إحدى وسائل النشر كالصحف والجرائد، أو في محطات الإذاعة والتليفزيون والراديو، وغيرها، أو إذا كان التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي.

على اعتبار أن هذه المنصات أصبح لها تأثير كبير على الجمهور وعلى سلوك حياتهم، ولأن التحريض في علانية يؤدي إلى استجابة عدد غير محدود من الأفراد، وليس مجرد شخص واحد.

  • وكذلك وضع عقوبة لمن يساعد غيره على الانتحار بأي وسيلة من الوسائل الممكنة والمؤدية إلى ذلك، وتشدد العقوبة إذا ترتب على هذه المساعدة انتحار أو شروع فيه.
  • وكذلك يجب أن تُشدَّد العقوبة إذا كان المنتحر يعاني نقصًا في الإدراك والتمييز أو كان سنه يقل عن ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة.

ملحوظة: إذا كان المنتحر فاقدًا للإرادة والتمييز تمامًا، كالمجنون أو الصبي عديم التمييز، فيُعاقب من ساعده أو حرضه على الانتحار في هذه الحالة بعقوبة القتل العمد، بعدِّه قاتلًا وليس مشاركًا في جريمة انتحار، على أساس أنه فاعل معنوي في جريمة القتل، وما المنتحر إلا أداة لتنفيذ جريمته.

فالشخص في هذه الحالة، بدلًا من أن يقتل بنفسه مباشرة، فإنه يطلب من طفل عديم التمييز أن يقفز من الشرفة، أو يشجعه على العبث بأسلاك التيار الكهربائي، أو مثلًا يجعله يلعب بالكرة بجوار حمام سباحة مع علمه برجحان سقوط الطفل فيه وموته غرقًا.

أو مثلًا يحرض مجنونًا على العبث بالنار أو عبور طريق سريع حتى تصدمه سيارة، وهكذا، فلا شك في أن المحرض أو المساعد في هذه الحالة هو قاتل، طبقًا لنظرية الفاعل المعنوي، ذلك أن الانتحار يحتاج إلى إرادة، وهؤلاء ليست لديهم أية إرادة، وإنما الإرادة كانت إرادة القاتل ورغبته في إزهاق أرواحهم، واستعملهم أداة لتنفيذ جريمته، حتى يبدو الأمر وكأنهم منتحرون لا مقتولون، على خلاف الحقيقة.

والخلاصة أن تحريض أو مساعدة شخص فاقد الإرادة على الانتحار يعرِّض من ساعده في هذه الحالة إلى عقوبة القتل العمد أو الشروع في القتل إذا وقفت الجريمة عند حد الشروع، بعدِّه فاعلًا معنويًّا.

عقوبة المساعدة على الانتحار

وفي النهاية، نتمنى السلامة النفسية للجميع، ونوصي بشدة أي شخص يحاول أن ينتحر أو لديه أفكار انتحارية حقيقية، بضرورة التوجه إلى الأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين وكل من لهم خبرة تتعلق بهذا الشأن، ليس لشيء، ولكن لأن التجارب العملية أثبتت أن الأدوية والوصفات الطبية والمناهج التي يضعها هؤلاء المتخصصون تساعد بشكل فعال في تحسين حياة الأفراد، وتغيير طريقة تفكيرهم على نحو جذري، بشهادة أصحاب التجارب أنفسهم.

فهؤلاء الذين خضعوا إلى العلاج يأتون في مرحلة لاحقة ويتحدثون عن تجربتهم قبل وبعد العلاج، وكيف أنهم حققوا نتائج مذهلة بعد المتابعة والانتظام في العلاج مع المختصين، لعل الشخص يعدل عن أفكاره الانتحارية، ولعل تتغير حياته إلى الأفضل بإذن الله.

المرجع العام: وللمزيد من التفاصيل، انظر البحث المنشور للدكتور محمد حماد مرهج الهيتي، كلية الحقوق - جامعة البحرين، تحت عنوان «نطاق المواجهة الجنائية للانتحار: دراسة تأصيلية تحليلية في التشريع البحريني والمقارن».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة