في زمن العثمانيين وأواخر عصر الممالك من حوالي 500 سنة، ظهر مشروبٌ جديدٌ في مصر، وتحديدًا في قسم الطلبة المغتربين اللي كانوا جايين من اليمن وقاعدين في الأزهر الشريف، الطلبة اليمانيين دول كانوا بيشربوا حاجة لونها أسود وريحتها غريبة حبتين، ممّا أدّى إلى تفوقهم الدراسيّ بسبب عدد الساعات اللي كانوا بيسهروها غير الطلبة العاديين، ودا خلا صحبهم في الأزهر الشريف يسألوهم إيه دا؟!
قالوا دي قهوة! طب بتعمل إيه؟! قاله دي بتساعدني على التركيز والاستيعاب والسهر ولا تذهب العقل، فبدأ ووحدة وحدة انتشر المشروب الجديد بين كل طلبة الأزهر الشريف، وخرج من دائرة الأزهر الشريف للعوام وبقي مشروبًا دارجًا بين الناس كلها، وكمان كان لي أماكن مخصّصة لتقدّمه تُدعى المقاهي أو القهوة لأنها ماكنتش بتقدّم حاجة غير القهوة، وكون القهوة مشروبًا يؤثّر على العقل بالسلب أو الإيجاب، فكان المشروب غريبًا على الناس وتحديدًا على رجال الدين، واختلفوا في أمره جدًا، هي القهوة حلال ولا حرام؟!
رجال الدين والمتشدّدين ساعتها عارضوا القهوة، بل ورفضوها رفضًا قاطعًا في الحجاز والشام والقاهرة لدرجة تكفير حملها وساقيها وشاربها زيها زي الخمرة بالضبط، ومن هنا بدأت الناس تتجنب القهوة خوفًا من الذنب، وكل دا والدنيا كانت ماشية تمام ما بين مؤيدٍ وما بين معارضٍ لحد ما بدأت المشكلة، لحد ما راح واحد يأخذ فتوة من مفتي الديار المصرية بإجازة القهوة أو تحريمها والسؤال كان، ما رأيك في المشروب الجديد الذي يدعى القهوة، والذي يزعم بعضهم أنه مباح رغم ما نتائجه وعواقبه الفاسدة؟!
كان المفتي أيامها كان اسموا الشيخ أحمد بن عبد الحق السنباطي، وبلا نقاش وبشكل مباشر أفتى بتحريمها تمامًا، وأن تُعامل معاملة الخمر، الافتاء دا سبّب انشقاقًا كبيرًا جدًا ما بين صفوف الشعب المصري ما بين معارضين لها اللي هما رجال الدين ومؤيدين لها، واللي هما تجار البن وشاربها، وبعدها بشهور في نفس السنة تقريبًا طلع خطيب في صلاة الجمعة وشعلّها وبدأ بخطبة حماسية بتحريم القهوة وإن ازاي في ناس بتشربها لحد دلوقتي مع إن جلالة المفتي أفتى بتحريمها؟!
وإن كلام المفتي بمشي على سلطان فنسوا لأن الدولة العثمانية كانت دولة دينية، الناس هاجت والدم غلى في عروقها وخرجوا من الصلاة سواء داعمين للفكرة أو زيطين في أي زيطة والسلام والهتاف اشتغل، وشالوا الشيخ على أكتافهم ومشوا في بالشوارع والميادين، وعليا النعمة ولو اتقفشت يومها مقفوش بطن حشيش يبقى أهون بأنك تتمسك بفنجان قهوة، دخلوا على القهوة وبيوت التجار ومحلاتهم ومخازنهم، وهاتك يا ضرب وتكسير تجار القهوة، بعدا شدوا بلاستر وهس هس ولا حس ولا خبر الموضوع يتنسى؟!
لاء ما يتنيسش الشيخ أحمد يسكت لا ما يسكتش بالعكس، دا كان فاضي حبتين ثلاثة وقام وأصدر فتوى تقول نصًا الآتي منع المنكرات والمسكرات والمحرمات، وبغلق أبواب الحانات والخانات، ومنع استعمال القهوة والجهر بشربها، وهدم كوانينها، وكسر أوانيها، قانون الفتوى في الزمن ده كان بالضبط قانون رئاسة الجمهورية في الزمن ده بعد فتوى الشيخ أحمد السنباطي، قرّر تجار القهوة وأصحاب المقاهي بأنه كفاية لحد كدة، وبعثوا كام واحد مثل القهوجية للمفتي ويطالبوه بالرّجوع عن الفتوى، ولكن كان القرار واضحًا وصريحًا بالرّفض التام يعني أي حاجة تيجى نحية المخ كخ، قالوا له بس تأثيرها إيجابي مش سلبي، على العموم احنا هنبيع واللي عندك اعمله، أما الشيخ أحمد السنباطي فكروا، أما باعت لي رجال الأزهر الشريف المؤيدين ليه، وقرّر أنه ينزل الحشد بنفسه في الشارع كنوع من أنواع الجهاد، وكان بسبب سلطته الشرطة كانت في ظهره ودارت عركة كبيرة وصل عدد المشتركين فيها للألف القهوجية من جانب، والشرطة مجبرة ورجال الدين من جانب آخر في وسط الليلة الكبيرة دي...
واحد من رجال الأزهر جاري على الشيخ أحمد وقام قايله يا شيخ أحمد في واحد من القهوجية مات وأهلوا جايين ياخدوا التار منك، عمك الشيخ أحمد قلق قام، لاحف القفطان وشلح القبقاب وفلق على أول شارع جه في وشه وقفل على نفسه جوا القهوجية، لمحه وهو بيجري، فقاموا محاصرين المسجد، واحترمًا لحرمة المسجد وقتها محدش قدر يخش المسجد، وفي نفس الوقت جالهم خبر إن في اثنين من المصابين أتوفوا فأعلنوا العصيان المدني، وعلى فكرة دا كان أول عصيان مدني يحصل في تاريخ مصر الحديث بسبب قهوة!
جابوا خيم وبطاطين وعملوا صوان كبير يأخذوا في عزاء الشهداء اللي ماتوا، والتجار عملوا قهوة سادة مجانًا لكل الجاي العزاء كدلالة على مرارة الحياة بفراق الشباب إللي مات، وعندًا في المفتي والسلطان هنشرب قهوة قدام عينك ودا سبب ارتباط القهوة السادة في العزاء حتى وقت الحالي، استمر الحصار 3 أيام فيهم حالة فوضى والشغب لحد ما الخبر وصل للسلطان العشماني، واللي عشان يهدي الموضوع طلع فرمان يعزل في الشيخ أحمد السنباطي عن لجنة الفتاوى، وتعيين واحد جديد المفتي الجديد اللي وصى السلطان بأن يخلص الحوار ده أول ما عين أعلن فتوى أن القهوة مش حرام ومش ممنوعة وعادي لو عاوزيين تتجروها وتشربوها، فالتجار وصلهوم الخبر ففرحوا جدًا والستات زغرطت في الشوارع، وأعلنوا احتفالًا عامًا في مصر، واعتبروا أن السلطان التركي هو نصير الغلابة ومن كتر فرحتهم بالقرار سموا مشروب البن القهوة التركي، ومن وقتها انتشرت المقاهي بمشروب القهوة التركي، وكان أكثر شاربيها من المثقفين والأعيان، ودخلت القهوة السرياقوسي القاهرة كدليلٍ على الفرحة الحمد لله على السلامة، ثمّ انتشرت في كلّ محافظات مصر، ثمّ الوطن العربي، وتركيا، وبقت عادة من ساعتها القهوة السرياقوسي، أو الزيادة وقت الفرحة والقهوة السادة وقت الحزن.
ولو أنت الشاب العميق اللي بشرب قهوة في الفجرية ومشغال فيروز في الخلفية وامسك كُتب وسيجارة لاء متتنساش القهوة دي قامت عليها ثورة ومات فيها ثلاث شباب زي الورد، واتغيّر على أثرها مفتي الديار المصرية نفسوا، ما كنش أبدًا سهل على الناس إن القهوة تبقى مشروب دارج وسهل بالعكس.
والسلامة عليكم ورحمة الله وبركاته وشكرًا لو كملت القراءة، يا رب ويا رب تكونوا استفدتوا.
كُتب بتاريخ 20/ 6/ 2020م و10 ذو القعدة 1441هـ.
المصدر
برنامج الحكواتي من قناة كايرو تايم، الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=epuVTVvdmCE&list=WL&index=2&t=22s
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.