يُطرح تساؤل في أوساط الشباب: ما حقيقة ما يُسمى بالتنمية البشرية، والأصح أن نقول تطوير الذات؟
إليك وجهة نظري التي تكونت خلال مرحلتين:
اقرأ أيضاً كيفية تطوير الذات
تطوير الذات
المرحلة الأولى
وهي تنقسم إلى شِقَّين؛ الشق الأول: عندما كنت منبهرًا بمفهوم تطوير الذات وحلوله الرائعة للمشكلات الحياتية حتى أحقق الأهداف التي طالما كنت أتجاهلها وأهملها، وربما أن تلك الأهداف لم تكن موجودة لولا تلك المرحلة التي قضيت فيها وقتًا ليس بالقليل مع الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله من خلال كتبه وبرامجه المسجلة، التي كانت تشكِّل وعيي آنذاك وتعد بمثابة محفز لإرادتي وطموحي في وقتها.
وعلى هذا فقد كنت أرى أن التنمية البشرية وسيلة لتحقيق المعجزات وتحويل الإنسان العادي إلى إنسان عظيم. أما الشق الثاني من المرحلة الأولى في نظرتي للتنمية البشرية فقد تحوَّلت كليًّا إلى الرفض القاطع والجازم لأي خزعبلات خرافية تُؤمِّل الشباب في أن مشكلاتهم ومعضلات حياتهم ستُحل بين عشية وضحاها ببساطة بعبارات رنانة ونصائح لا تراعي اختلاف ظروف وبيئات ونفسيات الشباب رغم أن تلك التوجيهات لا يُنكر أحد أنها مفيدة وقد تصنع شيئًا من التغيير في حياة البعض.
المرحلة الثانية
أحب تسميتها بمرحلة التوازان واتضاح الرؤية، في هذه المرحلة ظهر لي أن معظم كتب التنمية البشرية يبيع تقريبًا الأفكار نفسها مع إضافات بسيطة ولمسات خاصة لإضفاء طابع شخصي على المنتج، فما عدت أهتم بقراءة هذه النوعية من الكتب؛ لأنني تشبعت منها في المرحلة الأولى من تجربتي مع التنمية البشرية، التي علمتني أن أصح ما يمكن إطلاقه على هذه الشاكلة من المنتجات هو تطوير الذات؛ لأن مفهوم التنمية البشرية لا شأن له بتحسين الحياة الشخصية.
وإنما هي أمور تتعلق بالإحصاءات السكانية للدول وما إلى ذلك. ثم آتي إلى ما أريد الانتهاء إليه من كل هذا ألا وهو أن مجال تطوير الذات، كتبًا كانت أو برامج أو غيرها، يدور في فلك واحد وهو بث الأمل بعيدًا عن سوء أو حسن النية وراء بثه ومحاولة التحسين في حدود القدرة البشرية؛ لأن الشيء إذا استطاع أن يقوم به إنسان فما من إنسان يعجز عن القيام بالشيء نفسه إن التزم القواعد بانضباط تام بغض النظر عن أي عائق وارد الحدوث.
اقرأ أيضاً طور ذاتك تسعد في حياتك
أين تكمن مشكلة تطوير الذات؟
من ذلك يتضح لي أن المشكلة ليست في الحلول التي يعرضها القائمون على إنتاج ما له علاقة بتطوير الذات، وإن كان يوجد صنف من البشر يصور تطوير الذات بكل ما حوله كعصا سحرية تحقِّق الأحلام في غمضة عين، وما لنا ولهذا الصنف.
المهم أن موضوع تطوير الذات لا عيب فيه وإنما العيب كل العيب فيمن لا يشغل وقته إلا بسماع هذه النصائح وقراءة هذه النوعية من الكتب دون أن يحرك ساكنًا وإن تحمس قليلًا تلقه بعد وقت وجيز فاتر الهمة.
ولا ينضبط إلا أيامًا وربما ساعات قلائل فهو لا يصبر بل يريد النتائج فورية، يريد أن ينام حالماً بالهدف ليستيقظ فيراه قد تحقق، وهذا مستحيل حتى وإن تعلمت كل أسرار النجاح في الدنيا لا أرى أن تلك الضجة التي أثيرت حول خرافة التنمية البشرية في محلها فهي لا تقوِّم معوجًا بل تكسره وتقلب المعنى إلى عكسه وتزيد من مظاهر القنوط والاستسلام للفشل، وهذا مما لا يحمد، ومما لا مصلحة فيه ولا فائدة، بل إن فيه من المضار أكثر مما فيه من الفائدة والنفع. ويتفرع عن التساؤل السابق تساؤل آخر، ألا وهو:
اقرأ أيضاً كيف تطور من ذاتك؟
هل كتب تطوير الذات حقيقية أم مجرد كلام؟
إن نظرنا إلى واقع الأمر سنجد أن أغلب الكتب التي تتحدث عن الوصول للثراء تتشابه في 95% من مضمونها إلا في بعض الإضافات الطفيفة كما هي كتب تطوير الذات وكلها تركز على خطوط عريضة صرنا نحفظها لكثرة ما قرأنا عنها وسمعنا من ينصحنا بها.
ولقد وجدت المعلومات التي تضاف في ما يظهر في هذا النوع من الكتب ليست إلا تجارب شخصية لأصحابها أو تحليلًا لتجارب أناس آخرين، وربما يصل الأمر بالبعض إلى تلفيق قصص لم تقع حتى يقنعونا بما يقولون وإن قلنا هل لهذه الكتب من الجانب العملي نصيب ؟
يرجع الأمر أولًا وأخيرًا للشخص المعني بالأمر ولمدى ملاءمة النصائح لظروفه النفسية والبيئية والجسدية وقدرته المادية، على ما بين الظروف من تباين يجعل ملاءمة هذه النصائح تتفاوت في فاعليتها من شخص لآخر.
اقرأ أيضاً كيفية وأهمية تطوير ذاتك وشخصيتك
موقف الشباب من مصادر تطوير الذات
ولكن أقول إن معظم الشباب الذين يقرأون هذه الكتب لا يتعدى تأثيرها عليهم ما تفعله كتب التنمية البشرية، فهم يتحمسون ويتحفزون للبدء في تنفيذ النصائح وإعداد الخطط ظنًّا منهم أن ما يريدونه سيتحقق بمجرد الشروع في التنفيذ متجاهلين أن قرار الانطلاق في هذا الطريق جاء في لحظة إثارة وحماس دونما دراسة واعية وحقيقية لكل الاحتمالات التي قد تواجههم في المستقبل.
ودون وضع للقدرات والإمكانيات المتاحة في الحسبان مقارنة بالظروف التي سيتعرضون لها لأجل تحقيق الهدف، ومن المؤكد أن تحقيقه لن يحدث في ليلة وضحاها ولا في أسبوعٍ أو شهرٍ أو سنة؛ فالأمر يحتاج إلى صبر وقدرة تحمل واستعداد لتقبل وتخطي أي خسائر وأي إحباطات في الطريق.
كل ما ذكرت يذكره تقريبًا كل كُتَّاب المال ولكن لا يُجدي ذلك نفعًا مع الشباب؛ لأن فكرتهم لا تُبنى على علم ودراية حقيقية بالمجال الذي اختاروه يعتمدون فقط على نصائح سطحية ومتفرقة يجمعونها أو قل يتعرضون لها تعرضًا خاطفًا هنا وهناك من وسائل التواصل.
هل تطوير الذات يقوم بتغذية دماغك؟
حتى وإن قرأ أحدهم كتابًا لا يستطيع حصر ما فيه والإفادة منه بسبب التعرض الكثيف للمعلومات التي لا رابط بينها على المنصات والصفحات المختلفة؛ لذلك لا أرى كما وضحت في الإجابة على التساؤل الأول أن الذنب ذنب الكتب أو مَن ألفها؛ لأنها لا ريب تحوي من المعرفة والفائدة ما يمكن أن يهديك إلى أول الطريق.
فالإشكال هنا هو في المتلقي كيف يفهم ما يقرأ وكيف يطبِّق ما قرأه؛ لأن الكتب التي تعلِّمك كيف تصبح ثريًّا لا تعطيك العلوم والخبرات والقدرات التي تؤهلك لتصل للثراء بل تعطيك توجيهات معظمها يصلح لكل مجال وبعضها الآخر يختص بمجال معين ولكنها في نهاية المطاف عبارة عن نصائح لفعل أشياء ترفع من إنتاجيتك وتزيد فرص نجاحك ونصائح أخرى لتجنب أشياء قد تؤدي بك إلى فشل ذريع وخسائر فادحة.
وكلها أشياء بالبديهة لا بد لك من أخذها في الاعتبار مع تكييفها حسب وضعك؛ فهي لا تمنحك علمًا لتبدأ طريق الثراء فور انتهائك من قراءة الكتاب أو سماع المحاضرة.
وختامًا: الاستمرار في تغذية دماغك بهذا المحتوى أملًا في أن تصبح يومًا ما من الأثرياء أمرٌ من السخف بمكان؛ فتأثيره عليك لا يؤدي إلا إلى رفع مستوى الدوبامين في دماغك وأنت في مكانك لا تحرك ساكنًا مذهولًا متحمسًا. نعم قد يشكِّل هذا النوع من الاستهلاك عندك نوعًا من الوعي الذاتي لكن ما جدواه إن لم يغير في واقعك شيئًا ويتركك معلقًا بين الحقيقة والوهم أو قل بين الواقع والخيال.
فالاقتصار على المختصر المفيد القليل الدال خير من الاستهلاك المستمر للأفكار نفسها دون اكتساب معارف وخبرات تهيِّئك للبدء في تطبيق ما تعلمت من هذه الكتب.والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.