هل الملل فرصة أم معضلة؟

تاريخ الملل والخطايا السبع

الملل هو تجربة معاصرة، لأن أسلافنا الذين عاشوا عقودًا طويلة لم يكن لديهم ترف العبث بإبهامهم نتيجة شعورهم بالملل. ويشير أندرياس إلبيدورو إلى أن "البعض يقول إن الملل بالشكل الذي نشعر به اليوم ظهر في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر". لقد كانت بداية الثورة الصناعية، ودخول الآلة في الإنتاج، ما قلل المهام التي كان يقوم بها الإنسان يدويًّا، وزاد وقت الفراغ للبعض في الأقل.

ولقد ارتبط الفراغ تاريخيًا بالثقافات الشعبية التي تقيِّد قيمة الإنسان بالعمل والإنتاج، والمستمدة من موروث المعتقدات الدينية التي تعد الفراغ نتيجة للكسل مذمومًا في الإسلام، ويُعد في المسيحية من الخطايا السبع المميتة.

اقرأ أيضًا: كيف نتغلّب على الملل بصورة المختلفة؟

متى تشعر بالملل؟ 

متى تشعر بالملل في أغلب الأحيان؟ عند محطة الحافلة؟ في الطابور في السوبر ماركت؟ هل تجلس أمام التلفاز وتشعر بالملل من كثرة الأفلام المعروضة على المنصات الرقمية؟

الملل وفقًا لبعض الناس، هو شعور مرادف للكآبة أو عندما يكون لديهم كثير من الوقت لإنجاز مهام محددة روتينية جدًّا. ولكن أحيانًا يكون الملل هو دليل على أنك بحاجة للخروج من هذا النمط وكسر حلقة الرتابة. يقول الفيلسوف الأمريكي أندرياس إلبيدورو -أستاذ الفلسفة بجامعة لويزفيل بولاية كنتاكي-: "الملل هو محرك التغيير".

لقد درس إلبيدورو مفهوم الملل أكثر من عقد من الزمن، وخلص إلى أن الملل هو شعور بعدم الرضا. وقد ذكر في إحدى المقابلات التي أُجريت معه: "إن الشعور بالملل يتسرب لأنفسنا عندما لا نكون راضين عن وضعنا وعما نقوم به".

اقرأ أيضًا: كيف تقضي على الملل؟

الملل فرصة وليس معضلة 

وفي السياق نفسه، نستطيع أن نقول: إن عدم تعايشنا مع الملل وتقبلنا له أو شغل أوقاتنا على نحو بسيط هو نتيجة لعصرنا الذي يتميز بدكتاتورية الآنية ووفرة الترفيه. وعلى نحو متزايد، يعتقد بعض الناس أننا يجب أن نتعلم من جديد كيفية ترويضه، والتوقف لحظة قبل أن نهدر مزيدًا من الوقت الذي يتآكل باستمرار ويلتهمه وحش الترفيه الذي تعددت أوجهه حتى أصبح ذاته غاية وليس وسيلة، كأننا نخشى أن نتوقف لحظة نواجه فيها ذواتنا، ونستمر في الانغماس فيه هربًا من واقعنا، ونغفل عن أن الملل ذاته قد يكون دافعًا لتحفيز الإبداع، وإعادة تقييم حياتنا وتعزيز التركيز نحو الأفضل.

إن الصورة التي أراد إلبيدورو تقديمها، هي أن الناس يجب ألا يخافوا الملل ويحاربوه بكل الوسائل الممكنة، لا بل يعتقد أنه أداة مفيدة لدينا نحن البشر تتيح لنا معرفة متى يوجد خطأ ما.

 وعليه ففي رأيي، الشيء المهم هو عدم الانغماس في الملل وعده معضلة، بل علينا معرفة سبب شعورنا بالملل، وأن نعرف كيف نجعل الملل والإحباط والترقب، دافعًا يقودنا إلى حياة أفضل.

اقرأ أيضًا: كيف تتخلص من الملل والسأم؟

تطور وسائل التعامل مع الملل

 إن الملل يتطور مع المجتمع، وطفرة التغيير التي جاءت مع ثورة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي، وتعدد منصات الترفيه الإعلامية الذي أصبحت تجني المليارات من شغل أوقات فراغ الإنسان المعاصر وإلهاء الجميع حتى لا يشعروا بالملل، وذلك من طريق إجراء بحوث عن النمط السلوكي للأفراد واستحداث آلية لجعلهم متصلين في التطبيقات المختلفة أكبر قدر ممكن من الوقت، وهو مما لا شك فيه يعد تحولًا واضحًا في كيفية التعامل مع الملل يختلف عن الوسائل التي استخدمت في أي وقت مضى.

لذا، عليك أن تسأل نفسك أسئلة عما يحاول الملل أن يخبرنا به، قبل البحث عن طريق للهروب في وسائل التواصل الاجتماعي، كما يفعل كثير من الناس؛ لأن ذلك السلوك يؤجل المشكلة إلى وقت لاحق، ويضيع منا فرصة الاستفادة من الملل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة