ما القرن العشرين سوى ثانية كونية تتمتع بها المرأة، جملة تكررت كثيرًا على مسامعنا عكس آلاف السنين الشاهدة على سلطان الرجل وتفوقه على المرأة.
وكل ذلك بالنسبة لكثير ليس سوى نتاج رواسب فلسفية رهبانية معينة، فكثير من الفلاسفة على رأسهم شوبنهاور كَره المرأة.
اقرأ أيضًا من كتاب " الجنس الآخر ".. هل الأنوثة كافية لتعريف المرأة؟
تاريخ الفلسفة من الرجال وليس النساء
فأرسطو مثلًا كان يقول: «إن قدرات المرأة العقلية أقل من قدرات الرجل العقلية»، وكثير من السلفيين لم يجدوا للمرأة مكانًا سوى بين أسوار المنزل، ومنهم من قدّم تفسيرات غريبة لقول الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-: «النساء ناقصات عقل ودين».
وهذا شيء لا شك أنه يقف ضد الإسلام ويعارضه، وإن هذه الاعتقادات كانت سببًا في تعرّض المرأة قديمًا إلى حملات تهين عقلها لا سيما الافتراض الخاطئ كقائل عبارة: «إن المرأة غير قادرة على التفكير»، أو إنّ تاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلاسفة من الرجال.
ثم جاء استعباد الرجال للنساء وسيطرتهم عليهن طويلًا، وما ترتب على ذلك كله من عدم إتاحة فرصة للنساء للتعلّم وإظهار قدراتهن العقلية.
ولو أنّك سألت هؤلاء الرجال: لماذا لا نجد نساء فلاسفة في التاريخ؟
لأجاب غالبهم: لأنّ المرأة رقيقة وعاطفية وانفعالية، وليس لديها القدرة على التفكير المجرد، أو أن الفلسفة في نهاية أمرها عقل، والنساء ناقصات في قدرتهن العقلية، فهنّ لا يبلغن من الكمال والعبقرية مبلغ الرجال.
وأعجب العجاب أنْ تجِد في بلادنا من يردّ هذه الأفكار الساذجة والآراء الخاطئة إلى الإسلام العظيم الذي قدّم لنا نماذج رائعة لنساء لا يغلب عليهن الانفعال والعاطفة.
ونحن للأسف نترك هذه الآيات المضيئة؛ لنأخذ بفكرة أرسطو القائلة إنّ قدرات المرأة العقلية أقل من الرجل أو أنها لا تصلح للحكم، بل هي لا تستطيع أن تدبر شؤون الأسرة؛ لهذا كان جنس الذكر أصلح للرئاسة من جنس الأنثى.
إنّ تسلط الرجال على النساء مسألة طبيعية جدًّا لا سيما حين نأخذ بفكرة أرسطو الوثني، ونتناسى الآيات البيِّنات التي تتحدث عن رجاجة عقل المرأة وسداد رأيها، تلك الآيات تتحدث بوضوح عن نساء أثبتن كفاءة في الحكم، ورجاحة في العقل، وقدرة وسعة أكثر بكثير من عشرات الرجال.
اقرأ أيضًا صورة المرأة الصحراوية في رواية تلك المحبة للسايح لحبيب
مشكلة العقل العربي في نظر الغرب
لا يمكن التغافل عن حقيقة أن للبيئة دور في تركيب القدرات وإظهارها حتى للرجال، وقد قال الغربيون أكثر من مرة إنّ العقلية الشرقية أقل من العقلية الأوروبية، متغافلين متناسين أيضًا الأثر السيئ للبيئة الشرقية، متجاهلين نماذج مضيئة من العقل الشرقي، ظهرت وأثبتت جدارتها عندما واتتها الفرصة.
ومن القضايا الغريبة التي أثارها المستشرقون قولهم إنّ العقل العربي غير قادر على التفلسف، وأنّ الفلاسفة المسلمين كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم ليسوا سوى صور باهتة عن أفلاطون وأرسطو أو أنهم خليط بينهما.
أو أنهم ليس لديهم قدرة على الإبداع والخلق، ولقد تصدى الأستاذ العقاد لمزاعمهم بقوله: «الواقع أنه لا اختلاف في أصل الطبيعة بين العقل الإغريقي والعقل البشري في السلالات الشرقية، وإنّما الرأي السليم الذي يقبله المنطق والعلم على السواء أنّ موانع الفلسفة واحدة حيث كانت الأمة من واقع الأرض.
وكيفما كانت السلالة من عناصر الأجناس والأقوام، فالإغريق في موضع معين لا يتفلسفون، والعرب في موضع الإغريق لا يحجمون عن الفلسفة ودراسة العلوم».
وكان رأي العقاد في حقيقة أنّ العرب لا يتفلسفون كالتالي: «هذه البحوث الفلسفية كانت مباحة عند الإغريق؛ لأن بلادهم نشأت وتطورت دون أن ينشأ فيها ملك قوي أو كهانة قوية، ولو قامت عندهم الدولة القوية، والكهانة القوية كما قامت في مصر وبابل لكان من شأنهم في أسرار الدين والمسائل الإلهية شأن البابليين والمصريين».
وخلاصة كلامه أنه لا يوجد عقل بشري عند فئة أو جماعة أو صنف من البشر يختلف عن فئة أو جماعة أخرى، والسبب الحاسم في عدم تفلسفهم هو الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية التي مروا بها، وأهمها في نظره طغيان الحاكم وسيطرة رجال الدين.
اقرأ أيضًا نظرة المجتمع إلى المرأة قديمًا و حديثًا
لماذا لا يوجد نساء فلاسفة؟
وذهب العقّاد إلى القول إنّ القدرة العقلية لا تعني إبداع الجديد فحسب، بل تعني أيضًا فهم الفلسفة القائمة وشرحها وهضمها وتمثلها كذلك، فهذا في حد ذاته دليل صارخ على قدرة عقلية كبيرة.
فلو سلمنا جدلًا بأنّ المسلمين اقتصروا على شرح فلسفة أفلاطون وأرسطو، فإنّ ذلك يعد دليلًا على قدرتهم العقلية، والنقاط التي ذكرها العقاد تنطبق تمامًا على قضية عدم تفلسف المرأة عبر التاريخ، أو أننا لا نجد نساء فلاسفة، أو أنّ تاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلاسفة الرجال فحسب.
فلا يجوز أن يقال إنّ السبب هو أنّ عقل الأنثى يختلف عن عقل الرجل الذي هو في طبيعته أعلى وأكثر تفوقًا وأشد ذكاءً أو عبقرية، فتلك فكرة خاطئة روّج لها الرجال؛ لأنها ترضي غرورهم وتحقق مصلحة للرجل، وهي بغير شك مصلحة طبيعية.
إنّ القول إن عقل المرأة أقل كفاءة من عقل الرجل، وإن الأنثى ليس لديها القدرة على التفلسف يشطر العقل البشري شطرين، أو يجعله نوعين منفصلين ومتمايزين، وهو قول ظاهر البطلان.
كما أنه يشبه تمامًا القضية التي أثارها المستشرقون حول إمكانية العقل العربي وقدرته على التفلسف، وكذا إنكارهم وجود فلاسفة مسلمين.
فالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد لهم ليسوا سوى نسخ باهتة من أفلاطون وأرسطو، أو أنهم خليط بينهما، وهم في جميع الأحوال ليس لديهم القدرة على الخلق والإبداع، وليست لديهم فلسفة خاصة بهم.
الواقع أنه رغم خضوع النساء الطويل للرجال، ورغم استعبادهن وعَزلهِن عن الحياة العامة، ونقص فرص التعليم أمامهن، وعدم إتاحة الفرصة لهن على أي نحو للمشاركة في ثقافة العصر، فإنّك تستطيع أن تجد هنا وهناك نساءً لامعاتٍ لهنّ دور في البحث عن الحكمة من فجر الفلسفة.
صحيح أنه دور بسيط، لكنه يثبت على أي حال قدرتهنّ على أداء دور أكبر إذا ما أتيحت لهن الفرصة، أو تغيرت البيئة المناوئة التي تعمل على كبت قدراتهن وتمنعها من الظهور.
اقرأ أيضًا ما الفرق بين حب الرجل وحب المرأة؟
المرأة في الفلسفة الغربية
وكما أنّ تاريخ الفلسفة الغربية يبدأ في اليونان في القرن السادس قبل الميلاد بالمدرسة الأيونية -طاليس ومدرسته- فإنّ تاريخ الفلاسفة النساء يبدأ كذلك في القرن السادس قبل الميلاد بالمدرسة الفيثاغورية.
ولقد حظيت المرأة الفيثاغورية بفرص مهمة مكّنتها من القراءة والكتابة، وقبل كل شيء من التفكير والمناقشة وإعمال العقل، ووقفت على قدم المساواة مع الرجل.
وكان الاعتقاد السائد عند الجماعة الفيثاغورية أنه رغم أنّ طبيعة المرأة تختلف عن طبيعة الرجل، فإنّها لا تقل عنه أبدًا لا قدرةً ولا قيمةً؛ لذا كانت النساء الفيثاغوريات مثقفات، لهن اهتمامات فكرية وأدبية بارزة.
وقد عشن إبان تأسيس المدرسة الفيثاغورية الأولى، وكانت (ثيانو) زوجة فيثاغورس أشهرهن جميعًا، فقد ترأست مع بناتها الثلاث المدرسة الفيثاغورية وأدارتها بعد وفاة مؤسسها فيثاغورس.
وتوحي بعض الأسطر الأولى من الشذرات المتبقية بأنّ الفيثاغوريات هن أول نساء الفلاسفة في التاريخ، مع أنهن كتبن في الاقتصاد المنزلي، والموضوعات التي كتبن فيها تدور حول رعاية الطفل وتربيته، ودور المرأة في المنزل والمجتمع.
غير أنّ قراءة هذه الشذرات قراءة نقدية فاحصة ومتأنية تجعل القارئ يخرج بنتيجة مختلفة، فهؤلاء النسوة من فلاسفة الفيثاغورية يحللن مفهوم (الهارمونيا Harmony)؛ أي التناغم والانسجام في محاولة لبيان الطريقة التي يمكن بها تطبيق هذا المفهوم على بنية الدولة أو إدارتها، وعلى بنية الأسرة وإدارتها، بوصفها العالم الصغير بالنسبة للدولة.
فإذا كان فلاسفة الفيثاغورية من الرجال قد اتجهوا بجهودهم نحو تفسير العالم الكبير تفسيرًا رياضيًا يجعل نسيجه العدد والنغم، فإنّ الفلاسفة الفيثاغوريين من النساء اقتصرت جهودهن على العالم الصغير؛ أي على الفلسفة بالمعنى الواسع للفظ الذي يشْمَل الأسرة والدولة في آن معًا.
فقد ناقشن كيف يمكن للمرأة أن تطبق مبدأ (الهرمونيا)؛ أي التناغم والانسجام على تنشئة الأطفال؛ ليصبحوا في مرحلة النضج منصفين فضلاء، وأفرادًا متناغمين، ودرسوا الوسيلة التي يمكن للمرأة أن تطبق بها هذا المبدأ على ميادين أخرى في مجالات متنوعة من حياتها اليومية.
اقرأ أيضًا تمكين المرأة.. إطلاق العنان لإمكانات الغد الأكثر إشراقًا
فلاسفة نساء في العالم القديم
ويجدر بالذكر أن بعض الرجال من الذين يريدون التهوين من شأن الدور النسائي في الفلسفة الفيثاغورية ذهبوا، وقالوا إن فلسفتهن هي دراسة وتطبيق النظرية الأخلاقية عند الفيثاغوريين، مع إكمالها بجوانب من علم نفس النمو الأخلاقي، فضلًا عن نظرية الالتزام الأسري، وموضوعات أخرى كثيرة.
ولم تكن الفيثاغوريات في المدرسة الأولى، أو في الفيثاغورية المتأخرة هنّ النساء الفلاسفة الوحيدات في العالم القديم، بل نجد كثيرات.
وقد درس (جيل ميناج 1612-1692) -وهو محام مثقف، وباحث في اللغة والكلاسيكيات في القرن السابع عشر- النساءَ الفلاسفة في العالم القديم، وذهب إلى أنه اكتشف منهن خمسًا وستين امرأة، وقد سَجَّل هذا الاكتشاف في كتاب جعل عنوانه تاريخ النساء الفلاسفة، ونشره عام 1690.
ثم في عام 1692، وهو كتاب بالغ الأهمية في عصره وفي عصرنا أيضًا؛ لأنه يشكل إسهامًا مبكرًا في جانب مُهمَل من تاريخ الفلسفة ومن التاريخ العقلي للمرأة عمومًا، ولقد أصبح نقطة انطلاق بحوث جديدة في هذا الموضوع.
وبذلك نستطيع أن نقول إن البيئة التي عاشت فيها المرأة طوال التاريخ، والعوامل والظروف الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية التي شكلتها هي التي منعت المرأة من التفلسف، وليس بسبب نقص أو خلل في قدرتها العقلية.
وأنّ الظروف التي مرت بها المرأة هي التي مكّنت الرجل من استعبادها ووضعها في زاوية منعزلة من الدار؛ ليطلق عليها لفظ الحريم.
وكذلك عندما خضع الرجل إلى طغاة عبر التاريخ حرّموا عليه التفلسف على نحوِ ما فعل الإمبراطور الروماني نيرون وغيره؛ لذا اختفت الفلسفة أيضًا عند الرجال.
ومعنى ذلك أن الرجل لو كان في وضع المرأة، ولو مرّ بهذه الظروف نفسها، لكان هو الأدنى والأقل عقلية أو العاجز عن التفلسف.
اقرأ أيضًا استكشاف حقوق المرأة وتقدمها وتأثيرها على المجتمع
نماذج نسائية في الفلسفة
إنّ الهدف من استعراض النماذج القادمة هو بيان قدرة المرأة على التفلسف، بغض النظر عن الموضوع الذي تجعله موضوعًا لتفكيرها، هو برهان على استطاعة المرأة التفلسف حتى وفق هذه الشروط المتدنية.
وقد يندهش القارئ من إقرار النساء الفيثاغوريات الفلاسفة بوضع المرأة المتدني الذي كان قائمًا في المجتمع اليوناني، من خضوعها للرجل، وتغاضيها عن هفواته، حتى أصبحت المرأة الفيثاغورية نموذجًا للزوجة المثالية والمرأة الفاضلة عمومًا.
لكن قد تزداد الدهشة لو قلنا إن أرسطو وافق أيضًا على الوضع المتدني للرجل، وسبب ذلك في عدم تفلسفه عندما وضع نظرية عن الرق، ولم يمنعه ذلك من أن يكون أعظم فيلسوف في العالم القديم.
ومن النساء الأوائل أيضًا في تاريخ الفلسفة نذكر (أريجونت)، فقد حاولت دراسة طبيعة العدد أو الماهية الأزلية للعدد التي هي العلة الأولى لما يوجد في الأرض والسماء وما بينهما.
لكن العدد هنا لا يعني سوى الهرمونيا أو الانسجام بين الأشياء، أو قُل العلاقات أو النسب الرياضية بين الأشياء، فهي التي تمكننا من التمييز بين الأشياء والتفرقة بينها، ومن ثم كان العدد أو الإحصاء.
أما الثالثة (مييا) فقد حاولت تطبيق الهرمونيا نفسها في عالم الأسرة لا سيما في تربية الطفل، وهي الفكرة التي لخصتها في تصور الاعتدال أو الوسط، فرأت أننا في تربيتنا للطفل ينبغي أن نراعي الوسط في كل شيء، في مأكله وملبسه، وفي درجات الحرارة... إلخ.
وهذا واضح من رسالتها إلى (فيتس إلتس) التي تسودها نغمة قوية من الاعتدال العملي، كأنها تستبق فكرة أرسطو الشهيرة في ميدان الأخلاق التي سُميت بالوسط الذهبي أو القاعدة الذهبية التي تقول: «خير الأمور الوسط، فلا إفراط ولا تفريط»، أو أنّ الفضيلة هي وسط بين رذيلتين، وكانت (مييا) تشرح فكرتها ببساطة وتطبقها على مثال عملي، وهو كيفية العناية بالوليد الجديد.
اقرأ أيضًا تجليات ظاهرة الجندر في الحركات النسوية
فيلسوفة تربط بين الأخلاق والروح
فيلسوفة أخرى هي (ثيانو) التي لم تقتصر على شرح وتفسير الفلسفة الفيثاغورية وموقفها من الرياضيات والعالم.
بل توجد أيضًا عبارات تنسب إليها تتعلق بنظريتين معروفتين عن الفيثاغورية، الأولى عن الخلود والثانية عن تناسخ الأرواح.
وهكذا تربط (ثيانو) بين الأخلاق على نحو ما تظهر في هذا الربط وهو التأكيد على خلود الروح، تقول (ثيانو): «ما لم تكن الروح خالدة تكون الحياة مجرد وليمة لمرتكبي الشر، أولئك الذين يموتون بعد أن يكونوا قد عاشوا حياة جائرة غير شريفة».
وترى (ثيانو) أنّ كل شيء في الكون منظم ومرتب، فلكل شيء مكانه المحدد، ودوره المرسوم، ووظيفته التي يقر بها القانون في كون متناغم تسوده الهرمونيا، وتحكمه قوانين الطبيعة والمنطق وقوانين الأخلاق والدين، أما الشر أو الأفعال غير الأخلاقية فهما يعارضان هذه القوانين، ويسببان اضطرابًا وشقاقًا في العالم.
ذات يوم سألت امرأة فيثاغورية المعلمة (ثيانو): كم يومًا لا بد أن يعقب المعاشرة الجنسية للمرأة حتى تعود طاهرة مرة أخرى؟ أجابت ثيانو: إذا ما كانت المعاشرة الجنسية مع زوجها، فهي تظل طاهرة على الدوام، لكن إذا مارست الجنس مع شخص آخر فإنها لا تعود طاهرة أبدًا.
ومن عبارات (ثيانو) التي تعبر عن توجهها، وهي دعوة لكل أنثى: «أن تكوني فوق ظهر جواد جامح، خير لك من أن تكوني امرأة لا تفكر»، وكان لـ(ثيانو) فتاة تدعى (أريجنوت)، وهي فيلسوفة أيضًا.
ويختتم الكاتب هذا الفصل بقوله: «إنّ المدرسة الأثيونية لم يتبق منها سوى عبارات غاية في البساطة مثل (الماء هو أصل الأشياء) أو (الهواء هو مبدأ الكل)»، وعندما تمد (ثيانو) فكرة الهرمونيا أو الانسجام من الكون إلى عالم الإنسان، وتذهب إلى أن الإنسان الشرير إنّما يهدم نظام العالم ويُدخل فيه الفوضى، فهي بذلك تعبر عن ميتافيزيقا شاملة تجمع بين الطبيعة والإنسان في فكرة أساسية واحدة.
اقرأ أيضًا 10 حقوق للمرأة وحقها في المساواه بينها وبين الرجل
تشجيع النساء على الفلسفة
ومن الفلاسفة الأخريات (بركتيوني) التي كانت تشجّع النساء على التفلسف قائلة: «إنه لو مارست النساء الحكمة وضبط النفس كان في استطاعتهن استلهام فضائل أخرى بما في ذلك العدالة والشجاعة»، ويبدو أن هذه الفيلسوفة كانت تنظر بمنظور نفعي تجاه الفضيلة.
فالمرأة التي تمارس فضائل معينة تكون قادرة على تطوير فضائل أخرى وأعلى، وعندئذ سوف تجلب هذه الفضائل بدورها السعادة والانسجام لهذه المرأة ولأسرتها.
يختتم الكاتب كتابه بقوله: «إنها هكذا بدايات التفلسف عند الفلاسفة الأولى من الرجال بسيطة وساذجة، كالماء هو أصل الأشياء مثلًا عند طاليس أول الفلاسفة، وهي فكرة قيل إنه نقلها وتبنّاها عندما عاش في مصر وتعلّم من كهنتها.
ثم عندما تعدّلت الظروف الاجتماعية للمرأة في العالم الحديث وجد كثير من الفلاسفة النساء بفكر أوضح، وهو دليل على أن عقلها لا يقل عن قدرة الرجل، وإنّما الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وسيطرة الرجل وطغيانه هي التي منعت هذه القدرة من الظهور»، ويُذَكِّر الكاتب قراءه بملكة سبأ التي يتغاضى عنها كثير من الرجال التي تميزت برجاجة عقل وسداد رأي وقوة حجة.
يذكر الكاتب في الفصل الثامن (هيباشيا)، وهي فيلسوفة مصرية وعالمة في الرياضيات، ولدت بالإسكندرية عام 380م، لقد درست (هيباشيا) الفلسفة وحاضرت فيها بعد ذلك في مدينة الإسكندرية، وماتت عام 415، كانت (هيباشيا) المرأة الأولى التي لمعت بالرياضيات، واشتهرت بكونها عالمة فيها.
وكانت تشرح مذهب أفلاطون وأرسطو، وهرع لسماع محاضراتها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار، وكان الطلاب يتزاحمون أفواجًا إليها من كل مكان، وهي تبحث في موضوعات أثارت الجدل من زمن، (من أنا؟ أين مصيري؟ ماذا باستطاعتي أن أفعل أو أن أعرف؟ ما طبيعة الله؟ ما طبيعة الخير والشر؟).
اقرأ أيضًا يوم المرأة.. خصص لها يوم وهي ملكة كل يوم
الجمال مع الفلسفة
اشتهرت (هيباشيا) بالجمال، وروي عنها كثير من القصص، منها أنها كانت ترفض عروض الشباب والرجال الطامعين بالفوز بقلبها، فقد رفضت (هيباشيا) الزواج، وترهبنت في محراب الفلسفة، وانتهت حياة (هيباشيا) كما انتهت حياة غاليلو غاليلي.
ففي أحد الليالي المظلمة اعترض بعض الرهبان طريق عربة (هيباشيا)، فأوقفوها وأنزلوها ثم جروها إلى كنيسة (قيصرون)، ونزعوا ثيابها وذبحوها ذبح الشاة، ثم قطّعوا جسدها إلى أشلاء مستمتعين بما يفعلون، ثم أوقدوا نارًا وقذفوا فيها أعضاء جسدها، وانتظروا حتى تحولت إلى رماد.
وهو الشيء نفسه الذي فعله المتدينون قديمًا مع سقراط؛ لأنه قال إن الإله واحد، وخالف أفكار عشيرته أو حين قُتِلَ غاليلو غاليلي؛ لأنه قال إنّ الأرض كروية، وغيرهم ممن كان الدين سببًا في انتهاء حياتهم، نعم، وفاة (هيباشيا) كان سببه التعصب الديني لا غير.
لقد أمسك بها مجموعة من المتدينين، يرأسهم قسيس مسيحي، ونقلوها إلى أقرب دار عبادة، وهناك ذبحوها بكل بساطة واضعين حدًا لفكرها، ومقدمين لنا مثالًا آخر عن التسامح الديني الذي تدعيه بعض الأمم.
قبل أن أنهي هذا المقال أريد أن أنبه القارئ إلى أن الإنسان الغربي المعاصر لو تصادف مع مقال كالذي تقرؤه الآن، لا شك أنه سينزعج أو يُكنّ مباشرة نوعًا من الحقد اتجاهنا.
وهذا من حقه لا سيما أن كثيرًا من المسلمين لا يزالون يعدون المرأة ناقصة عقل أو غير قادرة على التفكير نظرًا لرواسب فلسفية، لا نعلم كيف تسربت إلى عقولنا في الوقت نفسه الذي يحوي فيه تاريخنا الإسلامي كثيرات من العالمات وذوات الفكر والفعل البيداغوجي.
اقرأ أيضًا كيف تفهم المرأة من خلال لغة الجسد
الجمع بين الأمومة والفلسفة والعلم
أتذكر مرة أنني كنت أخوض نقاشًا بكل تعصب مع رجل لا أنسى اسمه، وحين قلت له إنه يكاد لا يوجد علماء حقيقيون عرب في عصرنا الحالي استشاط غضبًا وأمسك هاتفه، ثم أراني أحد الرجال الملتحين الذي أخذ صورة جانب صاروخ صنعه.
وأشار بيده إلى الهاتف، ثم أردف قائلًا: «إن هؤلاء الرجال هم العلماء الحق، وأنّ هذا الرجل رغم أنه يعيش في بلد كافر، فإنه يخترع، وأنّ النساء ضد العلم، وهن سبب تأخرنا وسبب فشلنا بعد غزوهن جميع المجالات، وأن البعد عن النساء والتديّن هو سبيل العلم والمعرفة».
فأدركت أنه لا يفهم شيئًا من كلامي؛ لذلك قررت أن أدرج في هذا المقال بعض النسوة العالمات، وقررت أن أجيبه بقولي إنه بينما نحن نصارع هذه الأفكار الرجعية فإنّ الغرب الآن يدرسون إمكانية تفوق الأم في حياتها العلمية والعائلية.
وأتمنى أن تكون الأمثلة القادمة التي سأدرجها من كتاب آخر عنوانه (أمهات في العلم) سبيلًا لتعزيز حقيقة أن المرأة حقًا إنسانة مفكرة رغم كل الصعاب.
اقرأ أيضًا ما هي التحديات التي تواجه المرأة؟
كتاب أمهات في العلم
إنّ الغرب الآن يعززون حقيقة أنّه من الممكن الجمع بين الأمومة والسيرة العلمية المرضية، وأنّ الالتزامات العائلية ليست سببًا في إعاقة المشروعات والبحوث العلمية، فالجمع بين الحياة العلمية والحياة العائلية شيء صعب جدًّا، لكن ليس مستحيلًا.
فلا يوجد قواعد محددة لتحقيق ذلك، ولتعزيز هذه الحقيقة جمع المؤلف 64 عينةً من نساء متزوجات يتمتعن بالحياة العلمية، وكل من هؤلاء الأمهات قدمن تعريفًا مختصرًا لاهتمامهن العلمي ورعايتهن لأطفالهن.
ومن هؤلاء النساء (بيف جيفيريز) التي قالت:
عملي يستكشف كيفية تنظيم عملية حفظ اللغة في العقل، أنا أدرس المرضى الذين يعانون خللًا في بعض مناطق الدماغ، أستعمل أيضًا تقنية اسمها (التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة) لمعالجة تعطل وظيفة بعض مناطق قشرة الدماغ المؤقت في المرضى المتطوعين.
وتقول جيف مجددًا: عندما كانت ابنتي رضيعة كان عملي ومتابعة البحث شيئًا صعبًا، كنت لا أستطيع البقاء في المنزل معها، فقد كنت أبقى معها على الأقل يومًا واحدًا كل أسبوع، زوجي أيضًا غيّر من وقت عمله من أجلها، وقد راق له الاعتناء بابنته، وهو الآن المعتني الرئيسي بها.
تقول (جين بيغز) واصفةً حياتها العلمية والعملية
بعد تطوير نظام فعّال لاستنساخ جينات خلايا الخميرة، أصبحت مهتمة بترابطات (الآر آن إيه) الآلية، وتنظيم الترابط في الخميرة لا يزال اهتمامي الأساسي، لقد كنت محظوظةً جدًّا لأحصل على زمالة المجتمع، وزوجي يدعمني جدًّا لأكمل مسيرتي، إنه مهم جدًّا لي، نحن نؤمن بامتلاك مساعدة المربيات عندما يكون الصبية صغارًا.
تقول (جاين هيل)
أتفحص المخلوقات لا سيما الفراشات، وكيف يتأثرون بتغيّر ارتفاع درجة حرارة المناخ وتدمير المسكن الطبيعي، أعمل في بريطانيا والمناطق الاستوائية، أنا مهتمة بفهم كيفية استجابة الكائنات لتغيّرات البيئة وعواقب تغيّرات هذا التنوع البيولوجي، وزوجي أيضًا عالم بيئة، وكان لنا عمل ثابت، كثيرًا ما كنت أوقع على عقود أعمال ميدانية، ورغم ذلك كنا نجد حلولًا لرعاية أطفالنا.
مراجع
- كتاب (نساء فلاسفة) لعبد الفتاح إمام.
- كتاب (أمهات في العلم).
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.