هل يؤمن ناس اليوم بالفضيلة حقّا؟

أتذكر قصة قرأتها في صغري تدور وقائعها في صحراء الحجاز حيث كان هناك بدوي حُكم عليه بالقتل من طرف جماعة، ولكنه طلب من القائد أو شيخ القبيلة أن يُمهله ليذهب ويسلم على أهله ويصفّي بعض الأمور العالقة ثم يعود، ولكنه قال له : ومن يضمن لنا أنك تعود؟ يجب أن يكفلك أحد وإن لم تحضر أنت قتلناه مكانك.

فانبرى شخص من الجماعة وقال: أنا أكفله.

ومع غروب ذلك اليوم وبعد أن كاد الجميع أن ييأسوا من عودته وكان الكافل يعدّ نفسه لاستقبال الموت، عاد المحكوم وهو يلهث ويتصبب عرقاً وسلم نفسه.

فقال له شيخ القبيلة: كيف عدت يا هذا وأنت تعرف أنك آت لقطع عنقك؟

فقال: عدت لكي لا يُقال ضاع الوفاء من الصحراء.

فالتفت للآخر وقال له: وأنت كيف تكفله بدون حتى أن تعرفه؟

فقال: فعلت ذلك لكي لا يقال ضاعت المروءة من الصحراء.

مثل هذه القصص في الماضي كثيرة حيث كان الناس رؤيتهم أوسع وأشمل من رؤية ناس هذه الأيام التي لا تتجاوز مصالحهم الضيقة، كان الناس حينها حينما يتصرفون يحترمون مواثيق أخلاقية وقيمًا كونية يُؤمنون بوجودها حقّا وفعلاً لا قولاً، كانوا بتصرّفهم يُؤسسون لقيم وفضائل ويُؤسسون للمستقبل وكان نظرتهم واسعة تشمل أبعاداً عديدة لا فقط بعداً واحداً.

ناس اليوم يدعون معظمهم الإيمان ولكنهم في قرارة قلوبهم لا يصدقون بوجود العوالم الأخرى ولا بالوجود الحقيقي للفضائل والقيم.

من القصص التي قرأتها عن روما واحدة تتحدث عن قائد حربي عتيد كان يقيم المضارب على الحدود مع منطقة العدو، وكان هناك قانون صارم قد تم سنّه حينها هو أن التحرك يجب أن يكون دائماً في إطار مجموعة، وأن الجندي الذي يذهب إلى منطقة العدو ويدخل إليها مغامراً بمفرده يجب أن يعاقب بالقتل، وحدث أن ذلك القائد كان له ابن شابّ كان مزهوّا بقوته وشبابه وأراد أن يظهر بسالته فاخترق مناطق العدو وحيداً،وسرعان ما تم القبض عليه من جنود أبيه وساقوه للمحاكمة فأمر القائد بقتله فورًا، ولكن الجنود وغيرهم من الأهالي رقّت قلوبهم وتوسلوا إلى قائدهم أن يعفو ويصفح عن الولد.

فقال لهم : قلب الأب فيّ يقطر أسًى وحزنًا ولكن قلب القائد فيّ يقول أنا سأرحل وابني سيرحل وروما باقية، روما ستبقى عندما يحترم أهلها القانون. ولم يصدق الجموع أنه سيقتله حقاً ولم يفيقوا من ذهولهم إلا على مرأى الدم ينبثق مثل نافورة، فانخرطوا في البكاء والنشيج.. وفعلاً لم تكن الحضارة الرومانية لتعمّر ثلاثة آلاف سنة وتمتد امبراطوريتها على رقعة واسعة من الكوكب لولا كان فيها احترام لعدد من القيم الحضارية والأخلاقية على الأقل احترام قوانين المدينة... هنا يحضرني مرة أخرى-رغما عني -  المقارنة مع ناس هذه الأيام... كم من الناس اليوم قادر على القيام بفعل أخلاقي نبيل أو التضحية بمصلحته الخاصة من أجل قيمة مجردة في الكون لا يراها ولا يلمسها ، ويقول: فعلت هذا لكي لا يقال ضاع العهد من العراق أو لا يقال ضاعت الشهامة من مصر ؟؟ ليسوا كُثرًا أليس كذلك؟

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب