هل الوقاحة عرض أم مرض؟

جميعنا نرتاح في التعامل مع الأشخاص الذين يتسمون بالذوق ومراعاة مشاعر الآخرين، ولكننا نعيش في زمن سادت فيه الوقاحة، فأصبح المؤدب يلفت النظر، والشخص الذي يتعامل بلطف يستوقفنا لنشيد به، وذلك نتيجة انحدار لغة التواصل وشيوع السلوكيات التي تتسم بالبذاءة وقلة الاحترام، لدرجة أنها أصبحت النمط السائد، وقد لا يستقبحه كثيرون، بل يعدونه نوعًا من الجرأة والصراحة.

اقرأ أيضاً 6 وسائل لعلاج الخجل الشديد.. تعرف إليها

سكروج أيقونة اللؤم والخسة

لقد صور الروائي الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز، نموذجًا يمثل قبح الأخلاق في أسوأ صوره، وهو "إبنزر سكروج" الشخصية الرئيسة في روايته الشهيرة "ترنيمة عيد الميلاد"، فهو شخص بائس، وقاسي القلب، ومجرد من المشاعر، وبخيل، وجشع، وطماع، علاوة على ذلك، فإنه يكره كل ما يمنح الناس السعادة.

ويصف ديكينز سكروج بأنه شخصية باردة غير مبالية يتميز بملامح جامدة وبغيضة، وعندما يتحدث تكاد تشعر بالخبث واللؤم ينبع من صوته المزعج الأجش، وأصبح اسمه بالإنجليزية يعبر عن الشح وأبغض ما في البشر، إذ تمكن الروائي الإنجليزي الأعظم من رسم الشخصية "سكروج" بإبداع لتجسد هذه الصفات البغيضة. 

اقرأ أيضاً هل الخوف هو الحاجز الوحيد و كيف يمكننا تحطيمه؟

من هم الأشخاص الوقحين؟

يعد سكروج بالمفاهيم الحالية شخصية يصعب التعامل معها (challenging personality)، ولكن يوجد من هم أسوأ، فلا بد أن غالبنا التقى في حياته عددًا من الأشخاص الذين يتسمون بالخسة والوقاحة، وهم أشخاص بائسون إلى حد بعيد، ويتصفون بقبح الخلق.

إنهم أناس تعساء للغاية، بل مثيرون للشفقة، وهي حالة لا نتمنى أن يكون عليها أي إنسان، ولكن إذا كانت الوقاحة عرضًا نتج عن حالة يعيشها هؤلاء، فلماذا لا يسعى هؤلاء إلى طلب المساعدة للخروج من هذه الحالة؟

أعتقد أن السبب في ذلك، يكمن في أن سلوكهم الوقح يشعرهم بالسيطرة والرضا بطريقة معينة، إذ إن قليلًا من الناس على استعداد -أو حتى قادرون- على الرد بالمثل، ما يشعرهم بالهيمنة، نتيجة قدرتهم على التحكم في بعض المواقف، وحينما يميل ميزان القوة لصالحهم في بعض المواقف، يدفعهم ذلك إلى إدمان الشعور الزائف بالسطوة والانتصار، ليستمروا في تكرار سلوكهم الفظ.

أي بعبارة أخرى كأن أحدهم يحدث نفسه مزهوًّا ويقول: "انظر كيف يمكنني التأثير في الآخرين وجعلهم لا يشعرون بالارتياح"، وقد تكون وقاحة البعض انعكاسًا لتراكمات نفيسة لمواقف سيئة مروا بها وسببت لهم الألم، ولكن هذا يفسر جانبًا من أسباب الوقاحة ولا يبررها. 

كيف تتعامل مع الأشخاص الوقحين؟

يستخدم معظمنا التجنب باعتباره إستراتيجيتنا الرئيسة للتعامل مع الفظاظة، والابتعاد عن الشخص الوقح بأي ثمن، لكن هذه الإستراتيجية ليست عملية ولا فعالة في جميع الحالات، لأن بعض أولئك تربطنا بهم علاقة تجبرنا على التعامل معهم، ما يجعل من المستحيل تجنبهم تمامًا، فهم موجودون في الشارع، وفي مكان العمل، وفي وسائل التواصل الاجتماعي وأحيانًا حتى في محيطنا الأسري.

وإذا كان لا بد من التعامل معهم، فقد تساعدك الأساليب التالية:

1- حارب السلوك السلبي بسلوك إيجابي، وتحلَّ باللطف معهم قدر الإمكان.

2- مارس الحزم ليعرف أنك لن تسمح له بالاستمرار في سلوكه.

3- أخبر الشخص عن رأيك في أسلوبه، سواء السلوك أو المفردات التي أزعجتك بالتحديد.

4- بيِّن له كيف يجب أن يتعامل معك بطريقة أفضل في المرة القادمة.

5- استخدم إجابات قصيرة ومباشرة لتسريع اللقاء، فقد لا يمكنك تجنب التفاعل مع الشخص، ولكن يمكنك تقليل الوقت الذي تقضيه معه.

والأهم مما سبق أن تسيطر على ردة فعلك، لأن غالبًا ما يكون البعض وقحًا معك لاستفزازك وإخراجك عن شعورك.

كيف تصرف النبي (ﷺ) وماذا قال عن الناس الوقحين؟

وصى الإسلام بحسن الخُلُق، وطلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى عن الناس، ونجد في السنة كيف تعامل النبي (ﷺ) مع الشخصية التي تتسم بقبح الخلق وماذا قال عنها.

فعن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا استأذن على النبي (ﷺ) فقال: "ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة ‘القبيلة‘ أو بئس رجل العشيرة"، فلما دخل ألان له القول، قالت عائشة (رضي الله عنها) فقلت: "يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له القول"، فقال الرسول (ﷺ): "يا عائشة إن شر الناس منزلة يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فحشه". *حديث في سنن أحمد والنسائي.

ولا يسعني إلا أن أختم المقال بقول الله تعالى: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة