هل ستحل الروبوتات محل المعلمين مستقبلا؟ الجزء الأول

 تتعدّد الفرضيات والتكهنات حول مستقبل التعليم في ظلّ التطورات الجديدة، فهناك من يتوقع أنّ التغيير لن يقتصر على تغيير أساليب التدريس فحسب، بل سيتعدى ذلك لتقوم الروبوتات بدور المعلمين ومهامهم بالكامل.

بينما يرى آخرون أنّ التعليم عملية اجتماعية تتطلب التواصل البشري، ومن المستحيل الاستغناء عن المُعلم تماماً، بل على العكس سيتطور أداؤُه، ويتحسّن من خلال استثمار الروبوت والتكنولوجيا الرقمية في  تسهيل مهامه الأساسية وإنجازها بسرعة.

10 روبوتات واقعية ستفزعك

صوفيا أول روبوت يعمل بنظام Android في العالم بعد حصولها على الجنسية تريد أن تنجب طفلا!

كيفية إنشاء روبوتات الدردشة الحية "ChatBot" للحصول على المزيد من المبيعات والعملاء

التدريس مهنة إنسانية

صحيح أنّ الروبوتات تتصدّر نشرات الأخبار التكنولوجية يومياً تقريباً، وهي من الموضوعات المفضّلة لمنتجي أفلام الخيال العلمي.

إلا أنّ أهميتها تتعدى ذلك إلى تغيير طبيعة العمل الحالي، حيث تواجه قطاعات ومهن كثيرة احتمال سيطرة الآلات والتحول إلى الأتمتة.

فمثلاً تُستَغلّ تكنولوجيا الروبوتات اليوم في صناعة اللوحات الكهربائية، والتعدين، وقطف الثمار، والطباعة ثلاثية الأبعاد.

ومن المحتمل في وقت ليس ببعيد أن تحلّ الروبوتات محل الأطباء والمحامين والمحاسبين، إلا أنّ مجال التعليم يبدو استثناءً من هذا التحول، فعلى الرغم من الحديث عن احتمال استبدال المعلمين بالروبوتات مستقبلاً، فإنّ الغالبية العظمى ترى أنّ مجال التعليم سيبقى حكراً على البشر بصفته مهنة إنسانية.

الروبوتات وشروط التعليم الناجح

 وإذ يختلف خبراء التعليم حول كثير من القضايا، إلا أنهم يُجمِعُون على أنّ التعلم عملية اجتماعية وإبداعية تقوم على التفاعل مع الآخرين الأكثر دراية ومعرفة.

وهناك اعتقادٌ سائد بأنّ التعليم الناجح يحتاج إلى مُعلّم ذي خبرة واسعة يقود، ويُوجّه الطلاب في إطار بيئة اجتماعية ثرية.

هذا الاعتقاد يُعزّز استمرار هيمنة التعليم المدرسي والجامعي الذي يعتمد على أسلوب المحاضرات المباشرة وجهاً لوجه، ويتطلب حوارات ونقاشات وأبحاثاً مشتركة أحياناً.

على الجانب الآخر، شهد العقدان الماضيان تقدّماً كبيراً في مجال الذكاء الاصطناعي، فظهرت تقنيات متطورة مثل التعلم الآلي.

تستطيع هذه التقنيات العمل بسرعات مذهلة ومقاييس تفوق قدرة البشر. وهناك مزاعم بأن التكنولوجيا قادرة على دعم أشكال متنوعة من التعليم الذي لا يتطلب مشاركة البشر. لذلك، لا بدّ من دراسة الآثار المترتبة على استخدام الروبوتات والتقنيات الحديثة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في التدريس.

مهمة المعلّم هي تطوير الإنسان

المعلّم إنسان يكرس حياته ليتعلم من أجل أن يعلم الآخرين، ويحفزهم على المزيد من التحصيل والوعي والإبداع، فهو يُساعدهم على اكتساب المعرفة والمهارات.

ولذا يجب أن يمتلك المعلم نوعاً من المعرفة المتخصصة في موضوعه وتخصصه. فهو يحتاج قدراً من المعرفة والخبرة في علم أصول التدريس، وهذا مصطلح تخصصي يُشير إلى الاستراتيجيات والمهارات والنظريات الخاصة بطُرق التدريس ونقل المعرفة للمتعلمين.

ولذا ليس بالضرورة أن يكون كل خبير في موضوع معين مُعلماً ناجحاً، لأنّ المعلّم الناجح يجمع بين الجانبين: “معرفة المحتوى” و”المعرفة التربوية”.

ويُؤخذ على أنظمة التعليم التقليدية وكما هو حال أي دور قيادي في المؤسسات، حيث تندرج الوظائف التنظيمية والتأديبية ضمن مسؤوليات المعلمين، فضلاً عن مهام إدارية وبيروقراطية كثيرة، فيجد المعلم نفسه غارقاً في إنجاز هذه الواجبات الروتينية، وفي تقديم أدلة تُثبت تأدية المهام التعليمية بدلاً من التدريس الفعلي، مما يُهدر الكثير من الوقت والجهد. 

ولا يقتصر التعليم على التّلقين، فالمعلّم الجيّد يُوجّه طُلابه ويساعدهم على استنباط العلاقات وتشكيل روابط بين المعلومات الجديدة، وقد يكون ذلك من خلال الاستكشاف والتجربة مع تقديم الإرشاد والتوجيه والدعم. وتعكس وجهة النظر هذه رؤية “ديفيد كوهين” الذي يرى أن التعليم هو مهنة “تطوير الإنسان”، ومن ثم فإنّ هذا المصطلح يُوسّع مجال تركيز التدريس ليشمل تنمية الشخصية بدلاً من الاقتصار على اكتساب وإكساب المعلومات.

الذكاء الاصطناعي نتاج الذكاء البشري

مهنة التدريس وظيفة شديدة التعقيد، ولذا فإنّ السعي للعب هذا الدور يحمل طموحاً كبيراً.

وإذا كان التعليم مهنة “تطوير الإنسان”، فهل البشر هم دائماً الأكفأ لأداء هذه المهمة؟

هناك من يرى أنّ مهنة التدريس لا ينبغي أن تكون حكراً على الإنسان، وهناك دعوات كثيرة - وخصوصاً من خارج مجال التعليم- لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى جانب المُعلمين، إن لم يكن بدلاً عنهم.

يرى بعض الباحثين وخبراء الذكاء الاصطناعي أنّ التقنيات الحديثة ستُغير قواعد اللعبة، ويرى آخرون أنّ الروبوتات ستحل محل المعلّمين في غضون 10 سنوات.

بينما يتوقع بعضهم أن يحظى المعلمون في المستقبل القريب بمساعدين من الروبوتات لدعمهم في إنجاز مهامهم.

تختلف هذه التوقعات وتتناقض، إلا أنها تتفق على فكرة واحدة وهي أنّ التغيير، بغض النظر عن شكله، قادم لا محالة. كما يقول “دونالد كلارك”: “في مرحلة ما قد ننظر إلى الوراء، أي إلى المعلمين والفصول الدراسية، بنفس الطريقة التي ننظر بها إلى التصنيع اليدوي بعد غزو الآلات للمصانع.

هذا لا يعني إطلاقاً أنّ المعلمين ليسوا أذكياء، أو أنهم بلا قيمة، إلا أنّ التكنولوجيا قد تُصبح أكثر ذكاءً ونفعاً في مجالات عديدة”. وهنا تقول “كريستين هاوسر”: “من السهل فهم مزايا استخدام الروبوت المعلّم؛ فالمعلم الرقمي لن يحتاج إلى إجازات، ولن يتأخر عن العمل، كما أن الأنظمة الذكية لا تُخطئ.

فإذا كانت الروبوتات مبرمجة بشكل صحيح، فإنها لن تُمارس التحيز ضد الطلاب على أساس الجنس والعرق والوضع الاجتماعي والاقتصادي والشخصية أو أي اعتبار آخر”.

بين المعلم الروبوت وبين المعلم البشري 

ولكن المقارنة بين البشر والتكنولوجيا ليست بالسهولة التي تبدو لعدة أسباب، أهمها:

  • أولاً: ليس كل البشر معلّمين أكفاء، وليسوا كلّهم بنفس مستوى الجدارة، كما يُمكن للآلات أن تُنجز بعض جوانب العمل التدريسي بشكل أفضل من الإنسان، حيث تتضمن جداول عمل المعلمين التزامات روتينية ومهام ليس لها أي صلة بالمشاركة المباشرة مع المتعلمين وتعليمهم.

فمن المنطقي أن نفترض أن يحلّ الروبوت محل المعلّم الذي يقتصر عمله على نقل المعلومات وتفقد سجلات الحضور.

ثانياً: من الصعب الفصل بين “التكنولوجيا” و”الإنسان” لأنّ التكنولوجيا هي نتاج بشري من حيث أصلها وطريقة أدائها.

“الروبوت المُعلم” هو مزيج من الناس والآلات والعالم المادي والبُنى والإعدادات الاجتماعية المشفرة.

ومن ثم، فالروبوتات مصممة ومعدّة ومبرمجة من قِبل مصممين بشريين. وبالمثل، فإنّ “التعلّم الآلي” قائم على أجهزة كمبيوتر تحاول تمييز الأنماط ضمن التفاعلات المجمّعة لملايين البشر.

فإذا ما أردنا أن نفهم آلية استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي في التعليم، فعلينا اتّباع النهج “التقني الاجتماعي”- أي النظر إلى التكنولوجيا على أنها مزيج من العوامل التقنية والعلمية إلى جانب العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

ولذا، فإن التمييز بين “المعلم الإنسان” و”المعلم الروبوت” ليس مسألة أشخاص مقابل آلات، لأن الأمر يتعلق بكيفية تشابك مجموعات مختلفة من الناس مع الآلات والبرامج بطرق بالغة التعقيد وشديدة الترابط.

إنهاء التعليم التقليدي أو إصلاحه


يتزامن الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي مع الاستياء التربوي، والسياسي، والاجتماعي من مهنة التدريس.

حيث لم يعُد مدرسو المدارس ومحاضرو الجامعات يتمتعون بنفس مكانتهم في المجتمع كما عهدناهم في الماضي.

فالمعلمون اليوم يتسابقون للانسحاب من هذا المجال الذي أرهقته الأزمات، ومما زاد الأمر سوءاً انخفاض كفاءة المعلمين الجدد.

وتتماشى فكرة نشر تقنيات التدريس القائمة على الذكاء الاصطناعي مع استهداف تعطيل سياسات العمل التربوية الحالية بهدف تطويرها وتحسينها.

مستقبل العمل وتطور المهن

ينشغل العالم بشكل عام اليوم بمستقبل العمل والمهن في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث من المتوقع أنّ يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زوال وظائف ومهن عديدة، وخلق مهن جديدة لم توجد قبل ذلك.

فيبدو أنّ مصير مهن مثل المحاماة والصحافة والمحاسبة ستصبح في عصر الأتمتة الرقمية على المحكّ، وليس غريباً أن يلقى التدريس المصير ذاته. 

إنّ مسألة إحلال الروبوتات محلّ المعلمين ليست مجرد مسألة تقنية تتعلق بكيفية تصميم وتطوير أنظمة فعالة، ولا هي مجرد قضية تعليمية معنية بموضوع نظرية التعليم أو التصميم التربوي، إنما هي قضية تتعلق بالمجتمع والتاريخ والإنسانية، حيث يجب أن يُنظر إلى قضية تطبيق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على التعليم كمسألة بالغة التعقيد ومثيرة للجدل.

لا يجوز أن نقبل نتائج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم باعتبارها نتائج مسلم بصحتها، وذلك لنتجنب ما يسميه “هاري كولينز”؛ “الاستسلام لما نعرف أنه محدود، أي الآلات محدودة الذكاء”. 

......

شكرًا على القراءة..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة