هل للرعب حقًا علاقة بالأزمات العالمية والاضطرابات النفسية؟!

الرعب، بدأ كنوع من الأدب القصصي وصف بأنه ردة فعل ضد صرامة حركة التنوير قبل أن يصبح أكثر فئة أفلام تتمتع بمشاهدة عالية وتحصد أعلى الإيرادات. 

حيثُ نشأت رواية الرعب مع نشر رواية هوراس والبول "قلعة أوترا نتو" عام 1764م، إذ وضع والبول النواميس الأساسية لروايات الرعب القديمة، تحديدًا القوطية من القلاع المسكونة والرموز والأبنية المميَّزة القاتمة والبطلة البريئة... الخ).

وشهد الرعب العديد من التغيُّرات، والابتكارات، والتحولات في المكان والزمان والمواضيع والأفكار، وكيفية رسم الشخصيات بأبعاد أثرى وأعمق وأكثر تعقيدًا منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى يومنا هذا، متأثرًا بالكثير من العوامل السياسية والاجتماعية والنفسية.

ولا نستطيع أن ننكر تأثير انتشار الحروب، والجوائح، والعنف، والعنصرية، والاتجار بالبشر، والتفكك الأسري، وغيرها من القضايا على الإنسان، الذي وجد نفسه عرضة وبشكل دائم لتهديدات وحشية من قِبَل المحيط الذي يتواجد فيه.

والذي أدى للجوء البعض للعديد من النظريات كوسيلة للتنفيس والتمرد على هذا الواقع القاسي المرعب مثل نظريات المؤامرة والماورائيات. 

ونبتت أفلام الرعب في رحم هذا الضغط النفسي الهائل الممارس على الإنسان، فوجد من خلاله الأخير متنفس عن احباطاته وكبته.

ففي هذه العوالم المخيفة يجد المبدع السلطة لخلق عالم يثأر له من العالم بأكثر الطرق وحشية واضطرابًا دون محاسبة، فهناك يستطيع التعبير عن سادته وظلامه بأريحية شديدة، فتنقلب الأدوار ليصبح هو الفاعل بعد أن كان مفعولاً به.

ويلح علينا الآخرون دائمًا بسؤال هام نحن محبي الرعب، هل يحب أحدنا حقًا أن يخاف؟! 

والإجابة يعرفها محبي روايات وأفلام الرعب جيدا، هذا الانتشاء وتلك الرغبة المجنونة لاقتحام هذا العالم المجهول المظلم، والخروج منه مرتجفاً ولكن سالمًا، لتحمد الله ألف مرة، أن كل ما رأيته أو قرأته كان مجرد رواية أو فيلم.

وهذه تحديدًا هي أول خاطرة ألحت عليَّ ودفعتني لكتابة هذا المقال، تحديدًا عندما قرأت عن (نظرية التطهير"catharsis") لأرسطو، ونظرية التطهير عند أرسطو بشكل مبسط وموجز هي: (التطهير يراد به في المأساة عند أرسطو تنقية نفوس المشاهدين بإثارة خوفهم مما يحدث للبطل وتحريك كوامن شفقتهم ورحمتهم وهي فكرة ترجع أصولها إلى معالجة الداء بالداء فيعالج الداء الحقيقي الواقعي عن طريق إثارة شبيهة المتخيل غير الواقعي إثارة فنية قائمة على حشد المشاعر وتوجيهها بغاية تطهير النفس من أدرانها).

وفي رأي هي لا تنطبق على التراجيديا فقط فبالرعب، تغسل نفسك من مخاوفك الداخلية الكامنة، وتحمد الله أنك لست موقع البطل الذي يعاني في الأغلب مصيرًا مؤلمًا مرعبًا، لتتركك الرواية أو تغادر دار عرض الفيلم وأنت في حالة رضا عن ذاتك وحياتك المتواضعة، مدثرًا بغطائك وتحتسي مشروبك المفضل ومن حولك أحبابك سالمين... ليسوا مصاصي دماء ولا زومبي ولا أشباح عائده الانتقام. 

فتتلفحك هالة من الرضا متمنيًا أن تظل فقط هكذا غير طامحًا في المزيد، فالمزيد يعني المجهول والمجهول مرعب... فكم من طفل يعشق قصة الغولة، والعاو، وأبو رجل مسلوخة... كم من مار يصطف بسيارته جانبًا ليراقب حادث سيارة ما ويتجمهر الناس لرؤية جسد الضحية في توجس وفضول، تلك النزعة اللاإرادية، والتي قد تحمل نزعة ماسوشية لتعذيب النفس برؤية مشهد الضحايا المشوهين، وأنت لا تعرف سبب رغبتك في المشاهدة هل هي احتفالاً داخليًا بنجاتك من حادثة أخرى أم هو نوع من التشفي؟! 

ولعل أكثر الأسباب المؤدية لكثرة وتنوع أعمال الرعب، هو العصر الحاضر، الذي واجه الإنسان فيه الكثير من الأزمات التي تعتبر الأقسى على مدار تاريخه الطويل سواء من حيث تنوعها أو شدتها وضراوتها، وأيضًا النتائج المترتبة عليها، ومن هنا يمكن وصف هذا العصر بعصر الأزمات، رغم تعرض كل فرد أو مجتمع خلال فترات زمنية سابقة لأزمات بالغة العنف والقسوة إلا أن ما يمر به الإنسان بشكل عام الآن يفوق بكثير تلك الأزمات في تأثيرها وتغييرها لنظرة الإنسان لنفسه ولمن حوله من بني البشر، وإلى القيم المقدسة والمعتقدات السائدة، بحيث يجد نفسه مضطرًا إلى التمرد على ذاته وعلى إنسانيته.

ورغم ذلك يلقى أدب الرعب أو سينما الرعب نظرة استهانة من العديد من النقاد لاعتباره، من وجهة نظر البعض درجة ثانية كما أطلق عليه، أو نوع من التسلية الوقتية لبعده عن تناول قضايا فكرية أو فلسفية جادة، أو كما يظن البعض، وهو ما يرفضه ويستهجنه محبي الرعب كليًا.

حيث إن العديد من النصوص الأدبية والأعمال الفنية والتي تندرج كلها تحت تصنيف الميتافيزيقا أو الرعب تثبت أن هذه الفرضية غير صحيحة، بل وأن الكثير من أعمال الرعب الأدبية والسينمائية تناقش العديد من القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية، وحتى الفلسفية والنفسية شديدة الإلحاح والتعقيد ولعلَّ من ضمنها مرض "اضطراب ما بعد الصدمة" أو ما يسمى علميا ب PTSD.

إن اضطراب أو كرب ما بعد الصدمة النفسية (PTSD) هو واحد من أقوى الاضطرابات النفسية انتشارًا في العالم حاليًا وأكثرهم تناولاً من قبل المبدعين خاصة في مجال الرعب، حيث يتفشى هذا الاضطراب وتظهر أعراضه جلية في الفترة التي تلي الحدث الصادم الذي يتعرض له الفرد، والذي يفوق خبرة الفرد وقدرته على التكيُّف مع هذا الموقف الصادم، وهو الأكثر شيوعًا لدى الشعوب المنكوبة بالحروب وبأنظمة سادية، والكوارث الطبيعية وحالات التفكك الأسري أو موت أحد أفراد الأسرة والاغتصاب أيضًا.

ويعتمد المبدعون على استخدام أسباب وأشكال مرض اضطراب ما بعد الصدمة والذي يؤثر في تطور أعمال الرعب المختارة من خلال تغيّرات وتحولات شخصيات العمل، والتي تعكس موضوعات وقضايا معقدة يواجهها الإنسان في القرن الواحد والعشرين.

وختامًا، اختلف من اختلف وهاجم من هاجم، سيظل الرعب متربعًا قوائم الأدب والسينما محققًا أعلى نسب المشاهدة والإيرادات... فجمهوره النهم لن يخذله أبدًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.