هل الكذب فضيلة أم رذيلة؟

لم يكن الكذب أبداً فضيلة:

يجب على كل إنسان أن يراجع أقواله وأفعاله أولاً بأول، حتى يتأكّد من مطابقة الأقوال للأفعال، فإذا كان ذلك فهو يعيش حالة رائعة من السّلام النفسيّ، والاطمئنان الذاتيّ يجعله ينطلق في الحياة تملؤه الثقة بأنه لا يوجد على سطح الأرض من يكذبه، وأن جميع الناس حوله يتعاملون معه وهم آمنون من حيل الكاذبين، وحكايات المنافقين.

فمنذ نعومة أظافري وأنا لا أنسى حكاية الصبيّ الكاذب، ذلك الذي كان يعيش في قرية على شاطئ البحر، فيقحم نفسه في الماء ويستغيث بأهل القرية طالباً إنقاذه مدّعياً أنه يغرق، وكلّما تقدّم نحوه أحدهم - في كل مرّة - يصارحه بأنه كان يمزح معه بكذبة لطيفة، وهي في حقيقتها كذبة سخيفة أفقدت أهل القرية كلهم ثقتهم فيه، إلى أن أتى يوم تعرَّض فيه هذا الصبي للغرق بالفعل، واستغاث طالباً النجاة صادقاً، إلّا أنه كان قد استنفذ رصيده من الثقة لدى أهل القرية، فلم يتقدّم لنجدته أحد، إلى أن أدرك أحدهم من هول المشهد أن هذا الصبي يغرق بحقّ، فأنقذه، وكاد هذا الصبي أن يهلك كنتيجة منطقيّة لكذبه.

فلم يكُن الكذب أبدًا فضيلة، بل إنه من أرذل الرذائل، كفى بالكذب سوءاً، إن أول المضرورين بسببه هو صاحبه، حيث فقد مصداقيته بين الناس، وكلّما نطق بكلمة نظر إليه محدثه بنظرة الريبة والشكّ، وإذا تفوه بعبارة مجاملة لرئيسه في العمل تعامل معه رئيسه على أنه منافق غير مأمون، وإذا كان تاجراً فباع أو اشترى وأقسم على مواصفات السلعة أو سعرها نفر الناس منه لعلمهم أنه ليس محلًا للثقة، وتحولوا عنه إلى تاجر آخر يثقون في بضاعته وقيمتها الحقيقية لصدقه.

وكم من البيوت تهدّمت بسبب كذبة تقوَّلها شخص مستهتر ترتب عليها الشقاق بين الزوج وزوجته، كم من بيوت تهدّمت بسبب عدم صدق الزوج حين سألته امرأته عن أمر ما فآثر السلامة - من وجهة نظره - فلم يقل الحقيقة وأجابها بما يرضيها، ثم اكتشفت بعد ذلك كذبه، ونفس الأمر حين تكذب الزوجة على زوجها فتخفي إحدى الحقائق عنه خوفاً من غضبه، ثم يكتشف الحقيقة بالصدفة بعيداً عنها، ويكتشف كذبها عليه، وما أقساه من شعور حين يفقد الإنسان ثقته في أقرب المقربين إليه، إذ كيف يعيش إنسان تحت سقف واحد مع غيره وهو فاقد الشعور بالأمان، حيث ضاع الشعور بالمصداقية بينهم.

ثم يتطوّر الكذب عند البعض حتى يصل إلى شهادة الزور، تلك التي قد يترتب عليها ضياع الحقوق، وقد يصل الأمر إلى أن يحكم القاضي في ساحة المحكمة على بريء بالإعدام نتيجة شهادة كاذبة من شاهد زور كاذب.

بين الكذبة البيضاء والكذبة السوداء:

قال البعض بأن هناك كذبة بيضاء، وهي تلك التي لن تؤذي أحداً من البشر، أو تلك التي يطلقها الإنسان خوفاً من عاقبة صدقه، أو حرصاً على مشاعر مُحَدِّثه.

إلّا أن الحقيقة التي لا تقبل جدالًا أن الكذب جميعه أسود، وجميعه يترتب عليه إيذاء الناس بدرجاتٍ متفاوتة. ولئن يترتب على الصدق إيذاء شعور من نحادثه مرّة أفضل من أن نفقد ثقته أبد الدهر.

بل إنه من الأفضل أن يتجنّب الإنسان الكذب على الآخرين ولو كان على سبيل المزاح، وإنّما يمكن المزاح من خلال الأحجية اللطيفة، أو اللغز الطريف الذي يبحث عن حل، أو الكلمات التي تحتمل معنيين، مثال ذلك: "هل يتم شرب الليمون قبل العصر أم بعد العصر؟".. فأيّ عصر يقصده السائل هو العصر كوقت زمنيّ أم هو عصر الليمون لاستخراج الشراب منه!

أو السؤال عن معنى "طرقت الباب حتى كلّ متني.. فلما كلّ متني كلمتني فقالت لي: أيا إسماعيل صبرًا.. فقلت أيا أسما عيل صبري... والأمثلة على ذلك كثير.

الصدق، ثمّ الصدق، ثمّ الصدق:

الصدق منجاة من كل سوء حتى ولو توهم الإنسان عكس ذلك، ذلك أن الصدق هو مبعث الثقة بين الناس، فلا يمكن أن تنبني العلاقات بين الناس على الكذب، وقد قالوا إذا أردت أن تكون كذوباً فكن ذكوراً، فالكاذب كلّما أعاد روايته لواقعة معينة اختلفت الرواية عن سابقتها فيفضح نفسه بنفسه، أمّا الصادق فإذا أعاد روايته مائة مرّة فهي ذاتها نفس الرواية دون تغيير أو تبديل.

الصدق يجعل صاحبه في حالة من التصالح مع نفسه، وفي حالة من راحة الضمير، حيث لم يتسبب أبداً في خداع الغير، وحيث طهَّر نفسه من النفاق، فهو إذا قال لفلان أحبك فهو يحبه صادقاً، وإذا قال لآخر أبغضك فهو يبغضه صادقاً.

الصدق هو أهم الأخلاق الحميدة، حيث يترتب عليه ارتقاء النفس البشرية، ذلك أنه ما دام الإنسان صادقاً فسيتجنب ارتكاب أيّ حماقات أو أخطاء حيث علم في ذاته أنه إذا سُئل عن أمر فعله فلن يستطيع الكذب على من حوله حتى يصبح إنساناً نموذجياً يعرف له من حوله أمانته وفضله.

وأخيرا ما دام الإنسان صادقاً مع الغير، وما دام الإنسان صادقاً مع نفسه فهو إنسان ناجح في حياته، وفي كافّة المجالات، حيث إنه يراقب ذاته كل لحظة، حيث لن يقبل على نفسه ولو كذبة واحدة يخادع بها الآخرين، وبالتّالي هو يحرص على تطوير نفسه، وعلى أن يبقى بين الناس نموذجاً للخلق الطيّب، وحقاً أنه من كان أميناً في قوله فهو لا شكّ أمين في فعله.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.