هل الوعي الذاتي وهم؟ قراءة في مراحل المذهب الوهمي عند الفلاسفة

يرى الفلاسفة الماديون ومناصرو المذهب الوهمي أن الوعي الذاتي ليس سوى خيال حاذق تمخض عنه الدماغ لمساعدة الإنسان على رصد أنشطته. والفرق بين وعي الوصول والوعي الهائل أن وعي الوصول هو عملية معالجة البيانات وبثها في الدماغ، في حين الوعي الهائل هو التجربة الذاتية البحتة التي يعدها هؤلاء الفلاسفة وهمًا.

في هذا المقال نتعمق في فلسفة الوعي ونستعرض آراء فلاسفة كبار مثل دانيال دينيت، نجيب عن التساؤل الميتافيزيقي: هل الوعي هو الروح؟ أم أنه آلية بيولوجية تُسهل علينا تجربة الإدراك.

في فيلم (الماتريكس) The Matrix الشهير في عام 1999، يخيّر «مورفيوس» بطلَ الفيلم «نيو» بين أمرين، باسطًا له حبةً حمراء؛ إن هو تجرّعها، انقشع عنه حجابُ الواقع الزائف الذي يَعرفه، وتجلّت له الحقيقة العارية: أن عالَمه ليس سوى وهمٍ نسجته أباطرة الآلات لإحكام قيد الاستعباد على البشر.

واليوم، ها أنا أقدّم لك حبةً من نوعٍ آخر؛ حبةً ستُقنعك -إن أثمر مفعولها- بأن وعيك الذاتي نفسَه ليس سوى ضربٍ من الوهم، وخيالٍ حاذقٍ تمخّض عنه دماغك ليُعينك به على رصد أنشطته وتتبّعها.

ولئن كان هذا الطرح -الذي أُطلق عليه «المذهب الوهمي» (Illusionism)- يُجابه عادةً بالاستهجان والإنكار، لدرجةِ أن الفيلسوف «جالين ستروسون» وصفه تندرًا بأنه «أغبى ادعاءٍ شُهد في تاريخ البشرية»، فإن له حراسًا أشِداء ومنافحين بارعين، يأتي في طليعتهم الفيلسوف «دانيال دينيت».

إن غايتي هي أن أنتزعك من غواية الاستسهال، لأبرهن لك أن هذا المذهب ليس شطحةً عبثية، بل لعله الحقيقة عينها التي تبحث عنها. فهل أنت مستعدٌّ الآن لترى بنفسك إلى أي مدىً تغوص حفرة الأرنب؟

مفهوم الوعي وتجربة الإدراك البشري

المهمة الأولى هي أن نكون واضحين بشأن ما نتحدث عنه. يتم استخدام مصطلح «الوعي» بطرق مختلفة، وعندما أدعي أن الوعي هو وهم، أقصده بمعنى واحد فقط. يمكننا التركيز على هدفنا بضرب مثال؛ سآخذ الرؤية، لكن أي حاسة أخرى ستفي بالغرض أيضًا.

افترض أن لديك رؤية جيدة وتركز على تفاحة حمراء مباشرة أمامك في إضاءة جيدة. أنت الآن في حالة ذهنية معينة، والتي يمكن أن نسميها «وجود تجربة بصرية واعية للتفاحة».

لن تكون في هذه الحالة إذا كنت فاقدًا للوعي أو نائمًا (على الرغم من أنك إذا كنت تحلم، فقد تكون في حالة مماثلة)، أو إذا لم تكن قد لاحظت التفاحة، أو لاحظتها فقط بطريقة سريعة وعابرة. تمتلئ حياتنا بهذه التجارب، ولا أحد يشير إلى أنها ليست حقيقية. والسؤال هو: ما الذي ينطوي عليه وجود مثل هذه التجارب؟ وهل ينطوي على الوعي بمعنى أكثر تحديدًا؟

إذن، ما الذي ينطوي عليه اختبار وعي التفاحة؟ حسنًا، كثير من الأشياء. أنت تحصل على كتلة من المعلومات حول التفاحة: تفاصيل دقيقة تشمل الشكل، والملمس، والموقع، والمسافة، وما إلى ذلك. أنت تتعرف على نوع الشيء (كائن صلب، قطعة فاكهة، تفاحة، أحمر لذيذ) وتُشكل معتقدات مقابلة (أن هناك شيئًا من هذا النوع أمامك).

أنت تتعرف على الطرق التي قد تتفاعل بها مع التفاحة والفرص أو التهديدات التي تقدمها - ما يسميه علماء النفس «إمكانات الفعل» (Affordances). تتعرف على التفاحة على أنها شيء يمكن أن تلتقطه، وتأكله، وتطبخه، وما إلى ذلك، وأنت تستعد أيضًا للرد؛ فتضع توقعات حول التفاحة (بأنها لن تتحرّك أو تهاجم) وتنزع إلى الرد عليها (قد تشعر بالرغبة في الإمساك بها). يتم استحضار الذكريات والارتباطات، ما قد يؤثر على مزاجك أو يضع أفكارك على مسار مختلف.

أنت لا تفكر صراحة في كل هذه الأشياء، بالطبع، لكنك ستقوم بالإبلاغ عن كثير منها إذا سُئلت عنها، ونعلم من خلال العمل التجريبي أن مجموعة كبيرة من الحساسيات والارتباطات يتم تشغيلها خلال التجربة الواعية، ما يجعلنا مستعدين للرد على محفزات المستقبل وتحديد الأهمية الجماعية للتجربة بالنسبة لنا.

الوعي هو معالجة المعلومات الحسية والارتباطات الذهنية

التفسير العصبي لوعي الوصول

بدأ علماء الأعصاب في فهم العمليات الدماغية الكامنة وراء كل هذا. وببساطة، فإن الضوء المنعكس من التفاحة يحفز الخلايا الحساسة للضوء في شبكية العين، ويرسل نبضات كهروكيميائية على طول العصب البصري إلى نواة التجميع الجانبي ثم إلى القشرة البصرية في الجزء الخلفي من الدماغ. تثير هذه الإشارات هنا نشاطًا في مجموعات من الخلايا المنظمة بشكل هرمي متخصصة في اكتشاف الميزات المعقدة بشكل متزايد (الحواف، الألوان، الحركة، الوجوه، وما إلى ذلك).

عندما تهتم بما تراه، فإن هذه المعلومات المرئية يتم «بثها عالميًا» للأنظمة العقلية المرتبطة بالذاكرة، والمنطق، والعاطفة، وصنع القرار، ما يولد مجموعة من الآثار المذكورة. تسمى عملية البث العالمي هذه بـ «وعي الوصول»، لأنها تجعل المعلومات الحسية في متناول بقية العقل، وبالتالي في متناول «أنت» -الشخص الذي تشكله هذه النظم العقلية المجسدة. مرة أخرى، أنا لا أنكر حقيقة الوعي بهذا المعنى.

معضلة الوعي الهائل والخصائص النوعية

حتى الآن، لدينا فقط فهم سطحي لوعي الوصول، وهناك العديد من الخلافات حول تفاصيل النظم العصبية المعنية، ولكن في الوقت المناسب سنكون قادرين على ملء الصورة وتسوية الخلافات. ومع ذلك، قد يقول كثير من الفلاسفة إننا حتى ذلك الحين لن نكون قد وصلنا إلى فهم كامل للوعي؛ لأنهم يقولون إن هناك شيئًا آخر يحدث، إلى جانب كل معالجة المعلومات هذه. إنه يتعلق بما تبدو عليه تجربة رؤية التفاحة بالنسبة لك؛ لديك إحساسات بصرية من احمرارها، وسطوعها، ولمعانها وما إلى ذلك، كل منها بجودة مميزة لها.

يبدو أن هذه جوانب أخرى من التجربة، بالإضافة إلى جميع الحساسيات وردود الفعل. ويمكننا أن نتخيل -أليس كذلك- حدوث كل هذه الأخيرة دون أن تكون في الواقع مماثلة لأي شيء تختبره عند رؤية التفاحة. كان يمكن أن يكون «كل شيء... داخل الظلام» بعبارة ديفيد تشالمرز من كتابه «العقل الواعي» (The Conscious Mind 1996)؛ وربما هذا ما سيكون عليه الحال بالنسبة للروبوتات؟

النقطة لا تقتصر على الرؤية، بطبيعة الحال. لدينا أيضًا تجارب واعية تنطوي على حواسنا الأخرى؛ فكّر في الاستماع بانتباه إلى الناي، أو شم رائحة الورد، أو تذوق النبيذ، أو الشعور بالنسيج المخملي. فكّر أيضًا في حضور تجارب جسدية، مثل ارتطام إصبع القدم، أو الصداع النصفي، أو زيادة النشاط. في كل حالة، يمكننا أن نروي قصة مماثلة للقصة عن الرؤية.

مرة أخرى، تتضمن التجربة الحصول على معلومات (حول الأصوات، أو المواد، أو القوام، أو حالة جسم الشخص)، وتحديد الأشياء، وتشكيل المعتقدات، واستشعار فرص العمل، وتوليد التوقعات والتأهب لرد الفعل، وإثارة الذكريات والارتباطات والعواطف. ومرة أخرى، هذا ينطوي على وعي الوصول؛ حيث يتم توجيه الإشارات الحسية إلى مناطق المعالجة المتخصصة للدماغ، ثم يتم بث المعلومات المستخرجة عالميًا إلى أنظمة عقلية أخرى تنتج التأثيرات المختلفة.

ومرة أخرى، يبدو أن هناك في التجربة ما هو أكثر من كل هذه الحساسيات وردود الفعل؛ فهناك ما يشبه سماع الفلوت، ورائحة الوردة، وتذوق النبيذ وهلم جرا. يبدو أن لكل تجربة جودة حسية مميزة لها. إن تجربة ارتطام إصبع القدم، على سبيل المثال، تحمل معلومات حول الأضرار الجسدية وستؤدي إلى مجموعة من الارتباطات وردود الفعل السلبية، لكن لها جانبًا نوعيًا - فظاعة محضة.

وحين نتأمل طبيعة الإدراك، يبرز تساؤل جوهري حول أنواع الواعي؟ وتصنيفاته الفلسفية والعلمية؛ حيث يقسم العلماء الوعي إلى نوعين رئيسين: «وعي الوصول» (Access Consciousness) وهو الجانب الوظيفي والمعلوماتي الذي يعالج البيانات وبثها في الدماغ، و«الوعي الهائل» (Phenomenal Consciousness) الذي يمثل التجربة الذاتية والنوعية الخالصة للأشياء. 

ومن هذا المنطلق الفلسفي، تتباين المدارس في تصنيف مستويات هذا الإدراك، فإذا تساءلنا ما هي مراحل الوعي الخمسة؟ نجد أن علماء النفس التطوريين يحددون مستويات متدرجة تبدأ من (1) الوعي البدائي بالذات والمحيط، مرورًا بـ (2) الوعي الحسي الإدراكي، ثم (3) الوعي المعرفي التفكري، وصولًا إلى (4) الوعي الاجتماعي الأخلاقي، وأخيرًا (5) الوعي الذاتي الميتا-معرفي (القدرة على مراقبة العقل لأفكاره ذاتها).

قد ترغب هنا في الاعتراض (على حق، على ما أظن) بأن هذه الصفات الحسية لا يبدو أنها من سمات تجاربنا بل من الأشياء التي نواجهها. عندما تلتفت إلى التفاحة، يبدو أن الجودة الحمراء التي تواجهها هي إحدى ميزات التفاحة، والتي تسبب ردود الفعل فيك (أنت تعتقد أن التفاحة حمراء لأنها تبدو حمراء).

وبالمثل، يبدو الصوت في الهواء، والذوق في النبيذ، والألم في إصبع قدميك، وما إلى ذلك، لكن من المتفق عليه عمومًا أن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا؛ لأن العلم يخبرنا أن الأجسام لا تملك مثل هذه الخصائص النوعية، بل تملك فقط تلك الخصائص الفيزيائية المعقدة من النوع الموصوف في الفيزياء والكيمياء.

الذرات التي تشكل جلد التفاحة ليست حمراء؛ فنظرًا لكونها خصائص للأشياء الخارجية، فالألوان هي ميزات سطح عاكس للضوء، والأصوات هي اهتزازات في الهواء، والأذواق والروائح عبارة عن مركبات كيميائية، والألم في إصبعك هو تلف الخلايا. يبدو، إذن، أن صفات اللون والصوت والألم وما إلى ذلك موجودة فقط في أذهاننا، كخصائص لتجاربنا.

يشير الفلاسفة إلى هذه الصفات الشخصية للتجربة على أنها «الكواليا» (Qualia) أو «الخصائص الهائلة»، ويقولون إن المخلوقات التي لديها تجارب تكون واعية هائلة.

هل الوعي الهائل وهم؟

إنه الوعي الهائل الذي أعتقد أنه وهمي؛ لأن العلم لا يجد شيئًا نوعيًا في أدمغتنا، أكثر من أي شيء آخر في العالم الخارجي. الذرات الموجودة في دماغك ليست ملونة ولا تشكل صورة داخلية ملونة (حتى لو فعلت، فلا توجد عين داخلية لرؤيتها). ثم إنها لا تمتلك أي خصائص نوعية أخرى؛ فلا توجد أصوات داخلية، ولا روائح، ولا أذواق، ولا آلام، ولا يوجد مراقب داخلي لتجربتها إن وُجدت.

صحيح أن العلماء المعرفيين يتحدثون عن وجود تمثيلات في الدماغ، لكنهم بهذا لا يعنون صورًا داخلية أو نسخًا نلاحظها بدلًا من مراقبة العالم مباشرة؛ وإنما يعنون أنماطًا لإطلاق الخلايا العصبية تستجيب لسمات معينة من العالم ويستخدمها الدماغ لبناء نماذج لبيئته. التمثيل في هذا المعنى ليس من الأشياء التي ندركها؛ بل هو جزء من الآلية التي تجعلنا على بينة من الأشياء.

بنمذجة العالم، يخلق عقلك الحساسيات والتصرفات التي تجعلك «الشخص» على اتصال مباشر بالعالم. لا تحتاج مثل هذه التمثيلات إلى مشاركة الخصائص مع الأشياء التي تمثلها؛ فلا يلزم أن يكون التمثيل الذهني للاحمرار أحمر، تمامًا كما لا يلزم أن تكون كلمة «أحمر» حمراء، أو الرقم الذي يشير إلى اللون الأحمر في مجموعة تلوين بالأرقام.

وهنا يثور تساؤل يتردد في أروقة الفلسفة الحديثة: من قال إن الوعي وهم؟ إن رواد الفلسفة المادية والإقصائية، وعلى رأسهم دانيال دينيت، هم من تبنَّوا هذا الطرح بجرأة. لكن إذا واجهنا هذا الرائد مباشرة وسألناه: هل الوعي وهم يا دانيال دينيت؟ فإنه سيجيب بـ «نعم» و«لا» في آن واحد؛ هو ليس وهمًا بمعنى أنه غير موجود مطلقًا، بل هو «وهم مستخدم» (User Illusion) تشبه الأيقونات على شاشة حاسوبك، حيث يخفي الدماغ خلفها ملايين العمليات العصبية المعقدة ليعطيك واجهة بسيطة تتعامل معها. 

وبناءً على هذا، يطرح المدافعون عن الواقعية سؤالًا مضادًا: لماذا لا يُعتبر الوعي وهمًا؟ والجواب عندهم يكمن في فكرة المظهر والواقع؛ فالوعي هو الشيء الوحيد الذي يُعدّ مظهرُه هو حقيقتَه، فإذا كنت تشعر بأنك تختبر الألم، فإن تجربة الألم حقيقية تمامًا في تلك اللحظة ولا يمكن أن تكون زيفًا.

إذا لم تتمكن من هز اقتناعك بأن الوعي الهائل حقيقي، فهناك خياران عريضان هنا:

الخيار الأول: هو القول بأن الوعي الهائل هو ميزة إضافية للدماغ، بالإضافة إلى الخصائص الفيزيائية التي يصفها العلم (تسمى هذه النظرة ثنائية الخصائص، حيث ترى أن للدماغ خصائص مزدوجة، جسدية وغير مادية). المشكلة الكبيرة في هذا الرأي هي أنه يهدد بجعل الوعي الهائل غير فعال.

لا يوجد أي دليل موثوق على التأثيرات غير الفيزيائية في العالم المادي - لا توجد حالات مؤكدة حيث تحوّل إحدى الميزات غير الفيزيائية إلكترونًا أو تؤدي إلى تفاعل كيميائي أو تحدث نشاطًا عصبيًا أو تنتج أي تغيير فيزيائي آخر (في الواقع، مثل هذه التغييرات ستنتهك المبدأ الأساسي للحفاظ على الطاقة).

إذا كانت أحاسيسنا ميزات غير مادية، عندئذٍ يبدو أنه ليس لها أي تأثير على أي شيء، حتى على أفكارنا وردود أفعالنا. سنفكر ونتصرف بالطريقة نفسها تمامًا (بما في ذلك الاعتقاد بأننا ندرك بشكل هائل) إذا لم يكن لدينا أي منها أو كان لدينا أفكار مختلفة تمامًا، وهذا استنتاج غريب.

الخيار الواقعي الآخر: هو القول إنه على الرغم من المظاهر، فإن الوعي الهائل هو عملية جسدية بحتة. حالات الظواهر، مثل الإحساس بالأحمر، ورائحة الوردة، أو ألم ارتطام إصبع القدم ليست أكثر من حالات دماغية، والتي يمكن أن يلاحظها الناس من حيث المبدأ؛ فجراح الدماغ يمكنه أن يرى حرفيًا آلامك! (هذا شكل من أشكال المادية الفيزيائية).

يجادل المدافعون عن هذا الرأي بأن السبب في أن أحاسيسنا لا تبدو حالات دماغية هو أن لدينا منظورًا خاصًا بها؛ حيث يمكننا التعرف عليها «من الداخل» من خلال التأمل الذاتي. وهم لا يعنون بهذا وجود عين داخلية، بل نظام مراقبة داخلي يسجل المعلومات حول حالات دماغنا. عندما تلتفت إلى التفاحة، تكتشف آليات الاستبطان الخاصة بك حالة المخ الناتجة وتجعل المعلومات المتعلقة بها متاحة للأنظمة العقلية الأخرى، ما يجعلك «على دراية بها».

لكن (وفقًا للحجة) فإن الاستبطان يمنحك معلومات محدودة للغاية حول الحالة؛ فهو لا يمثلها كحالة دماغية، ولكنه يمثلها كشيء يحدث فيك، ولا يمكنك وصفه إلا باسم «الشعور» برؤية اللون الأحمر. هذه هي النظرة الفيزيائية الأرثوذكسية للوعي الهائل، لكنها تواجه مشكلة؛ لأنه ليس فقط أن الاستبطان يفشل في تقديم الأحاسيس كحالات للدماغ، بل إنه يعرضها بشكل إيجابي على أنها عكس حالات الدماغ تمامًا، وهذا الحدس لا يزول حتى لو كان المرء مقتنعًا تمامًا بأنها يجب أن تكون حالات دماغية. يبدو الأمر كما لو أن الاستبطان يسيء تمثيل عقولنا لنا.

الوعي لغزٌ فلسفي بين الوهم والتجربة والدماغ الحقيقي

المذهب الوهمي وآلية عمل الاستبطان

هذا يقودنا إلى «الوهم». يتفق الوجوديون الوهميون مع الفيزيائيين الآخرين على أن إحساسنا بوجود وعي هائل غني يرجع إلى آليات استبطانية، لكنهم يضيفون أن هذه الآليات تحرّف أهدافها.

فكِّر في مشاهدة فيلم؛ ما تشاهده عيناك بالفعل هو سلسلة من الصور الثابتة التي تتبع بعضها بعضًا بسرعة، لكن نظامك البصري يمثل هذه الصور كصورة متحركة واحدة سلسة. الحركة هنا وهم. بالمثل، يجادل الوهميون بأن نظام الاستبطان الخاص بك يسيء تمثيل أنماط معقدة من نشاط الدماغ كخصائص ظاهرة بسيطة؛ فالظاهرة إذن وهم.

وإذا تعمقنا في هذه النقطة التاريخية وسألنا: ماذا قال الفلاسفة عن الوعي؟ نجد انقسامًا حادًا؛ فبينما رأى ديكارت أن الوعي هو الدليل القطعي على الوجود عبر الكوجيتو، ورأى كانط أنه الإطار المنظم للتجربة الإنسانية، جاء الفلاسفة المعاصرون ليفككوا هذا المفهوم.

ولطالما ارتبط هذا الجدال بسؤال ميتافيزيقي قديم: هل الوعي هو الروح؟ في الفلسفات المادية والعلوم العصبية الحديثة، يُرفض هذا الربط تمامًا؛ فالوعي ليس جوهرًا روحانيًا مفارقًا للمادة، بل هو نتاج تفاعلات بيولوجية عصبية بحتة، وشبكات من الخلايا التي تبث البيانات عبر الدماغ، ما يعني أن فكرة الجوهر اللامادي لا تجد لها مكانًا في المختبر العلمي.

ما يحدث، في اعتقادي، شيء من هذا القبيل: يمكن أن تعمل عمليات الوصول إلى الوعي دون مراقبة عالية المستوى، ما يتيح لنا الاستجابة بسرعة ومرونة لبيئتنا. ومع ذلك، من المفيد لنا أن يكون لدينا نظرة عامة أو «ملخص مُحرّر» (بحسب عبارة دينيت) لهذه العمليات - شعور بالشكل العام لتفاعلنا المعقد والديناميكي مع العالم. عندما نتحدث عن ماهية تجاربنا، فإننا نشير إلى هذا المعنى، هذا الملخص الذي تم تحريره.

إنها تعمل بهذه الطريقة: آليات الاستبطان تراقب وعي الوصول، وتتبع أنماط النشاط الرفيعة المستوى التي تشفر خصائص الأشياء المدركة، والارتباطات والتوقعات والعواطف والآثار الأولية التي تثيرها. لكنها لا تمثلها بدقة وبالتفصيل؛ بدلًا من ذلك، تمثلها في مصطلحات تخطيطية كاريكاتورية كخصائص ظاهرة بسيطة تعبر عن الشكل العام للتأثير متعدد الأبعاد الذي تحدثه الأشياء المدركة علينا.

هذه التمثيلات ليست لها خصائص هائلة، بالطبع؛ فهي ليست صورًا متوهجة أو تسجيلات نابضة بالحياة في المخ (فكما أشرت سابقًا، التمثيلات العقلية ليست أشياء ندركها بل هي جزء من الآلية التي تجعلنا على دراية بأشياء أخرى).

بدلًا من ذلك، هي أنماط من إطلاق الخلايا العصبية تشير إلى وجود خواص هائلة بالطريقة نفسها التي تشير بها الكلمات المكتوبة إلى وجود الأشياء (إنها تشير زورًا إلى هذه الخصائص، لكنها بذلك تساعدنا في تتبع السمات الجسدية الحقيقية).

ثم تستخدم الأنظمة العقلية الأخرى هذه الصور التمثيلية للتحكم والتخطيط على مستوى أعلى، ما يمكّننا من التعرف على التجارب المهمة وتذكرها، واتخاذ خطوات لتكرارها أو تجنبها في المستقبل، وتقرير ما إذا كنا سنخبر الآخرين عنها أم لا.

الفكرة، إذن، هي أن التأمل يتتبع التأثير الذي تحدثه الكائنات علينا. الجودة الحمراء التي يبدو أنك تجربتها هي تعبير عن رد فعلك على التفاحة «إعادة التوضيح» النشطة الخاصة بك، كما صاغها عالم النفس نيكولاس همفري في كتابه «رؤية الأحمر» (Seeing Red 2006).

ومع ذلك، لا يمثل التأمل الخواص لنا كقوى داخلية، بل كقوى في الكائنات لإنشاء هذا التأثير؛ فيتم تمثيل الاحمرار كقوة للأسطح للتأثير علينا بطريقة معينة، ورائحة الورد كقوة للمواد المحمولة جوًا للتأثير علينا بطريقة أخرى، والألم الطاعن كقوة من جانب جزء من الجسم للتأثير علينا بطريقة أخرى، وهلم جرا.

في كل حالة، تتطابق طبيعة الخاصية الممثلة مع طبيعة التأثير علينا (قارن بين الخصائص الجمالية، مثل الجمال؛ تعكس أحكامنا في الجمال ردود أفعالنا على الأشياء، لكننا نفكر في الجمال كخاصية للأشياء نفسها).

وهذا يجعل التصميم التلقائي جيدًا؛ إن أسهل طريقة لتذكر تجارب مهمة وإبلاغها هي اختيار الأشياء التي تسببها. تمثل عقولنا الأشياء كما لو كانت مزخرفة بخصائص نوعية وهمية تسلط الضوء على أهميتها بالنسبة لنا. هذا المنظور لا يختلف كثيرًا عن الفطرة السليمة؛ فالفطرة السليمة تقول إن الخصائص النوعية هي ميزات قوية ومستقلة عن العقل، ويقول أنصار «الوهم» إن تمثيل الخصائص النوعية يتعقب مثل هذه الميزات.

يتفق الوهميون، إذن، على أن هناك في التجربة الواعية ما هو أكثر من وعي الوصول: هناك مستوى من المراقبة الذاتية ينطوي على وهم الظواهر، قد نسميها «الوعي الزائف الهائل». إن وعي الوصول يربطنا مباشرة بالعالم، ويلزمنا به في شبكة معقدة من الحساسيات وردود الفعل.

يضيف الوعي الزائف الظاهري مستوى جديدًا من الوعي، ويسلط الضوء على كيفية ارتباطنا بالعالم ويمكّننا من الاستجابة للتفاعل نفسه. إنها عملية حقيقية تقوم بعمل مهم، ونحن نخطئ فقط عندما نأخذها حرفيًا، فنخلط بين التمثيل التصويري للخواص الفيزيائية المعقدة والتمثيلات المؤمنة للواجبات غير المادية البسيطة.

في كتابه «شرح الوعي» (Consciousness Explained 1991)، يرسم دينيت مقارنة مع واجهة مستخدم الكمبيوتر، مع أيقونات الملفات والمجلدات وسلة المهملات وما إلى ذلك. هذه قصة تم إنشاؤها لصالح المستخدم «وهم المستخدم»؛ فمن خلال التعامل مع الرموز، يمكننا التحكم بسهولة في الكمبيوتر دون معرفة أي شيء عن البرمجة أو الأجهزة.

 وبالمثل، فإن تمثيلات الخصائص الهائلة هي تمثيلات مبسطة وتخطيطية للواقع الأساسي، والتي يمكننا استخدامها لأغراض ضبط النفس. لا ينبغي لنا أن نتوقع العثور على خصائص هائلة في أدمغتنا أكثر من توقعنا العثور على مجلدات وسلال مهملات حقيقية داخل أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بنا.

مبررات تبني المذهب الوهمي

لماذا يجب عليك تبني وجهة النظر الخادعة هذه؟ حسنًا، أولًا، يقدم هذا الطرح مقاربة جديدة لمشكلة الوعي تحترم الحدس لدى كلا الجانبين؛ فيتفق المتخيلون الوهميون مع الثنائيين على أن الوعي يبدو أن له ميزات غير جسدية، ويتفقون مع الفيزيائيين الماديين على أن جميع آثار الوعي يمكن تفسيرها من الناحية المادية.

وبالتركيز على تمثيل الخصائص الهائلة، فإنه يوفق بين هذه الادعاءات. هناك أيضًا حجج محددة للخيال الوهمي، سأذكر ثلاثة منها:

1. البساطة التوضيحية

ترتبط الحجة الأولى بالبساطة التوضيحية؛ فإذا لاحظنا شيئًا ما لا يمكن للعلم تفسيره، فإن الفرضية الأبسط هي أنه مجرد وهم، خاصة إذا كان لا يمكن ملاحظته إلا من زاوية واحدة بعينها. هذا هو الحال بالضبط مع الوعي الهائل؛ فلا يمكن شرح الخواص الظاهرة بطرق علمية قياسية، ولا يمكن ملاحظتها إلا من وجهة نظر الشخص الأول (لا أحد غيري يستطيع أن يختبر أحاسيسي).

هذا لا يدل على أنها ليست حقيقية، فقد نحتاج إلى إعادة التفكير في علمنا بشكل جذري، ولكن -كما يقول دينيت- فإن النظرية القائلة إنها وهمية هي النظرية الافتراضية الواضحة.

2. طبيعة النظام الاستبطاني

الحجة الثانية تتعلق بوعينا بالخصائص الهائلة. نحن على دراية بميزات العالم الطبيعي فقط إذا كان لدينا نظام حسي يمكنه اكتشافها وتوليد تمثيل لها لاستخدامها بواسطة أجهزة عقلية أخرى.

هذا ينطبق بالتساوي على ميزات عقولنا (التي هي أجزاء من العالم الطبيعي)، وسينطبق على الخصائص الهائلة أيضًا إن كانت حقيقية؛ فنحن بحاجة إلى نظام استبطاني يمكنه اكتشافها وتقديم تمثيلات لها، وبدون ذلك، لن يكون لدينا وعي بخصائص أدمغتنا الهائلة أكثر من خواصنا المغناطيسية.

باختصار، إذا كنا على دراية بالخصائص الهائلة، فسيكون ذلك بسبب وجود تمثيل عقلي لها، ولكن بعد ذلك لن يكون هناك فرق فيما إذا كانت هذه التمثيلات صادقة أم لا؛ إذ سيكون للتمثيلات الوهمية التأثيرات الصادقة نفسها تمامًا.

إذا كان الاستبطان يسيء تمثيلنا على أننا نملك خواص هائلة، فهذا التمثل الذاتي يكون كافيًا تمامًا وكأننا نمتلكها فعليًا. ونظرًا لأن العلم يشير إلى أن أدمغتنا ليس لها خصائص هائلة، فإن الاستدلال الواضح هو أن تمثيلاتنا الاستبطانية لها هي تمثيلات وهمية.

3. تفضيل الوهم على ثنائية الخصائص

هناك أيضًا حجة محددة لتفضيل الوهم على ثنائية الخصائص. بشكل عام، إذا استطعنا شرح معتقداتنا حول شيء ما دون ذكر الشيء نفسه، فعلينا استبعاد حقيقة الشيء. على سبيل المثال، إذا استطعنا شرح معتقدات الناس حول الخوارق من الناحية النفسية دون ذكر أحداث خوارق حقيقية، فلن يكون لدينا سبب للثقة في هذه المعتقدات.

وإذا كان الوعي الهائل غير مادي، فيجب أن ينطبق الأمر ذاته؛ فكما ذكرت، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن جميع عملياتنا العقلية -بما في ذلك عمليات تكوين المعتقد- يمكن شرحها بالكامل من الناحية المادية. سيكون لدينا بالضبط المعتقدات نفسها حول الوعي الهائل -أنه حقيقي ولا يمكن إنكاره- حتى لو لم يكن لدينا ذلك بالفعل، لذلك يجب ألا نثق بتلك المعتقدات.

استكشاف طبيعة الوعي البساطة مقابل الوهم

الرد على الاعتراضات الفلسفية الشائعة

الآن، من المحتمل أنك تنفجر بالاعتراضات، وسأرد على بعض الاعتراضات التي أسمعها كثيرًا:

الاعتراض الأول: الوعي أساس المعرفة ولا يمكن زيفه

يقول الاعتراض: أليس الوعي هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يكون مجرد وهم؟ أليس هذا هو أساس كل معرفتنا بالعالم الطبيعي؟ كل ما يمكن أن نكون متيقِّنين منه في الإدراك هو أننا نواجه تجارب من هذا القبيل (على سبيل المثال، رقعة على شكل تفاحة حمراء)، ونحن نستنتج وجود أشياء خارجية من هذا.

هذه وجهة نظر مشتركة، لكنني أعتقد أن الأمور تسير على نحو خاطئ تمامًا. فكِّر في الأمر من منظور هندسي؛ إذا كنت تبني روبوتًا مستقلًّا، فستبدأ بتزويده بأجهزة استشعار لميزات مهمة من العالم الخارجي والحالات الحرجة في جسمه، حتى يتمكن من أداء المهام، والحصول على الموارد التي يحتاج إليها، وحماية نفسه من الأذى. في وقت لاحق فقط قد تفكر في إضافة أنظمة استبطانية حتى تتمكن من مراقبة عملياتها الحسية وممارسة أنواع متطورة من ضبط النفس.

سيكون من المفاجئ ألا يكون التطور قد اتخذ المسار نفسه معنا. صحيح أن هناك شعورًا بأن الوعي الزائف الظاهري أساسي؛ فيمكننا اكتشاف أننا نتفاعل كما لو كانت هناك تفاحة أمامنا حتى في حالة عدم وجود تفاحة، كما يحدث عند الهلوسة. لكن لا يترتب على ذلك أننا نستنتج وجود تفاح حقيقي من ردود أفعالنا.

ونظرًا لأننا نراقب عملياتنا الإدراكية عن بعد، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن المراقبة ضرورية للإدراك، لكن من المشكوك فيه أن يكون هذا صحيحًا؛ فغالبًا ما نقوم بأداء مهام معقدة، مثل القيادة، دون الاهتمام الواعي بما نقوم به.

صحيح أيضًا أننا نجد صعوبة في الشك فيما يخبرنا به التأمل الباطني، ولكن قد يكون هذا بسبب عدم وجود طريقة سهلة للتحقق من دقتها، ولا يتبع ذلك أنها معصومة (لدينا الكلمة الأخيرة حول تجاربنا الواعية، ولكنها قد لا تكون الكلمة الصحيحة).

في الواقع، هناك سبب للاعتقاد بأن الاستبطان لا يمكن الاعتماد عليه؛ على سبيل المثال، يمكن إثبات تجريبي أن لدينا وعيًا أقل بكثير بالكائنات الموجودة في محيط رؤيتنا مما نعتقد. وبطبيعة الحال، إذا تمكَّنا من مراقبة عملياتنا الدماغية من الخارج، كما يفعل عالم الأعصاب، فلن نلاحظ أي خصائص هائلة.

الاعتراض الثاني: المظهر هو الواقع في الوعي

يقول الاعتراض الثاني: هل الوعي مجرد وهم؟ إن فكرة الوهم ذاتها تبدو متناقضة هنا؛ فأن تكون تحت تأثير وهم برؤية تفاحة يعني أن تكون لديك تجربة تشبه تجربة التفاحة تمامًا على الرغم من عدم وجود تفاحة. كيف يمكن إذن أن نكون تحت تأثير الوهم بوجود التجربة نفسها؟

إذا كنت تواجه تجربة تشبه تجربة الألم تمامًا، فأنت تواجه تجربة ألم فعلًا. وكما صاغ الفيلسوف جون سيرل في «لغز الوعي» (The Mystery of Consciousness 1997)، عندما يتعلق الأمر بالوعي، فإن المظهر هو الواقع.

هذا يبدو وكأنه اعتراض خطير، لكن في الحقيقة يمكن التعامل معه بسهولة. لا يمكن لخصائص التجارب نفسها أن تكون وهمية بالمعنى الموصوف، لكن يمكن أن نقع تحت تأثير الوهم بامتلاك تجربة ذات خصائص معينة؛ فعندما يقول الخادعون (الوجوديون الوهميون) إن الخصائص الهائلة هي وهم، فإن هذا يعني أن لدينا تمثيلات استبطانية مثل تلك التي قد تكون لدينا إذا كانت تجاربنا تملك خصائص هائلة فعلًا.

ويمكن أن نحصل على مثل هذه التمثيلات حتى لو كانت تجاربنا تفتقر للخصائص الهائلة. بالطبع، هذا يفترض أن التمثيلات نفسها ليس لها خصائص هائلة، ولكن -كما أشرت- لا تحتاج التمثيلات إلى الخصائص التي تمثلها؛ فلا يجب أن يكون تمثيل الاحمرار أحمر، ولا يجب أن تكون تمثيلات الخواص ظاهرة.

ولكن كيف تمثل حالة المخ خاصية هائلة؟ هذا سؤال صعب. أعتقد أن الإجابة يجب أن تركز على تأثيرات تلك الحالة؛ فتمثل حالة المخ خاصية معينة إذا تسببت في الأفكار وردود الفعل التي ستكون مناسبة فيما لو كانت الخاصية موجودة.

لن أحاول تطوير هذه الإجابة هنا؛ لأنه ليس الوهميون وحدهم من يجب عليهم معالجة هذه المشكلة، ففكرة التمثيل العقلي هي فكرة مركزية في العلوم المعرفية الحديثة، وشرح كيف يمثل الدماغ الأشياء هي مهمة تشارك فيها جميع الأطراف.

في الواقع، حتى الواقعيون حول الوعي الهائل يجب أن يفسروا كيف نمثل عقليًا الخصائص الهائلة، لكي يفسروا حقيقة أننا نفكر فيها ونتحدث عنها. هناك تحدٍ هنا للوهم ولكن ليس اعتراضًا يبطله.

الاعتراض الثالث: من هو موضوع هذا الوهم؟

أخيرًا، يتساءل البعض: من هو موضوع هذا الوهم؟ ألا يفترض الوهم وجود ذات واعية تعاني من الوهم وتختبره؟

جوابي هو أن الموضوع هو الشخص ككل، أي الكائن الحي المتطور المستقل الذي يتكون من أنظمة فرعية بيولوجية متفاعلة. نحن ندرك شيئًا ما إذا كانت المعلومات المتعلقة به تصل إلى ما يكفي من أنظمتنا الفرعية العصبية حتى نتمكن من التفكير والتصرف بمرونة فيما يتعلق به لاستخدامه، وتذكره، وإخبار الآخرين عنه وما إلى ذلك.

فكِّر في منظمة كبيرة تتألف من كثير من الإدارات، كل منها مسؤولة عن وظيفة واحدة ولكنها تشارك المعلومات مع الإدارات الأخرى؛ فإذا امتلكت أقسام كافية معلومات معينة واستخدمتها، فيمكن القول إن المنظمة ككل على دراية بها.

الشيء نفسه ينطبق على الكائنات الحية مثلنا؛ ففي حال تلقي عدد كافٍ من النظم العقلية لمعلومات عن خاصية معينة واستخدامها، يمكن القول إن الكائن الحي نفسه على دراية بها، وإذا كانت تلك التصورات وهمية، فإن الكائن الحي يكون واقعًا تحت تأثير الوهم.

من المغري أن نفترض أن هناك نظامًا رئيسًا (الذات) تُبلغ به جميع الأنظمة العقلية الأخرى، وأننا ندرك شيئًا ما فقط إذا كان نظام المدير يعرفه، لكنني أزعم أن نظام الرئيس هذا هو بحد ذاته وهم، وتلك قصة أخرى.

إن الخوض في فلسفة الوعي يشبه السير على حبل مشدود بين العلم والميتافيزيقا، وعلى الرغم من الانبهار العلمي الذي يقدمه المذهب الوهمي، فإنني أرى أن تحويل تجربة الإدراك البشري إلى وهم مستخدم قد يُجرد التجربة الإنسانية من عمقها الأخلاقي والوجداني.

العقل ليس آلة تعالج البيانات، بل هو الساحة التي يتشكل فيها المعنى، إن استكشاف الدماغ لا ينفي روعة التجربة التي نعيشها؛ فمعرفة أن ألوان الغروب هي أطوال موجية للضوء، لا تلغي أبدًا الشعور الخالص بالجمال الذي ينبض فينا في تلك اللحظة.

هل الوعي وهم؟

وفقًا للفلاسفة الماديين وأنصار المذهب الوهمي، نعم. هم يرون أن الإحساس الداخلي العميق بالتجارب (الوعي الهائل) ليس حقيقة مادية في الدماغ، بل هو وهم مستخدم تطوري خلقه الدماغ لمساعدتنا على التفاعل مع العالم بتبسيط.

ما مراحل الوعي الخمسة؟

يُصنف علماء النفس التطوري الوعي إلى خمس مراحل:

  1. الوعي البدائي (الشعور بالذات والمحيط).
  2. الوعي الحسي الإدراكي (معالجة الحواس).
  3. الوعي المعرفي التفكري (التفكير المجرد).
  4. الوعي الاجتماعي الأخلاقي (إدراك الآخرين والقوانين).
  5. الوعي الذاتي الميتا-معرفي (مراقبة العقل لأفكاره).

ماذا قال الفلاسفة عن الوعي؟

انقسم الفلاسفة تاريخيًا؛ ديكارت رآه دليلًا قاطعًا على الوجود والروح، وكانط اعتبره إطارًا ينظم التجربة البشرية. أما في العصر الحديث، فلاسفة مثل ديفيد تشالمرز عدًّوه لغزًا يصعب حله ماديًا (معضلة الوعي الصعبة)، في حين عدوه دانيال دينيت وهمًا بيولوجيًا.

هل الوعي هو الروح؟

في الفلسفات الكلاسيكية والأديان، ارتبط الوعي ارتباطًا وثيقًا بالروح بعدِّه جوهرًا غير مادي. أما في الفلسفات المادية المعاصرة وعلم الأعصاب، يُرفض هذا الربط تمامًا، ويُعد الوعي نتاجًا بيولوجيًا صرفًا للشبكات العصبية المعقدة في الدماغ دون أي جوهر مفارق للمادة.

من قال إن الوعي وهم؟

الفيلسوف المعاصر دانيال دينيت (Daniel Dennett) هو من أبرز من تبنى هذا الطرح بجرأة، قائلًا إن ما نشعر به أنه وعي هو قصة وهمية يحيكها الدماغ لتبسيط العمليات العصبية المعقدة لتسهيل البقاء، وهو ما يُعرف فلسفيًا بـ (Illusionism).

ما الفرق بين وعي الوصول والوعي الهائل؟

وعي الوصول (Access Consciousness) هو الجانب الوظيفي القابل للقياس، حيث يتلقى الدماغ المعلومات ويبثها للذاكرة واتخاذ القرار. أما الوعي الهائل (Phenomenal Consciousness) فهو الشعور الذاتي الخالص للأشياء (الكواليا)؛ مثل الإحساس الخاص برؤية اللون الأحمر أو تذوق طعم معين.

خيال تطوري حميد

العالم الشخصي للوعي الهائل هو خيال كتبته أدمغتنا من أجل مساعدتنا على تتبع التأثير الذي يخلقه العالم علينا. وأن نسميه خيالًا لا يعني الاستخفاف به؛ فيمكن أن تكون القصص الخيالية رائعة، وتعزز الحياة وتكشف حقائق عميقة عن العالم، ويمكن أن تكون أكثر إقناعًا من الواقع نفسه.

على عكس شخصية Neo في فيلم The Matrix، يجب ألا ترغب في الهروب من هذا العالم الخيالي؛ إنه عالم حميد، مصمم بواسطة عمليات تطورية حكيمة لمساعدتك على الازدهار والاستمرار، ولكن في المقابل، يجب ألا تخطئ في خلطه بالواقع الصرف أيضًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة