في نهاية يناير الماضي، أصدر أحد قضاة هونج كونج حكمًا بتصفية شركة العقارات الصينية العملاقة إيفرجراند المثقلة بالديون، وكان ذلك مجرد أحدث الأخبار السيئة للاقتصاد الصيني، بعد عام من النمو المخيب للآمال، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
اقرأ أيضاً من التخلف إلى الإصلاح والانفتاح.. الصين على مسار التنمية
هل تتغلب الصين على أزمتها الاقتصادية ؟
عدد من الدراسات الاستقصائية والتقارير الإعلامية التي تكشف عن الافتقار إلى الثقة على نطاق واسع بين رجال الأعمال والمستهلكين في الصين، وفقًا لمجلة فورين بوليسي.
وترغب بكين في الوقت الراهن في أن يذهب الصينيون في جولات تسوق كثيفة، ويوجد اعتقاد سائد يروج له كثيرون بأنه يجب على الصينيين أن يشتروا منتجات جديدة لتحل محل المنتجات القديمة التي لديهم فعلًا، بما في ذلك الملابس والأحذية والسيارات والسلع المعمرة.
وفقًا لوكالة أنباء شينخوا، تقول الصحف الصينية: إنه من المهم «الترويج لجولة جديدة من تجديد المعدات على نطاق واسع والإقبال على شراء السلع الاستهلاكية».
ويعتقد الاقتصاديون أن هذه الدعوة للتسوق محاولة جادة لدعم الاقتصاد المتعثر، وهو ما يترك المستهلكين وكذلك الشركات الخاصة الصغيرة ومتوسطة الحجم في حيرة من أمرهم، ونظرًا للوضع الاقتصادي الحالي، فإن عددًا من الصينيين لا يستطيعون شراء السلع المنزلية الجديدة، ولا يستطيع عدد من الشركات تحمل ثمن تحديث بنيتها التحتية.
وعبر وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، ترى كثيرًا من الملصقات دافعًا خفيًا، وقال أحدهم متأملًا: «من الواضح أن الإنتاج المفرط وتراجع الصادرات يريدان التخلص من المخزونات المتضخمة بالمستودعات» وكتب مستخدم آخر: «هل يكون هناك أي دعم رسمي كبير، أراهن أن هذه الحملة الترويجية للتسوق لن تنجح»، ودعم كلماته بأن هذا الأسلوب يتجاهل مبادئ السوق، لذا يبدو أن هذه الحملة لا تحظى بشعبية.
اقرأ أيضاً الصين بين الماضي والمستقبل
أقوال مجلة آسيا نيكي
ولكن مجلة (آسيا نيكي) تجد في قصة حياة رجل الأعمال الصيني الأسطوري، تسونج تشينجهو، مؤسس مجموعة هانجتشو واهاها لصناعة المشروبات الكبرى، محطات مهمة وطرقًا مبدعة ساعد بها القطاع الخاص ذات يوم في خلق الازدهار الاقتصادي للصين، وكان مؤسس واهاها رائدًا في عالم الأعمال الصيني مستفيدًا من مبادئ السوق الصاعدة.
وكان معقل تسونج هو مدينة هانجتشو، عاصمة مقاطعة تشجيانج، وتعد تشجيانغ أيضًا المكان الذي ازدهرت فيه شركات القطاع الخاص أول مرة في الصين في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح التي تم تطبيقها في أواخر السبعينيات وقد وفرت المنطقة التي تضم عددًا قليلًا من الشركات الكبيرة بيئة مغذية لأي شخص يريد تجربة ريادة الأعمال.
وأسس تسونج الذي توفي في 25 يناير الماضي عن عمر ناهز 79 عامًا، شركة واهاها في عام 1987 والاسم الفريد للشركة هو محاكاة صوتية للصوت الذي نصدره عندما نضحك.
وبدأت واهاها بصفتها مصنعًا يديره ثلاثة أشخاص، ثم قامت في نهاية المطاف بإطلاق أهم منتجاتها وهو مكمل غذائي للأطفال اكتسب شهرة كبيرة.
ووراء الشعبية الهائلة للمشروب في ظل سياسة إنجاب طفل واحد، وأطلق على الأطفال المولودين في تلك المدة لقب (الأباطرة الصغار)، ولم يكن من الممكن أن يجبروا أبدًا على تناول أي شيء لا يحبونه بما في ذلك الوجبات السريعة والأغذية غير الصحية.
لأسرة لم يكن لديها سوى طفل واحد لكي تدلـله ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من قيام الصين بحل مشكلة نقص الغذاء التي ابتليت بها المناطق الحضرية، فقد أصيب العديد من الأباطرة الصغار بسوء التغذية، وكان هذا هو المكان الذي رأى فيه تسونج فرصة انطلاق مشروعه الصغير الذي ما لبث أن تحول إلى مجموعة تجارية ضخمة.
وتعاون تسونج مع إحدى الجامعات المحلية لابتكار مشروب من منظور طبي، مستهدفًا الأطفال المتحمسين في البلاد، ومقدمًا حلًّا عمليًّا وعلميًّا وطبيًّا لسوء التغذية.
وسرعان ما ارتفعت مبيعات واهاها، وزادت الشركة كشوف رواتبها إلى ما يقرب من 150 موظفًا، بما في ذلك العمال الذين هاجروا إلى المدينة قادمين من المناطق الريفية.
وفي عام 1991، تصدرت شركة واهاها عناوين الأخبار الوطنية باستحواذها على مصنع هانجتشو للأغذية المعلبة، وهي شركة تديرها الدولة ولها تاريخ يمتد أكثر من 30 عامًا ويعمل بها 2200 موظف منتظم.
في ذلك الوقت، كانت الفواكه الطازجة تظهر ظهورًا زائدًا في الأسواق التي كانت مزدهرة في المناطق الحضرية، نتيجة إدخال مبادئ السوق، وكان لذلك نتيجة غير مقصودة: تراكمت مخزونات الفاكهة المعلبة ذات المذاق السيئ في المصانع، وبسبب الإدارة غير الصارمة التي اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على الروتين الحكومي، زادت الشركات التي كانت تابعة للقطاع العام من خسائرها، وسقطت ماليًّا بشدة لدرجة أن بعضها لم يتمكن من دفع أجور موظفيها.
اقرأ أيضاً الصين وكورونا.. هل يجب علينا مدح الصين فعلا؟
شركة واهاها
وأدى استحواذ شركة واهاها على مصنع التعليب التابع للقطاع العام إلى إرسال موجات من الصدمة عبر الصين التي لم تعتد بعد على الشركات الصغيرة التي يديرها القطاع الخاص التي تبتلع الوحدات الضخمة التابعة سابقًا للقطاع العام.
وواصلت واهاها، وهي مثال للإصلاح والانفتاح، نموها وتفتخر الآن بمبيعات سنوية تزيد على 7 مليارات دولار، وخلال مقابلة مع صحيفة نيكي وغيرها من المؤسسات الإعلامية في عام 1998، أعطى تسونج الانطباع بأنه كان متواضعًا وممتلئًا بالحيوية، وأثناء حديثه وأمامه دورق شاي أحمر، ظل تسونج يكرر كلمة (مبادئ السوق).
وبدت كلماته منعشة، إذ جاءت قبل ثلاث سنوات من انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وخلال عصر كانت الصين خلاله تفتقر إلى سوق العقارات التي من شأنها أن تسمح للصينيين بشراء وبيع الوحدات السكنية وغيرها من العقارات بمزيد من الحرية.
خلال المقابلة، أكد تسونج أن «السوق هو المكان الذي تتاح فيه الفرصة للشركة لتطوير الأداء» وتعهد بأن شركته «ستستمر في صنع الأشياء التي يحتاج إليها الجميع» وبالمناسبة في عام 1999 أيضًا، تأسست مجموعة علي بابا الصينية العملاقة للتجارة الإلكترونية في مدينة هانجتشو وأسسها جاك ما، الطفل المدلل لعصر الإنترنت في الصين، وهو من بين الجيل الثاني ممن يطلق عليهم تجار تشجيانج.
وعلى الرغم من أنهما ينتميان إلى أجيال مختلفة، فإن تسونج وجاك ما كانا يمتلكان عقولين موجهين نحو السوق وآليات السوق وبعدها من رواد أعمال في القطاع الخاص، فقد كانا يتمتعان بقدرة ذكية على استخلاص احتياجات السوق.
أدى توسع السوق الحرة إلى أن تتحول الصين إلى الثانية اقتصاديًّا في العالم بجهود أصحاب الشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تمثل الأساس المتين للاقتصاد الصيني.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.